"أتمتة" الامتحانات في جامعة صنعاء... هل تنقذ التعليم المحتضر؟

الثلاثاء 15 مارس 202201:44 م

"إحنا طلاب الرياضيات... إشارة واحدة تضيعك. المشكلة في الاختيارات التي يقدمونها إلينا وليس فيها تفاوت كبير. تكون ‘صح’ و’أصحّ’. في النظام المقالي كنا نحلّ المعادلات حتى لو الناتج خطأ. يقرأ المدرّس الحل ويعرف أنك فاهم وأن غلطك بسيط، فأقل شيء هو ألا تُحرم من الدرجة نهائياً، لكن الأتمتة نظام، والمصحح جهاز. إما تجيب بـ’صح’ أو ‘غلط’، فلا يوجد تقدير للدرجة النهائية". هكذا يصف فارس نبيل، وهو طالب في قسم الرياضيات (سنة رابعة) في كلية التربية، مشكلته مع نظام أتمتة الاختبارات الذي فرضته جامعة صنعاء على طلابها.

على العكس منه تماماً، يرى الطالب في كلية الإعلام عبد الرحمن سعيد، طريقة الأتمتة أسهل للمدرّسين والطلاب معاً. يقول لرصيف22: "بالنسبة للطلاب، لا تحتاج إلى عناء في الإجابة ولا تتطرق إلى كتابة التفاصيل. كل ما على الطالب فعله هو حفظ النقاط الرئيسية وفهمها فحسب، والمدرّس لا يأخذ وقتاً طويلاً لمراجعة الدرجات، فعملية التصحيح آلية".

هذه عيّنة من آراء طلاب يمنيين في جامعة صنعاء، حول نظام الامتحانات الذي طُبّق مؤخراً في الجامعة، بهدف المساعدة في أتمتة عملية إنشاء الاختبارات والتدريبات وتنظيمها ونشرها على الإنترنت، ليتمكن الطلاب من أداء الامتحانات في أي زمان ومكان.

مع استخدام الطريقة المؤتمتة ظهرت أرقام صادمة لدرجات الطلاب، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في أوساطهم.

تقول إدارة الجامعة إن الهدف الرئيسي للنظام دعم الاختبارات وتحسين جودتها وتحقيق أهدافها بأسرع وأبسط شكل ممكن، لكن المشكلة تكمن في أن هذه الطريقة لا تصلح لكل الكليات، فالأفضل كما يقول الأكاديميون هو الجمع بين الطريقتين الموضوعية والمؤتمتة، لأنها تعطي الفرصة للطلاب على جميع المستويات وتظهر مستواهم الحقيقي، ولكن مع استخدام الطريقة المؤتمتة ظهرت أرقام صادمة لدرجات الطلاب، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في أوساطهم.

يرى البعض أن قرار الجامعة جاء من منطلق توفير المال في طباعة أوراق الاختبارات، وكذا توفير الوقت في التصحيح، بينما يصرح مسؤولون في الجامعة بصواب هذا القرار الذي يأملون في أنه يسرّع من نيل الاعتماد الأكاديمي للجامعة وتقدّمها في التصنيف العربي والعالمي.

ما هو نظام "سار"؟

في العام 2019، طبّقت جامعة صنعاء نظام "سار"، وهو نظام معلومات آلي موحّد لإدارة كل ما يتعلق بشؤون الطلاب في المؤسسات التعليمية اليمنية. بدأت الجامعة به بهدف تسهيل الإجراءات، بدءاً من عملية تسجيل الطالب وقبوله، مروراً بمتابعة سجله المالي والأكاديمي، وجدولة المحاضرات والامتحانات، وإنشاء البرامج الأكاديمية والمواد الدراسية، ورصد الدرجات والغياب، واستخراج التقارير المالية والأكاديمية والإدارية لمختلف المستويات الإدارية والأكاديمية. كما يعتمد هذا النظام على وضع اختبار بنظام واحد هو نظام الخيارات المتعددة، ويطبق هذا النظام في كل الكليات وكافة المواد، حسب ما تقول الجامعة.

وقد بيّن رئيس جامعة صنعاء الدكتور القاسم عباس، في مقابلة له مع صحيفة الثورة الرسمية، عن "إنجاز جامعته توصيف أكثر من ستة آلاف مقرر دراسي و127 برنامجاً لأكثر من 20 كليةً، وتوصيف برامج ومقررات كلية الطب واعتمادها من قبل لجنة تحكيم دولية كأول جامعة يمنية، تمهيداً للتقدم والتمكن من الحصول على الاعتماد الدولي، بعد استكمال نظام أتمتة شؤون الطلاب وتوصيف المقررات والبرامج الدراسية".

