شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"مشروبنا المفضل في خطر"... كيف يمكن أن تصمد القهوة بوجه التغير المناخي؟

"مشروبنا المفضل في خطر"... كيف يمكن أن تصمد القهوة بوجه التغير المناخي؟

بيئة ومناخ

الجمعة 15 أكتوبر 202102:56 م

القهوة هي صناعة بمليارات الدولارات، بحيث أنها تدعم اقتصاد العديد من البلدان الاستوائية، كما يعتمد عليها ما يقرب من 100 مليون مزارع لكسب لقمة عيشهم.

لا شك أن زيادة درجات الحرارة تجعل زراعة حبوب البن أصعب، بحيث تنمو شجيرات البن بشكل أفضل في نطاق ضيق إلى حدّ ما من درجات الحرارة.

وبالتالي، تعمل شركات القهوة بالتعاون مع المزارعين على إمكانية صنع حبة بن أكثر مرونة، ولكن هل سيكون ذلك كافياً أم أن قهوتنا باتت بالفعل مهددة بسبب التغير المناخي؟

قطف كرز القهوة

قبل عام، في مزرعة قهوة تجريبية تمتلكها شركة ستاربكس على منحدرات بركان في كوستاريكا، كان العمال يقطفون بعناية كرز القهوة- الفاكهة الحمراء الزاهية التي تحتوي على حبوب البن- من ثلاثين نوعاً جديداً من أشجار البن التي تم غرسها قبل سنتين، وكان تُحصد لأول مرة.

وفي قطعة أرض اختبارية في مزرعة أخرى في كوستاريكا، قام العمال بوزن الفاكهة المختارة من كل هجين قهوة جديد، وتسجيل البيانات، قبل إرسال الحبوب لتتم معالجتها وتحميصها وشحنها كعيّنات إلى 20 شركة قهوة مختلفة.

 تعمل شركات القهوة بالتعاون مع المزارعين على إمكانية صنع حبة بن أكثر مرونة، ولكن هل سيكون ذلك كافياً أم أن قهوتنا باتت بالفعل مهددة بسبب التغير المناخي؟

في كلتا المزرعتين، وفي مواقع عالمية أخرى، يتم تشغيل البرنامج التجريبي بواسطة World Coffee Research، وهي منظمة غير ربحية تدعمها بعض أكبر شركات القهوة في العالم.

تقوم المنظمة باختبار الأصناف الجديدة لناحية الإنتاجية ومقاومة الأمراض والنكهة، كخطوة أولية لمعالجة أكبر مشكلة في صناعة البن ومحاولة الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن للقهوة أن تنجو من آثار التغير المناخي؟

في الواقع، يكافح المزارعون الذين يزرعون حبوب البن المستخدمة في صنع فنجان قهوتكم/نّ الصباحي بالفعل بسبب الطقس القاسي وزيادة الأمراض التي تصيب المحاصيل الزراعية.

تعليقاً على هذه النقطة، قال دوغ ويلش، رئيس تحميص البن في Peet's، وتاجر في منطقة خليج سان فرانسيسكو: "لا أعرف أي مزارع بن لا يؤمن بالاحتباس الحراري".

واللافت أن الشركة التي يعمل بها ويلش ساعدت في إطلاقWorld Coffee Research في العام 2012، كطريقة لجعل شركات القهوة تتعاون في إيجاد الحلول المناسبة.

وتحدث ويلش عن حجم المشكلة التي يعاني منها المزارعون، بالقول: "نحن نتحدث عن تحدٍ أكبر من أي شركة. إنه حقاً أكبر من أي بلد آخر".

الظروف الصعبة

بحسب مركز الاستثمار المستدام التابع لجامعة كولومبيا، فإنه بحلول العام 2050، فإن ما يصل إلى ثلاثة أرباع الأرض المستخدمة حالياً لزراعة بن أرابيكا، لن تكون مناسبة إذا استمر التغير المناخي في مساره الحالي، وارتفع متوسط درجة الحرارة في مناطق زراعة البن 2.8 درجة مئوية (حوالي 37 درجة فهرنهايت)، مع العلم بأن درجة الحرارة قد ارتفعت بالفعل 1.5 درجة مئوية في تلك المناطق.

شرحت إليزابيث شابيرو، أستاذة السياسة البيئية والإدارة في جامعة ديوك، والتي درست كيف يحاول صنّاع القهوة التكيّف مع ظاهرة الاحتباس الحراري، أن "القهوة معرضة بشكل خاص للتغير المناخي لأسباب عديدة، لكن أحدها هو أن لديها نطاقاً مناخياً محدوداً للغاية تنمو فيه".

وفي حين أن حبوب روبوستا أكثر مرونة من حبوب أرابيكا، غير أنه لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً لأنها تفتقر إلى النكهة، وهذا ما يجعلها مستخدمة في الغالب في الخلطات، كما أن نموها يزداد صعوبة مع تغير المناخ.

يمتد حزام الأرض حيث تزدهر القهوة حول العالم في المناطق الاستوائية، من إثيوبيا إلى إندونيسيا وبوليفيا، وحتى في هذه المنطقة المحدودة، فإن أشجار البن والنباتات الصغيرة الشبيهة بالشجيرات التي تزرع ثماراً حمراء صغيرة تحتوي كل منها على بذرتين، وتعمل بشكل جيّد فقط على ارتفاعات معيّنة مع درجات الحرارة المناسبة.

تزدهر حبوب أرابيكا في درجات حرارة تتراوح بين 64 درجة و70 درجة فهرنهايت، وذلك في المزارع الجبلية التي تتراوح من 1800 إلى 6300 قدم فوق مستوى سطح البحر.

يتم زرع غالبية المحصول من قبل ما يقدر بنحو 25 مليون مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة، ويعتمد الكثير منهم على بساتين البن الصغيرة خلف منازلهم لكسب لقمة العيش، والمفارقة أن معظمهم يعيش في حالة فقر مدقع، على الرغم من حقيقة أن هؤلاء المزارعين يزودون سوقاً عالمياً للبن بقيمة تزيد عن 100 مليار دولار.

في العادة يقوم العمال بحصد كرز القهوة يدوياً، وهي عملية تتطلب عمالة مكثفة، تتضمن قطف كل فاكهة بشكل انتقائي في ذروة النضج، ومن ثم يتم تجفيف المحصول ومعالجته وشحن الحبوب إلى محمصات البن.

ولكن نظراً لكون التغير المناخي يجعل حرارة المزارع الجبلية ترتفع، فإن أشجار البن تنتج كميات أقل من الفاكهة التي تحتوي على حبوب البن، كما أن ذلك يجعل الجودة تتدهور.

أما عندما تكون درجات الحرارة منخفضة، فإن حبوب البن تنضج بشكل أبطأ، ما يتسبب في نمو الأحماض والسكريات المعقدة في الفاكهة.

في هذا الصدد، قالت هنا نيوشوندر، مديرة الاستراتيجية والاتصالات فيWorld Coffee Research: "القهوة مثل النبيذ، تحصل على بعض التعقيدات في مذاقها جرّاء النضج البطيء"، مشيرة إلى أن التغير المناخي هو من العوامل الأولى التي تؤثر سلباً عليها: "بمجرد أن يصبح الجو حاراً بدرجة كافية، قد تصل إلى موقف لا يستطيع فيه النبات البقاء على قيد الحياة".

نظراً لأن الإنتاج يمكن أن ينتقل إلى مواقع جديدة، فقد لا يلاحظ المستهلكون/ات تغييرات كبيرة، على الأقل في البداية، ولكن في نهاية المطاف، يمكن أن تبدأ بعض أنواع القهوة المميزة بالاختفاء، ويمكن أن تزداد أسعارها، كما يمكن أن تبدأ جودة فنجان القهوة العادي بالتراجع.

والمفارقة أن جميع الضغوطات تتزايد على القهوة في نفس الوقت الذي ينمو فيه الطلب، لا سيما في العالم النامي، إذ إنه، وبحلول العام 2050، مع تقلص الأرض المناسبة لزراعة البن، من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي، بما معناه أنه في حال لم يتم بذل الكثير من الجهد، فإن جودة ما هو متاح ستتغير.

غير أن هنا نيوشوندر طمأنت عشاق القهوة بالتأكيد على أن مشروبهم المفضل لن يختفي: "الأمر ليس كما لو أننا لن نشرب أي قهوة في العام 2050، فالبعض سينتجها ولكن كيف سيكون مذاقها؟ كم ستكون باهظة الثمن؟ ما هي القدرة على الاحتفاظ بأنواع القهوة الأكثر إثارة للاهتمام لناحية النكهة؟".

20 مليون مزارع في خطر

عندما أصبحت الظروف المناخية أكثر تطرفاً وغير منظمة، بدأ المزارعون بالفعل بملاحظة تأثيرات أخرى للقهوة .

وعن هذا الموضوع، قال شابيرو، وهو أستاذ في جامعة ديوك: "إن المزارعين الذين عملنا معهم في غواتيمالا يشهدون حقاً موسم جفاف أطول بكثير مما كان عليه من قبل، وعندما تهطل الأمطار، تصبح الأمور غير متوقعة".

في الحقيقة، تؤدي زيادة الحرارة والعواصف الشديدة والرطوبة إلى انتشار فطريات تسمى "صدأ أوراق البن" بسهولة أكبر، فيهاجم المرض الأوراق ويجعل أشجار البن تنتج ثماراً أقل، بالإضافة إلى إمكانية تدمير المزارع الصغيرة التي شهد بعضها انخفاضاً في الإنتاج بنسبة 80%.

وفي السياق نفسه، استسلم العديد من المزارعين في مواجهة التحديات المناخية والتقلبات في أسعار القهوة، والتي تجعلهم غير قادرين دائماً على تغطية تكلفة الإنتاج، بما في ذلك المواد الكيميائية المستخدمة لمحاربة الفطريات، بالإضافة إلى ذلك، فقد تقلصت المزارع أكثر بسبب جغرافية الجبال، ما يعني بأن هناك بعض المزارعين الذين سيضطرون إلى ترك أراضيهم وشراء أراض جديدة، بالطبع في حال استطاعوا ذلك، والانتظار سنوات حتى تبدأ الأشجار الجديدة بإعطاء الثمار.

ولكن لا يبدو أن صنّاع القهوة يخططون حتى الآن لكيفية تحول الإنتاج إلى مواقع جديدة، بحسب تأكيد ميشيل بيرنز، نائبة الرئيس الأولى للقهوة والشاي في ستاربكس: "ينصب تركيزنا على الأرض الموجودة. لقد تاثر عشرون مليون مزارع وعائلاتهم في مناطق زراعة البن حول العالم. وطموحنا أن نعزز الأرض التي يزرعون فيها ونزيد من إنتاجيتهم".

إذا لم يتم مساعدة المزارعين على زيادة قدرتهم على التكيف مع التغير المناخي من أجل ضمان الاستمرار في إنتاج البن والمنافسة، فإن القهوة ستكون مهددة

واللافت أنه في مزرعة الاختبار الخاصة بها، تدرس شركة ستاربكس التقنيات المتنامية التي يمكن للمزارعين استخدامها لتحسين الإنتاجية، بهدف مشاركة هذه المعرفة مع أكبر عدد ممكن منهم، كما تتبرع الشركة بملايين الأشجار للمزارعين، وفق بيرنز: "نحن نعمل جنباً إلى جنب مع المزارعين في بيئة زراعية مفتوحة المصدر على الأرض، وهذا أمر أساسي حقاً، سواء كنا نشتري حبوب القهوة أم لا، فنحن ملتزمون بضمان أننا جميعاً نعمل معاً نحو طموحات كبيرة وواضحة".

في الختام، إذا لم يتم مساعدة المزارعين على زيادة قدرتهم على التكيف مع التغير المناخي من أجل ضمان الاستمرار في إنتاج البن والمنافسة، فإن القهوة ستكون مهددة، وفق ما أكدت كايتلين كوردس، التي سبق وان شاركت في تأليف تقرير صدر في العام 2019 عن إنتاج البن من مركز كولومبيا للاستثمار المستدام: "سنظل قادرين على تأمين الكافيين بأنفسنا. لكنني لست متأكدة من مدى متعة هذه التجربة. وبالتأكيد، سيكون هناك ملايين عديدة من سبل كسب العيش التي ستتأثر".

تجدر الإشارة إلى انه في الآونة الأخيرة، كشف العلماء إن هناك نبتة قهوة "منسية" نادرة، تعرف بستينوفيلا، يمكن أن تنمو في درجات حرارة أعلى نسبياً، ما يساعد في الحفاظ على مشروب القهوة في المستقبل من التغير المناخي، بخاصة وأن مذاقها شبيه بقهوة أرابيكا عالية الجودة، والمميز فيها أنها تنمو في ظروف أكثر دفئاً.

Website by WhiteBeard