لماذا لا أستطيع الهجرة من سوريا التي أنهكتها الحرب؟

الجمعة 4 مارس 202209:54 ص

في بداية العشرين من عمري، كان معظم أقراني يفكرون بالسفر إلى أوروبا بينما كنت أفكر في الحب والزواج وإنجاب الأطفال، وكانوا بين الحين والآخر يقولون: يجب ألا يفكر الإنسان بالزواج وإنجاب الأطفال إلا بعد أن يجرب الكثير من الأشياء في هذه الحياة وفي مقدمتها السفر. وبرأيهم، كل مَن لا يفكر في السفر ساذج وبلا طموح.

في تلك المرحلة، كان مَن يسافر إلى أوروبا برأي كثيرين محظوظاً، وحين يعود يُنظر إليه كشخص مثقف وفهمان ويعرف الكثير. وكان معظم العائدين من أوروبا يبدأون حديثهم بجملة: "عِنّا بأوروبا" وكأنهم من سكان أوروبا الأصليين، ثم يسردون الحكايات عن جمال الطبيعة، وأنماط الحياة، وأسلوب التعامل، واحترام القوانين، وحقوق الإنسان وغير ذلك من الكلام الذي يجعل مَن حولهم يحسدونهم ويرون أوروبا فردوساً منشوداً.

خلال الحرب، هاجر وتزوج كثيرون من أصدقائي ومعارفي، وبقيتُ حتى الآن لم أهاجر ولم أتزوج، والبلد الوحيد الذي سافرت إليه في حياتي كلها كان لبنان.

قبل عام 2011، عُرِضَ عليّ السفر مع فرصة عمل أكثر من مرة، ولكنني رفضت وشعرت بالخوف والقلق، الخوف من التغيير لأنني كنت مرتبطاً بالعائلة وبيئتي الريفية التي أشعر فيها بالأمان والطمأنينة، إضافة إلى معرفتي المسبقة بأن والديَّ لن يوافقا، وكان من المستحيل أن أعارض رأيهما لأسباب عاطفية ونفسية وتربوية وغير ذلك.

منذ بداية الأحداث في سوريا وحتى الآن، وصلتني عدة عروض للهجرة من قبل أصدقاء خارج البلاد، كان آخرها منذ ثلاثة أشهر حين جاءتني مكالمة فديو عبر واتساب من أحد أصدقائي في أوروبا. تفاجأت بوجه صديقتي التي كانت تزوره، وبصوتها وهي تسألني: "كيفك أبو الريم؟"... تحدثنا عن عدة أمور واستعدنا بعض الذكريات الجميلة.

خلال الحديث قالت صديقتي: قبل أن نتصل بك طلبت يدك للزواج من صديقك، وقال إنه موافق، بس لازم ناخد رأي الصبي. ضحكنا، ثم أكملت: شو رأيك يا صبي؟ موافق؟ قلت: بماذا تفكران؟ قالت بجدية: نلتقي في بيروت، ونكتب عقد زواج، ثم نقيم حفلاً صغيراً بوجود بعض الأصدقاء نوثّقه بالصور الفوتوغرافية لأن ذلك يساعد في لمّ الشمل، ومع المساء تعود إلى منزلك، لا يحتاج الأمر أكثر من نهارٍ واحد، بعدها سأتكفل أنا بكل شيء. وقبل أن أجيب، انقطع الاتصال بيننا.

بعد عدة محاولات عاد الاتصال، فبادر صديقي بالقول: "ليك أبو الريم تكاليف سفرك كلها على حسابي، وبس توصل بتنزل شريك معي بالمحل، وعندي قطعة أرض فيها بيت واسع وغرفتك جاهزة فيه، وفيك تزرع الأرض، وتربي جاجات (دجاجات) وبقرة وتجيب كلب جعاري متل يلي عند فيّوض، وبتشتري سيارة بيك آب حمرا متل يلي عندك بتاخد فيها حليب البقرات وبتبيعو بالسوق، ومنشان الله يوفقك بالسيارة ويحميلك البقرات من الحسد، في على بعد ميتين متر من بيتي مقام بيشبه مقام الخضر بضيعتكن، بتزورو وبتوزع بيتزا بدل ما تدبح خروف، هيك الطقوس عنّا منوزع بيتزا لأن الخضر أوروبي".