المشكلة في الاختيارات التي يقدمونها إلينا وليس فيها تفاوت كبير. تكون ‘صح’ و’أصحّ’. في النظام المقالي كنا نحلّ المعادلات حتى لو الناتج خطأ. يقرأ المدرّس الحل ويعرف أنك فاهم وأن غلطك بسيط، فأقل شيء هو ألا تُحرم من الدرجة نهائياً

وحسب القاسم، تقدمت جامعة صنعاء خلال عام واحد بدءاً من منتصف 2020 وحتى منتصف 2021، بنحو 830 مرتبةً عربيةً وعالميةً، موضحاً حدوث ذلك باعتماد الجامعة على البحث العلمي والمشاركة الإلكترونية للطلبة، ذاكراً عوامل أخرى كفريق نظم المعلومات الذي عمل على ربط 80 ألف طالب وطالبة من خلال النظام الإلكتروني، مسهّلاً بذلك عملية استخراج الوثائق وتصحيح الامتحانات. وتحتل جامعة صنعاء حالياً المرتبة الأولى في البلاد، والمرتبة رقم 4،430 حسب تصنيف "ويب ميتريكس".

ومع الجدل المثار حول هذه الآليات الجديدة، ترى الطالبة في كلية التجارة والاقتصاد أميرة علي، في هذه الطريقة اختصاراً للوقت وتوفيراً لجهد الطلاب في حفظ المعلومات، إذ تستطيع تذكّر الإجابة الصحيحة من خلال البدائل المتاحة، إلا أنها وجدت هذا عيباً أيضاً، فتشابه البدائل وتقارب صوابيتها، يشتت الطالب ويزيد من توتره.

أما الطالبة ابتسام ناصر من كلية الشريعة والقانون، فقد رفضت وزملاؤها هذا النظام برمته، كونه يتنافى مع طبيعة تخصصهم القائم على السرد والتعليل. تقول في حديثها إلى رصيف22: "نحن طلاب شريعة، عملنا كمحامين وقضاة قائمٌ على السرد، فكيف لاختبار بهذا الشكل أن يقيّمني؟ والمشكلة أننا نحتج لكن لا يُسمع احتجاجنا من قبل عمادة الكلية".

ضرورة فهم العملية

في المقابل، يرى أستاذ الإعلام في جامعة قطر البرفسور عبد الرحمن الشامي، أننا لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة في ما يخص طبيعة أدوات التقييم ونوعها. يقول لرصيف22: "هذه مسائل محسومة ومعروفة، ومستقرة من حيث الممارسة في كل الجامعات في العالم. كل ما نحتاج إليه هو تمكين الأستاذ الجامعي من أداء واجبه، والقيام بعمله، فهو أدرى بطبيعة مقرره الدراسي، ونوع طلبته".

ويرى الشامي أن أتمتة الاختبارات هي جزء من منظومة تعليم وتعلم متكاملة، تتم من خلال استخدام منصات متخصصة، بحيث تمكّن من إدارة العملية التعليمية بكاملها، كما أن الاختبارات بشكل عام هي أداة من ضمن أدوات تقييم متنوعة، وليست هي الأداة الوحيدة، ولها ضوابط صارمة، وتتطلب ضرورة تنوع الأسئلة، بما يمكّن من قياس مدى تحقق مخرجات التعلم من عدمها. "أما إذا كانت الأتمتة تعني أن يتم الاختبار آلياً، وأن تقتصر الأسئلة على ‘صح وخطأ’ واختيار من بدائل عدة، فهذا فهم قاصر لعملية الأتمتة، ويضرّ بالعملية التعليمية ضرراً بالغاً، فضلاً عن المخرجات التعليمية والمتخرجين"، وفق قوله.

نحن طلاب شريعة، عملنا كمحامين وقضاة قائمٌ على السرد، فكيف لاختبار بهذا الشكل أن يقيّمني؟

ويشدد الشامي على أن تتم الاختبارات المؤتمتة في ضوء ضوابطها العلمية المعروفة، بصرف النظر عن الكلية أو التخصص الدراسي، فكل أستاذ يحدد طبيعة أدوات التقييم المناسبة ونوعها، لقياس مدى تحقق مخرجات تعلم مقرره الدراسي.

ويتساءل الشامي عن مدى أولوية هذا القرار في مقابل قضايا تعليمية أخرى قد تكون أكثر إلحاحاً اليوم في اليمن الذي تعاني جامعاته من تحديات جمة في ظل الحرب، ويرى أن التعليم النوعي والجيد يجب أن يكون همّ الجميع في سنوات الحرب والسلم على حد سواء، مضيفاً: "حين نؤمن بالتعليم وأهميته في تكوين الأجيال، وبناء الأوطان، سنجد الأدوات التي تمكّننا من المحافظة على تقديم تعليم جيد، يتناسب والظروف التي تعيشها بلادنا، بما في ذلك عدم مصادرة قرار الأستاذ في تحديد نوع أدوات التقييم وطبيعتها. هذه العملية لا يجب أن تخضع لقرارات فوقية".

تحديات للمدرّسين والطلبة

يجهل كثيرون من العاملين في جامعة صنعاء، كيفية التعامل مع الأجهزة الإلكترونية، لذلك يمثّل النظام الجديد تحدّياً لهم، ليس على الصعيد الفكري فحسب، وإنما تحدٍ نفسي وجهد لا يخدمان العملية التعليمية، كما توضح البروفسورة سعاد سالم السبع، أستاذة مناهج اللغة العربية وطرق تدريسها في كلية التربية.

تعبّر سالم، لرصيف22، عن استيائها من هذا القرار كونه جاء في غير وقته، وتقول: "لا يجيد معظم الطلبة المهارات الأساسيات للغة العربية، وهذه الطريقة في الاختبارات تزيد الطين بلّةً كونها تساعد على استمرار الضعف لدى الطلاب. نقطة ضعف أخرى برأيي تتمثل في اقتصار الأتمتة على موضوع الاختيار المتعدد، من دون اعتماد مهارات أخرى مثل التوصيل بين المتشابهات والمتضادات وإكمال الفراغات وإعادة ترتيب الجمل".

وتواصل حديثها: "هناك مواد لا ينفع معها هذا النظام البتة، مثل التربية الإسلامية، واللغة العربية، والمواد الاجتماعية التي تبرز فيها المهارات الذاتية كالتفكير وتنظيم المعلومات والكتابة والترتيب وإبداء شخصية الطالب وفكره. القرار غير صائب لتنفيذه في جميع الكليات، وتالياً لا يخدم العملية التعليمية. نحن نريد من المتعلم أن يتعلم مهارات لا تقيسها الاختبارات المؤتمتة التي تقوم بمجملها على التخمين".

يعاني النظام التعليمي في اليمن من ضعف شديد، إذ يصل الطالب إلى الجامعة وهو لا يعرف اللغة العربية، ولا يعرف التعبير عن نفسه، ولا عن المعلومات التي يكتسبها، ولا يستطيع التواصل مع الآخرين، بسبب رداءة مخرجات التعليم المدرسي

تتحسر السبع على الجهود والإمكانات المبذولة والتي تذهب سدى حسب تعبيرها: "كنا نتمنى أن تُصرف الإمكانات في تحسين عمليتي الكتابة والقراءة، فهما أهم مهارتين لنجاح الطالب في أي مرحلة تعليمية، ومسألة الأتمتة هذه ليس وقتها الآن، ولا إمكانات ولا قدرات ولا مستوى تعليمياً مناسباً لها".

وتشرح المتحدثة قائلةً إن النظام التعليمي في اليمن يعاني من ضعف شديد، إذ يصل الطالب إلى الجامعة وهو لا يعرف اللغة العربية، لغة الدراسة، ولا يعرف التعبير عن نفسه، ولا عن المعلومات التي يكتسبها، ولا يستطيع التواصل مع الآخرين، وهذا بسبب رداءة مخرجات التعليم المدرسي، ويترتب على هذا ضعف في اللغة والتفكير ومهارات التواصل والكتابة والقراءة، وهي بمجملها البوابة الكبرى للوصول إلى إتقان التعليم.

وحسب السبع فإن الجامعة كانت قد عملت على تطوير الطلاب في هذا الجانب، من خلال إلزامهم بإعداد التكاليف والأبحاث والاختبارات المقالية التي تساعدهم على تحسين لغتهم العربية وخاصةً الإملاء، وهو أمر لا بد أن يستمر بوتيرة أكبر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard