شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"حوار سياسي" بدعوة من السيسي... حاجة الجميع إلى صورة للذكرى على حساب محدودي الدخل

"حوار سياسي" بدعوة من السيسي... حاجة الجميع إلى صورة للذكرى على حساب محدودي الدخل

سياسة

السبت 30 أبريل 202211:25 ص

مبدئيّاً، كلّما سمعت كلمة "حوار" في بلادنا أستنفر كل شكوكي ومخاوفي لعدة أسباب، منها أنها تُطرح من قِبَل السلطة بغرض كسب الوقت والتمهيد لتمكين وتفرُّد واستعلاء... حدث هذا في بداية حكم أنور السادات وحسني مبارك وبعد ثورة يناير... كما أن الحوار وسيلة لتفريغ الاحتقان بالكلام ثم الكلام، دون أن يلتزم أي طرف بأي شيء، كما تُستخدم وسيلة لفرز الناس حسب آرائهم ثم ملاحقتهم بعد ذلك...

ما تحتاجه دولة مثل مصر -بعد ثورتين- معروف بدقة، وكان مكتوباً كشعارات في الميادين، و"استُدْعِيَ" المشير عبد الفتاح السيسي بناء عليه، ثم انكتب في دستور 2014 الذي شاركت في كتابته القوى الفاعلة كلها، المؤسسات الأمنية والقضائية والليبراليون والسلفيون، وبالتالي لسنا بحاجة إلى مزيد من الكلام، بل إلى سن قوانين تتوافق مع الدستور، وتطبيق بنوده بدقة دون التفاف أو تسويف.

وما يعظِّم الشكوك حول ما سيحققه "الحوار السياسي" الآن أن الرئيس السيسي بنفسه، والذي يدعو إليه، قال إن الدستور الحالي كُتِبَ بنوايا حسنة، في إشارة إلى أنه غير راضٍ عنه، وأعطى الإذن بتغيير بند مدة الرئاسة، وتغيَّر بالفعل.

ما يغيب عن تحليل الرئيس السيسي للأحداث منذ يناير 2011، أن الذين خرجوا للميادين كانوا ضاجِّين من الفساد الذي وصفه رئيس ديوان الرئاسة في عهد مبارك، زكريا عزمي، بأنه وصل للأنوف، وبلغ مداه بالتمهيد لتوريث السلطة للسيد جمال مبارك، الذي كان حاكماً فعليّاً بشهادة كثيرين متصلين بالسلطة وقتها، أبرزهم الدكتور مصطفى الفقي، وأن أي إصلاح من الداخل كان مستحيلاً، لذلك كانت الثورة ضرورة لا بديل لها.

كما أن "الثوار" الذين ينتمي معظمهم إلى القوى المدنية من أبناء الطبقة الوسطى، جلسوا في الميادين 18 يوماً فقط، ثم كنسوا أبرزها، ميدان التحرير، ودهنوا أرصفته وسلموه للمجلس العسكري، لذلك فكل ما تلا ذلك كان نتيجة سياسات المجلس الذي كان السيسي أحد أعضائه، بداية من الاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين على "ترقيع" دستور 1971، مروراً بإجراء الانتخابات البرلمانية قبل الدستور الجديد، وفي ظل اشتعال الميدان في محمد محمود ومجلس الوزراء، وانتهاء بتسليم السلطة للجماعة دون فحص الطعون التي كان فحصُها كفيلاً بترجيح كفة الفريق أحمد شفيق.

على أي حال، ما حدث قد حدث ولا سبيل للعودة للخلف، والمطروح الآن هو "حوار سياسي" دعا إليه الرئيس بنفسه، فكيف يمكن أن تسير الأمور؟ ومَن الذي سيُدعى للمشاركة؟ وما هي الموضوعات التي ستُطرح؟ وما هي ضمانات تنفيذ الاقتراحات؟ وإلى أي مدى يستطيع المتحاورون طرح رؤاهم بحرية؟ تلك هي المشكلة.

المرور عبر حمدين صباحي

ظهور القيادي الناصري والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي (68 عاماً) في "إفطار العائلة المصرية"، والاحتفاء به بالشكل الذي حدث، لا أظنه صدفة، فصباحي كان طريق المشير السيسي إلى السلطة عام 2014 عندما ترشح ضده وهو واثق من الفشل، فقط ليعطي شرعية لوصول الرجل القوي. ربما يكون ذلك بوازع من "وطنيته" كما يقول أنصاره، ولأنهم كانوا يرون السيسي صورة جديدة من جمال عبد الناصر، لكن في المجمل فإن الناصريين –الذين يمثلهم حمدين- لا يرون غضاضة في الاستبداد إنْ اقترن بالعدل الاجتماعي.

ظهور صباحي ينبئ بأنه قد يلعب دوراً في "الحوار" المفترض، أقول قد. وربما يكون حسن النية هذه المرة أيضاً! لكن كيف اجتمع الرجلان في مناسبة واحدة؟ وكيف يمكن أن يجتمعا في حوار "وطني"، بعد أن قال صباحي في أيلول/ سبتمبر 2017 في لقاء جماهيري مصوَّر إن "نظام السيسي هو النسخة الأكثر رداءة من نظام مبارك الرديء، هو الاستبداد فجّاً وفاجراً، هو العداء للفقراء، هو الانصياع لصندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الغربية، هو التبعية والرضوخ للمهيمن الاستعماري، وهو العدوان بالقمع والسجن والمطاردات والاختفاء القسري والقتل خارج القانون لكل صوت حر"؟

"الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى صورة تمحو الصورة القديمة للفرد الواحد والصوت الواحد الذي لا يجب أن يُسأل أحدٌ سواه، لأنها ستحمِّله وحده أعباء الإخفاق إن حدث لا قدر الله"

وكيف يمكن أن يجتمعا بعد أن لاحق صباحي نظام السيسي بانتقادات لاذعة في مناسبات متفرقة على خلفية الاعتداء على الحريات، عند اعتقال معصوم مرزوق، عام 2018، وعند القبض على خالد داود، عام 2019، وعند قتل عويس الراوي، عام 2020، مما جعله هدفاً لسهام أنصار السيسي من الإعلاميين، وتقدّمت ضده عشرات البلاغات إلى النائب العام، من محامين يتقربون من السلطة، تتهمه بالتطاول على الرئيس، والاتفاق مع الجماعة المحظورة، إلخ؟

حوار أحزاب العلب الكرتونية

في مصر ثلاثة أحزاب رئيسية قديمة: الوفد الذي كان يمثل طبقة كبار الملاك، والتجمع الذي بدأ بتحالف لقوى اليسار من شيوعيين وناصريين، ثم تحوّل إلى حزب أليف بعدما انسحب الناصريون واعتزل زعيمه التاريخي خالد محيي الدين، والحزب الوطني الديمقراطي الذي ضم رجال المال وشيوخ القبائل والمنتفعين، وقد سقطت جميعاً يوم 25 يناير 2011 حينما لم تكن على مستوى الغضب الشعبي.

وبعد يناير، فُتح المجال أمام تشكيل أحزاب سياسية دون القيود التي كانت موجودة وقت السادات ومبارك، بحيث أصبح تشكيلها بمجرد الإخطار... وقد أكد دستور 2014 على ذلك، حيث نصت المادة رقم (74) منه على أن "للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفي أو جغرافي، أو ممارسة نشاط معادٍ لمبادئ الديمقراطية، أو سرّي، أو ذي طابع عسكري أو شبه عسكري، ولا يجوز حل الأحزاب إلا بحكم قضائى". (وهذه المادة الواضحة لم تمنع تشكيل حزب سياسي ديني للسلفيين!)

وبناء عليه، وبعد حل الحزب الوطني، أصبح في مصر حوالي 60 حزباً قانونيّاً، بالإضافة إلى حوالي مئة حزب تنتظر القرار، كلها ليس لها وجود فعلي في الواقع، ولا تمثل أي فئة من فئات المجتمع، وليس لها أي نشاط جماهيري بسبب التضييق الذي تمارسه السلطة على التجمعات.

ستة من هذه الأحزاب كانت مرشحة للعب دور سياسي مهم لو سارت الأمور بشكل طبيعي دون تدخل أو توجيه، وهو ما لم يحدث مع الأسف. وهذه الأحزاب هي: حزب الدستور الذي أسسه محمد البرادعي عام 2012، مع أحمد حرارة والسفير سيد قاسم ود. أحمد دراج؛ والتيار الشعبي الذي أسسه حمدين صباحي في أيلول/ سبتمبر 2012، وهو تجمع سياسي يضم الأحزاب الناصرية واليسارية؛ حزب المصريين الأحرار ذو المرجعية الليبرالية الذي أسسه نجيب ساويرس في نيسان/ أبريل 2011، وانضم إليه عدد من الشخصيات العامة والكُتَّاب؛ الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الذي ضم في عضويته محمد أبو الغار، محمد غنيم، داود عبد السيد، حازم الببلاوي، ميرفت التلاوي، زياد بهاء الدين، د.نور فرحان وآخرين من المثقفين وأساتذة الجامعات؛ حزب الحركة الوطنية المصرية الذي ارتبط باسم الفريق أحمد شفيق؛ وحزب المؤتمر المصري الذي ارتبط باسم عمرو موسى.

"الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى متكلمين، وقادة الأحزاب الكرتونية يحتاجون إلى ميكروفونات، ولقطات بجوار الرئيس تزيد مساحة وجودهم، بينما لا شيء يحدث على الأرض سوى زيادة المعاناة الاقتصادية لغالبية الشعب"

هذا إضافة إلى حزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي أصبح رئيسه محمد مرسي رئيس مصر منذ حزيران/ يونيو 2012، قبل أن يخلعه تحالف 3 يوليو استناداً إلى تظاهرات 30 يونيو 2013، ويتم حظر الجماعة والحزب.

حوار الميكروفونات

عام 2015، تأسس "حزب مستقبل وطن"، وسرعان ما أصبح مهيمناً على الأغلبية في البرلمان المصري بغرفتيه، وتلاحقه شائعات بأنه حزب السلطة، ووريث الحزب الوطني الديمقراطي. تشكّل ليكون الظهير السياسي للرئيس دون أن يكون له صلة تنظيميه معلنة به، فرجعت مصر إلى المربع الأول: حيث يهيمن حزب واحد مدعوم من النظام على معظم مقاعد التمثيل السياسي، وأحزاب شكلية دون تأثير ولا نشاط ولا صوت ولا موقف.

وبالتالي، فإن "الحوار السياسي" المقترح سيكون –على الأغلب- حواراً صوتيّاً يدور في هذه الدائرة المغلقة، ولا مانع من تجميله ببعض إعلاميي السلطة، وبعض السياسيين المفوهين –أمثال صباحي وعمرو موسى- الذين يستطيعون تصدير خطاب يبدو حقيقيّاً، رغم أنهم يعرفون أنه مجرد "لقطة"، وأن عليهم أن يبتسموا، وأن يصدّقوا أنفسهم!

ما يؤيد هذا الاحتمال هو أنه عقب إعلان الرئيس، اتصل صحافيون برؤساء بعض الأحزاب وسألوهم إنْ كان تم الاتصال بهم قبل الإعلان، على الأقل لضمان نجاح المبادرة، والمفاجأة أن جميعهم قالوا إنهم لم يعلموا شيئاً عن الأمر إلا من خطاب الرئيس. لكن المفاجأة الأكبر أنهم أبدوا استعدادهم للمشاركة، دون طرح أي أسئلة أو طلب أي ضمانات، أو معرفة جدول الأعمال المطروح!

الموافقة لدى بعض رجال الأحزاب استندت إلى عبارات عامة مطاطة من نوعية: "تطور مهم، يأتي في سياق مفاده أن الدولة المصرية رسخت وقويت، وأن العبور للمستقبل يتطلب أن نتعاون في أشياء كثيرة من بينها الحوار السياسي"، و"مبادرة محمودة تأتي ضمن مبادرات الرئيس للاستجابة لاحتياجات المجتمع المصري"، و"تعد تأسيساً للجمهورية الجديدة وإنجازاتها، التي إذا لم تكن محمية بحوار سياسي ستكون مهددة في المستقبل"، أو "ما يتم إنجازه على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى مشاركة من قوى المجتمع"، دون أن يقول أحدهم ما تعنيه كلمات مثل "الجمهورية الجديدة" و"الإنجازات" أو ما هي احتياجات المجتمع المصري، ومَن هم "قوى المجتمع"!

حاور... الصورة تطلع حلوة!

الأمر كما أتصوره أن الرئيس السيسي يحتاج إلى صناعة صورة جديدة تناسب النفق الذي من المتوقع أن تدخله مصر، نفق أزمة اقتصادية طاحنة، فيها دين ضخم، داخلي وخارجي، تبتلع فوائده فقط 51% من الناتج القومي وزيادة سكانية مطردة، وظروف دولية مستجدة أوجدها وباء كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ضيَّقت الخناق أكثر على رقبة الاقتصاد المصري الذي يعتمد على التجارة فقط وتبادل الأموال، واعتماد شبه كامل على استيراد السلع الأساسية من الخارج، في ظروف سيصعب معها الحصول على معونات من دول الخليج التي تعاني أيضاً، أو صناديق التمويل الدولية التي تشك في قدرة مصر على سداد ديونها.

الرئيس يحتاج إلى صورة تمحو الصورة القديمة للفرد الواحد والصوت الواحد الذي لا يجب أن يُسأل أحدٌ سواه، لأنها ستحمِّله وحده أعباء الإخفاق إن حدث لا قدر الله.

الرئيس يحتاج إلى متكلمين، وقادة الأحزاب الكرتونية يحتاجون إلى ميكروفونات، ولقطات بجوار الرئيس تزيد مساحة وجودهم، بينما لا شيء يحدث على الأرض سوى زيادة المعاناة الاقتصادية لغالبية الشعب، لأن هذه "المكلمة" الجديدة ستحتاج إلى نفقات إضافية، ستُخصم بدورها من قوت الناس!

Website by WhiteBeard