وتابع: "بالمختصر أبو الريم بس توصل لعندي رح تحس كأنك ما طلعت من ضيعتك، بس في شي ممكن يزعجك شوي: الجيران هون لهجتهم مو متل لهجة ضيعتكن، يعني فيك تعتبرهن ضيوف وعم يزوروك من غير ضيعة".

ضحكنا وقلت له: "ما في بيت يكونو الجيران حواليه بيحكوا مثلي؟"، فقال: "موجود لعيونك بس ما عندهن مقام للخضر، عم خبرك منشان ما تقول غشيتك". انقطاع الإنترنت مجدداً حرمنا من إكمال سهرة الضحك.

في اليوم التالي، وصلتني رسالة من الصديق ذاته: "فكّر بجدية بموضوع الهجرة". فأرسلت له: "بعرف إنو هيك عرض بيتمناه كتير من السوريين، بس أنا ما بقدر هاجر!".

لماذا لا أستطيع الهجرة؟ هل لأنني مجبر على البقاء أم لأنني لا أريد؟ ببساطة يمكنني القول: إنني مجبر، ولا أريد في الوقت نفسه، لأسباب نفسية وأخلاقية وعاطفية واجتماعية وغير ذلك.

لا أستطيع أن أهاجر لأنني مجبر

في المراهقة وبداية الشباب، لم يكن لديّ استقلال مالي ولا عائلي، ولا حرية كافية لأخذ قرار مستقل بحجم الهجرة أو السفر، فوالديّ لن يوافقا حتى لو أردتُ أن أسافر لعدة أيام بهدف السياحة، لذا كنتُ مجبراً على البقاء، بغض النظر عن أنني لم أكن أريد.

الآن، أنا في الثالثة والأربعين من عمري، أعيش مع أمي المريضة وأبي المصاب بالألزهايمر، وكل المردود المالي لما يملكانه بين يديّ، إضافة إلى مدخولي الخاص، ولا يمكن لأحد في الوجود أن يقول لي ما الذي ينبغي عليّ فعله، أو يتدخل بأي شيء يخصّني، وفي حال قررت الهجرة، هناك خمس أخوات وأخي، وحوالي عشرون حفيداً لم ولن يترددوا لحظة في الاعتناء بوالديّ. ولكن رغم ذلك لا أستطيع أن أهاجر. يقول دُمّر حبيب: ما أسهل الهروب لولا الأبواب المفتوحة.

"بالطبع هناك مَن سيقول لي: ‘حاج رومانسية وحكي فاضي وتنظير، البلد ما بقي فيها شي غير الفقر والجوع والسرقة، وريحة الموت بكل مكان، وكل شي فيها تغيّر... وأنت لسا بدك تبقى فيها!’"

لماذا أنا مجبرٌ على البقاء؟ لأنه يوجد احتمال نسبته خمسون بالمئة أن يلازمني شعور بالذنب والندم تجاه والديّ وخاصة بعد موتهما لأنني تركتهما، وبالطبع هناك احتمال بالنسبة ذاتها ألا أشعر بذلك، لأنه برأيي من حق أي إنسان أن يعيش حياته كما يريد بعيداً عن الالتزامات العائلية التي تقيّده، طالما أنه يستطيع فعل ذلك ولا يزعجه الأمر.

بالنسبة إليّ، من المستحيل أن أضمن في المستقبل أيَّ احتمال قد أشعر به، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاحتمال الأول قد يرهقني نفسياً لأنه من الصعب جداً أن أتصالح معه حتى مع مرور الوقت. بناءً على ذلك، يمكنني القول إنني مجبر على البقاء في بلدي، بهدف العناية بوالديّ المريضَين، ما يشعرني بالرضا والراحة النفسية، ويحميني من الشعور بالتقصير والذنب والندم في المستقبل إنْ هاجرت وتركتهما.

هل أنا منزعج ومتضايق من هذه الحالة الإجبارية؟ بالطبع لا! لأنها ليست مفروضة عليّ من قبل أحد، ولها علاقة بآلية تفكيري وكيف أصبحت أرى الحياة.

تُرى لو كنت في العشرين من عمري ووالداي مريضان، هل سيكون مرضهما سبباً يمنعني من الهجرة؟ أكاد أجزم أنني سأهاجر ولن يوقفني شيء، وفي حال توفيا لن يلازمني شعور بالذنب والندم مدى الحياة. أما الآن، فالأمر مختلف كُلياً. يبدو أن تراكم التجارب والخبرات يُغيِّر نظرة الإنسان للحياة على الأصعدة كافة.

لا أستطيع أن أهاجر لأنني لا أريد

لماذا لا أريد أن أهاجر؟ لأنني أحب قريتي "اللّعْلَيْميَّة" التي وُلدت وعشت طفولتي ومراهقتي وشبابي فيها، وأحب مدينتي اللاذقية وأشعر بالانتماء إليها، ففيها عشت أياماً ممتلئة بالتجارب المهمة والتسلية والمتعة والراحة ولحظات من السعادة العارمة، ولا زالت مثل هذه الأيام السعيدة والممتعة تتكرر بين الحين والآخر، بسبب وجود أصدقاء، وعائلة، وعلاقات اجتماعية، وأماكن، وعمل ممتع، والكثير من التفاصيل التي لا يمكن أن توجد في مدينة أخرى.

ربما هناك مَن سيقول: يمكنك أن تجد سعادة ومتعة وراحة بمعايير مختلفة في مدينة أوروبية. بالطبع يمكنني ذلك، ولكنني لا أجد نفسي مضطراً إلى الهجرة وهدر الوقت في البحث عن شيء آخر لديّ بديلٌ عنه في مدينتي، وهذا البديل مريح لي ومنسجم معه.

"لست مقتنعاً بأن حجم ما سأحصل عليه في حال هاجرت هو أفضل مما لديّ، وبأن حصولي على ما أفتقده في مدينتي يستحق الهجرة، أو بمعنى آخرَ، لا أريد التخلي عن كل ما لديَّ مقابل أن أعيش خارج بلدي حياةً قد تكون أفضل وقد لا تكون"

وبالطبع هناك مَن سيقول أيضاً: "حاج رومانسية وحكي فاضي وتنظير، البلد ما بقي فيها شي غير الفقر والجوع والسرقة، وريحة الموت بكل مكان، وكل شي فيها تغيّر... وأنت لسا بدك تبقى فيها!". مما لا شك فيه أن هذا الكلام صحيح، ولكن من حق أي شخص أن يتخذ قراراً بالهجرة أو البقاء ويتحمل مسؤولية قراره في المستقبل.

أظن أن معظم البشر، إنْ لم يكن كلهم، بشكل واعٍ أو باللاوعي، حين يريدون فعل شيء ما مهم في حياتهم يأخذون بعين الاعتبار حجم التعب والخسائر مقابل المكاسب التي سيحصلون عليها. وبناءً على ذلك، وحتى هذه اللحظة، لست مقتنعاً بأن حجم ما سأحصل عليه في حال هاجرت هو أفضل مما لديّ، وبأن حصولي على ما أفتقده في مدينتي يستحق الهجرة، أو بمعنى آخرَ، لا أريد التخلي عن كل ما لديَّ مقابل أن أعيش خارج بلدي حياةً قد تكون أفضل وقد لا تكون.

بغض النظر إنْ كنت لا أستطيع الهجرة لأنني مجبر أو لأنني لا أريد، فكل ما أعرفه ومقتنع به حتى هذه اللحظة هو أنني لن أكون مرتاحاً على الأصعدة كافة في حال هاجرت أكثر مما أنا عليه الآن، وهذا بالنسبة إليّ سببٌ مريح وكافٍ لأبقى.

لن أهاجر! هذا القرار جاء بعد تفكير طويل بسلبيات وإيجابيات الهجرة والبقاء عليّ، ولكن قراري ليس ثابتاً ولا تهزه الريح كقمة "إيفرست"، فالمستقبل قد يفاجئني بأمور تجعلني أغير رأيي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard