الأماكن السرّية لتلاقي العشّاق.. من الكعبة إلى السينما

الاثنين 14 فبراير 202204:43 م

تندرج هذه المادة في "ملف عيد الحب".

تستحضر ريحانة -إحدى شخصيات رواية حدّث أبو هريرة قال... لمحمود المسعدي – أسطورة العاشقين إساف ونائلة، وهي متخمّرة في طقس إباحي من "المحرّمات": خمر وغناء وجنس مع حبيبها أبي هريرة، في كهف غير بعيد عن مكّة.

وهذا الاستحضار مغرِق في الرمزيّة والدلالة، لأنّ إساف ونائلة مارسا الحبّ في جوف الكعبة قبل الإسلام، كما تروي بعض كتب الأخبار، لذا يمكن اعتبار الكعبة من أقدم الأمكنة في الثقافة العربية التي لجأ إليها العشّاق بعيداً عن أعين الرقباء والواشين، فمن الذي يخطر بباله في ذلك العصر أنّ عاشقين يمارسان الغرام في جوف البيت المقدّس الذي تحجّ إليه القبائل من كلّ فجّ!

لكن الحبّ في هذه الثقافة له ضريبته، لذا حكم المخيال العربي القديم على إساف ونائلة بأن مُسِخا صنمَيْن، تصوير لا يخلو من ردع ليكونا عبرة لغيرهما، والعجيب أنّ قبيلة خزاعة وقريش اتّخذتا الصنمين للعبادة، فهل تناسوا أصلهما؟ أم هي العبادة الأولى للحبّ المحرّم؟

مارس إساف ونائلة الحبّ في جوف الكعبة قبل الإسلام، كما تروي بعض كتب الأخبار، لذا يمكن اعتبار الكعبة من أقدم الأمكنة في الثقافة العربية التي لجأ إليها العشّاق بعيداً عن أعين الرقباء والواشين

يترجم هذا المَسْخُ المتخيَّلُ نظرةَ ثقافة قديمة مستمرّة إلى الحبّ باعتباره طقساً مدنّساً ما لم يكن منتظماً في مؤسّسة رسمية شرطها العقد والإشهار، ويبدو أنّ هذه النظرة لم تكن بوازع دينيّ بقدر ما كانت بوازع قَبَليّ ستغذّيه التشريعات الدينية فيما بعد. لكنّ "سلطان الوجدان فوق سلطان الأديان" كما يقول المنفلوطي:

وكذلك الحبّ ما أشجعه/ يركب الهولَ ويعصي مَن وَزَعْ(مَنَعَ)

ولئن لم يحاول أحد من العشّاق بعد إساف ونائلة دخول الكعبة لممارسة الحبّ، فإنّهم وجدوا أماكن أخرى اطمأنّوا إليها، وإن لم تخلُ هي أيضاً من الخطورة والعاقبة الوخيمة التي ربّما تضاهي المسخ، كالقتل إن لم يكن تمثيلٌ بجسد العاشق قبله. ولقد تغنّى الشعراء والأدباء بهذه الأماكن، فهي "المغاني" و"الميادين" و"الملاعب" و"المعاهد"... وقد تكيّفت بحسب طبيعة جغرافيا البيئة وتاريخها.

وسننظر في أربع بيئات: بيئة ما قبل الإسلام، وصدره، وبيئة الأندلس، ثمّ أماكن اللقاء السرية في العصر الحديث. ولا تهمّنا هنا أماكن الدعارة، كخيام صاحبات الرايات في الجاهلية، أو البيوت المنتشرة سرّاً وعلناً في كثير من الدول العربية اليوم.

حكم المخيال العربي القديم على إساف ونائلة بأن مُسِخا صنمَيْن ليكونا عبرة لغيرهما، والعجيب أنّ قبيلة خزاعة وقريش اتّخذتا الصنمين للعبادة، فهل تناسوا أصلهما؟ أم هي العبادة الأولى للحبّ المحرّم؟

أماكن التلاقي قبل الإسلام

لعلّ أقرب معاهد العشّاق إلى روح الصحراء العربية قبل الإسلام خاصّة هو الذي وصفه امرؤ القيس في معلّقته بعد أن أخرج حبيبته من مضجعها ليلاً: "بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ"؛ أرض مطمئنة محاطة برمال عالية مشرفة منعقدة. مكان محتجب زاده الليل احتجاباً، لكن لمّا كانت الأقدام تترك أثرها في تلك الصحراء فيهتدي بها المستقفي – صاحب القيافة، وهي فنُّ تَتَبُّع الأثر في الرمال – فإنّ خطر الانكشاف يظلّ قائماً، وهنا تتدخّل الحبيبة بأن تجرّ بأذيال ثوبها أثرَها وأثر حبيبها:

خرجتُ بها أمشي تجرّ وراءنا/ على أثرَيْنا ذيلَ مرْط مرحّل (نوع من الثياب)

وعلى تلك الرمال الدافئة يفترش العاشقان جسدَيْهما ولا رقيب عليهما سوى نجوم "الثريّا" في السماء تؤنسهما.

والعاشق مغامر مغرّر بنفسه، فهو مضطرّ حتّى يصل إلى "خِدر" حبيبته لإخراجها أن يتجاوز حرّاس القبيلة وعَسَسَها، فيظلّ يترقّبهم حتّى يتحيّن منهم غفوة من نوم، وهذا الشاعر الأعشى بلغ به يأسه من الوصول إلى معشوقته أن تخيّل حارسها مارداً من الجنّ:

وماردٍ من غواة الجنّ يحرسها/ ذو نيقة مستعدّ دونها ترقا/ تِلكَ الَّتي كَلَّفَتكَ النَفسُ تَأمُلُها/ وَما تَعَلَّقتَ إِلّا الحَينَ وَالحَرَقا.

وإن كان امرؤ القيس خيّر في معلّقته الخروج بحبيبته من خِدْرها إلى بَطْنِ خَبْتٍ آمنٍ، فإنّ المنخّل اليشكري خيّر البقاء في الخدر، ربّما إظهاراً لمدى شجاعته، وربّما لأنّه قصدها في يوم ممطر:

ولقد دخلتُ على الفتاة/ الخدرَ في اليوم المطير/ ولثمتها فتنفّستْ/كتنفّس الظبي البهير.

وكثيراً ما يغري الطقس الممطر والمغيّم بالبقاء في الخدر أو الخِبَاء أو الطِرَاف أو القُبّة، أشكال مختلفة للخيمة التي تكون فيها المرأة، فهذا طرفة بن العبد يحبّذ تقصير يوم ذي غيوم بعناق حبيبته تحت خبائها:

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب/ ببهكنة (المرأة الممتلئة) تحت الخباء المعمّد.

لمّا كان أهل الجاهلية قوماً رحّلاً، يتنقّلون من موضع إلى آخر طلباً للماء والمرعى، فإنّ تحوّلهم في المكان يؤثّر مباشرة في نهايات تجارب الحبّ، وتصبح بذلك أطلال الحبيبة رمزاً استرجاعياً بكائياً لأيّام الوصال

وربّما كان منزل الحبيب هو مكان اللقاء، فتكون المرأة بطلة فوق الأبطال والرجال، فهي التي تلقي بنفسها إلى هلاك حتميّ إذا ما طاوعت حبيبها الزائر، فكيف وهي الخارجة بإرادتها من خدرها إلى بيته! والحبيب نفسه منصدم متفاجئ من هذه البطولة، فهذا معاوية بن مالك يخاطب حبيبته أمامة التي زارته ليلاً رغم أنّ بعض قومها مستيقظ:

طرقتْ أمامةُ والمزارُ بعيدُ/ وَهنا وأصحاب الرحال هجودُ/ أنّى اهتديتِ وكنتِ غيرَ رجيلة (قادرة على السفر)/ والقوم منهم نُبَّهٌ ورقودُ.

وقد يقنع العاشق من حبيبته بمجرّد نظر إليها في إحدى الأسواق التي كانت تلتئم في الجاهلية، كسوق "المشرّق" الذي سرق فيه خُفاف بن نُدبة نظرة إلى حبيبته:

ولم أرها إلّا تعلّة ساعة/ على ساجر أو نظرة بالمشرّقِ.

وقد لا يحدّد المكان إلّا باعتباره "خلاءً"، وهو في الحقيقة تحديد نفسيّ، فالاختلاء يعني الاحتجاب عن "الكاشحين"، وهم أعداء الحبّ المتربّصين بالعشّاق، فهذه حبيبة عمرو بن كلثوم تستعرض مفاتنها له لمّا أمنت واطمأنّت في اختلائهما:

تريك وقد دخلتَ على خلاءٍ/ وقد أمنتْ عيون الكاشحينا/ ذراعيْ عيطل أدماء بكر/ هجان اللون لم تقرأ جنينا/ وثديا مثل حقّ العاج رخصاً/ حصاناً من أكفّ اللامسينا.

ولمّا كان أهل الجاهلية قوماً رحّلاً، يتنقّلون من موضع إلى آخر طلباً للماء والمرعى، فإنّ تحوّلهم في المكان يؤثّر مباشرة في نهايات تجارب الحبّ، وتصبح بذلك أطلال الحبيبة رمزاً استرجاعياً بكائياً لأيّام الوصال، فهذا عنترة يأسف حزناً لاستحالة لقائه بعبلة:

حَلّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فأصْبَحَتْ/ عَسِرًا عَلَيّ طِلابُكَ ابنَةَ مَخْرَمِ/ كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبّعَ أَهْلُهَا/ بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ.

وقد يلتقي العاشقان – يأساً – في الخيال والمنام، إذ يفرط البعد على العاشق حتّى يتوهّم حبيبه في فراشه وبين يديه، وهو ما يعكس قسوة البيئة التي منعت وصالهما بالسيف والدم، فهذا مالك بن حريم يحدّث نفسه أنّ حبيبته طرقته زائرةً قبل نومه، فحدّثها بالمبيت عنده، لكن هذه الزيارة لن تنفع، لأنها ستؤرقه فلا يستطيع نوماً:

فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنَّها أَوْ خَيَالَهَا/ أَتَانَا عِشَاءً حِينَ قُمْنَا لِنَهْجَعَا/ فَقُلْتُ لَهَا بِيتِي لَدَيْنَا وَعَرِّسِي/ وَمَا طَرَقَتْ بَعْدَ الرُّقَادِ لِتَنْفَعَا.

على عكس المتوقّع، فإنّ ظهور الإسلام لم يحل دون تلاقي العشّاق، بل كثرت أماكن التواعد وتعدّدت في مختلف العصور الإسلامية متأثّرة ببيئة كلّ دولة ودويلة

أماكن التلاقي في صدر الإسلام

على ضدّ المتوقّع، فإنّ ظهور الإسلام لم يحل دون تلاقي العشّاق، بل كثرت أماكن التواعد وتعدّدت في مختلف العصور الإسلامية متأثّرة ببيئة كلّ دولة ودويلة.

ويعدّ القرن الأوّل للهجرة/ السابع-الثامن للميلاد عصراً فريداً للعشّاق لا سيّما في مكّة، حيث أحيا شعراء كثيرون أسطورة إساف ونائلة من حيث لا يشعرون، ولا يبدو أنّهم يفعلون ذلك هتكاً متعمّداً لقداسة المكان، وإنّما لأنّ موسم الحجّ يكاد يكون المناسبة الوحيدة لتلاقي الرجل والمرأة في جَمْع من الناس، وهو المناسبة الوحيدة أيضاً التي يُسمَح فيها للمرأة بالخروج.

وقد بلغ عمر بن أبي ربيعة أن غازل النساء في صحن الكعبة خلال الطواف، فشبّههنّ بالبقر المتبختر، في إشارة تلميحيّة إلى أردافهنّ:

أبصرتها ليلةً ونسوتها/ يمشين بين المقام والحجرِ/ بِيضاً حساناً خرائداً قطفاً/ يمشين هونا كمشية البقرِ.

ويبدو أنّ الأمر غير مقتصر على الرجال، فحتّى النساء يأتين للحجّ لتلاقي الواحدة منهنّ حبيبها، وتصرّح إحداهنّ لعمر بأنّها لم تكن لتأتي لولاه، وأنّ الحجّ لم يكن غرضها:

أومتْ بعينيها من الهودجِ/ لولاك في ذا العام لم أحججِ/ أنتَ إلى مكّة أخرجتني/ ولو تركت الحجّ لم أخرجِ.

ثمّ إنّ العشّاق في مكّة استغلّوا بيئتهم الجبليّة، فجعلوا يلتقون في "الفجاج" والشِعب"، وهي الممرّات الضيقة بين الجبال، فيستترون بها ليقضوا بعضاً من الحبّ، وهذا عمر يستذكر يوم نَفْرِ الحجيج باكياً، حيث لقي حبيبته غير بعيد عن الكعبة:

قد هاج حزني وعادني ذِكَري/ يوم التقينا عشيّة النفر/ بالفجّ من نحو دار عقبة/ والـحجّ سريع الطواف والصدرِ.

ولم تخلُ بيئة الجزيرة العربية على تصحّرها من بعض المجموعات الشجريّة الصغيرة، وتسمّى "العيص"، يتوارى خلفها العشّاق بعيداً عن أنظار الوشاة، وهو مكان تمنّى عمر أن يجتمع فيه مع معشوقتين، على عادته في تعدّد حبّه:

حبّذا أنتِ يا بغوم وأسماء/ وعيص يُكِنُّنا وخلاء.

ويبدو أنّ العشّاق بدأوا يرتاحون للبيوت ذات الجدران، رغم الخطر المحدق، ففي هذين البيتين يحاول عمر بن أبي ربيعة إقناع حبيبته – عبثاً – أن تزوره في بيته، لأن اللقاء بين الفجاج أخطر، لكنها رغم قناعتها بصحّة كلامه لم تستجب، ربّما لأنّ المكوث في البيت يطيل اللقاء فيزيد من خطورة وضعها:

فقلتُ لها البيتُ أخلى لنا/ فإنّ مقام الفجاج الحتوف/ فقالت صدقت ولكنّني/ أخاف العداة ومشي قطوف (جاسوس).

ولمّا ظلّت القبيلة تزوّج المرأة قسراً من رجل تختاره لها، جعل العشّاق يخترعون الحيل للقاء، حتّى في منزل زوج المرأة! فهذا الفرزدق يدعو ربّه ليصيب زوج حبيبته بداء في عينه، حتّى يستنجد أهل الزوج به لدرايته – حسب ادّعائه – بطبّ العيون، فاستُجيب له، ليظلّ عامين كاملين "يداوي" عينه، وهو مع حبيبته يتعشّقان بعضهما:

دعوت الذي سوّى السماوات بأيده/ وللّه أدنى من وريدي وألطفُ/ فأرسل في عينيه ماء علاهما/ وقد علموا أني أطبّ وأعرفُ/ فداويته عامين وهي قريبة/ أراها وتدنو لي مرارا فأرشفُ.

لم يعد مشهد الأطلال في صحراء قَفْرٍ يثير الشاعر الأندلسي إلاّ على سبيل التقليد لأسلافه، فهو في بيئة خضراء أشبه بفردوس على الأرض، فيها من الأنهار والأطيار والأزهار ما يسرّ الأنظار

أماكن التلاقي في الأندلس

لم يعد مشهد الأطلال في صحراء قَفْرٍ يثير الشاعر الأندلسي إلاّ على سبيل التقليد لأسلافه، فهو في بيئة خضراء أشبه بفردوس على الأرض، فيها من الأنهار والأطيار والأزهار ما يسرّ الأنظار.

وتكيّف العشّاق مع بيئتهم، فجعلوا يلتقون خاصّة في ضفاف الأنهار، حيث يطيب المقام والتواعد، ويبدو أنّ القيود بدأت ترتفع قليلاً عن العشّاق، فالكلّ منغمس في المتع واللذات، يقول ابن زيدون وقد اجتمع في مجلس خمريّ واسع فيه حبيبته وفتية من أصحابه:

وَيَومٍ لَدى النَبتِيِّ (مكان) في شاطِئِ النَهر/ تُدارُ عَلَينا الراحُ في فِتيَةٍ زُهرِ/ وَليسَ لَنا فَرشٌ سِوى يانِعِ الزَهرِ.

ويكثر في ذكر أماكن العشّاق اسم "العقيق"، ويطلق على أنهار كثيرة وعلى "كلّ مسيل ماء شقّه السيل في الأرض"، وعلى ضفّته قضّى ابن زيدون أجمل أيّام وصاله بولّادة:

وأيّام وصل بالعقيق اقتضيته/ فإلّا يكن ميعادُه العيد فالفِصْحا.

أماكن اللقاء في العصر الحديث

ظلّ العشّاق إلى وقت غير بعيد يبحثون عن أماكن يلجؤون إليها بعيداً عن أعين الوشاة الذين لا يزالون متربّصين بهم، من ذلك مثلا غابات الزيتون، فـ "محسونة " في أغنية الفنان التونسي الهادي الجويني نكثت بوعد قطعته لحبيبها بأن تلاقيه تحت "زيتونة". وأخرى في أغنية صليحة "بخنوق" (اسم لبساط) تعد حبيبها بأن يراها يوم السوق الأسبوعية، فلا تأتي. وهذا الفنان العراقي إلهام المدفعي لا "شغل" له بالسوق غير أنه مرّ ليرى حبيبته.

ومن الأماكن التي كان تقصد للتواعد لوقت قريب عيون الماء في الجبال، وهي في الواقع أماكن تعارف، حيث كان النساء في تونس مثلاً يجلبن الماء في "قلة"، وتكون الفرص متاحة للرجال حتّى يتواصلوا معهنّ، وفي أغنية "اليوم قالتلي زين الزين" للهادي الجويني تعد الحبيبة حبيبها بلقاء عند العين، في "ليلة ظلماء" على سنّة أسلافهم من العشّاق، وهذه المرة وفت بوعدها، فقضيّا ليلة من ليالي العمر:

اليوم قالتلي زين الزين/ الليلة نتلاقو في العين/ في ليلة زينة تلاقينا/ بجنب العين اتّكينا/ طربنا وغنينا وزهينا/ حيرني صوتها الحنين.

وربّما لجأوا إلى سطح الدار، دار الحبيب أو الحبيبة، فيجتمعان في الحبّ آمنَيْن عن الأعين، ففي إحدى الأغاني النسائية التراثية التونسية يزور الحبيب سطح حبيبته ويتزّودان بالحبّ وهما "يتلاوحان" من السكر:

جاني لسطحنا/ حلّيت المطلع وطلعنا/ سكارى تلوّحنا/ خلّاني عقلي مخبول.

لكن السطح ليس آمناً دائماً، ففي رواية برق الليل للبشير خريّف، نشأت علاقة عفوية بين شاب وشابة متزوجة كانت قد سمعت توقيعه الموسيقي، فاسترقت السمع إليه من سطحها، والتقت الأعين مرة واحدة: "وفي ليلة وقد استغرق زوجها في النوم وسَكَن الليل، سمعت موسيقى الزنجيّ، فيها نداءٌ ورجاءٌ، فيها توسّل ونحيب، فانسلّت وطلعت السطح وذهبت، وعند رجوعها وجدت زوجها قد خرج في طلبها"، وكانت العاقبة لمّا عجزت عن تفسير وجودها في السطح أن "صفعها لبرودة العلّة، ثمّ [...] نطق بطلاقها ثلاثاً، واندفع يضربها ضرباً موجعاً فلاذت بالفرار، في ذلك الليل، إلى الزُقاق".

وتعدّ حديقة المنزل الكبير معهداً من معاهد العشاق أيضاً، ونجدها في إحدى الأغاني النسائية التونسية: جاني للجنينة/ يا الأغنج يا مذبّل عينه.

لكن عشّاق العالم العربي المعاصر استفادوا كثيراً من تشعّب وتعقيد العمارة الحديثة، فأتيحت لهم فرص اللقاء بأماكن عامّة، كالحدائق والمتنزَّهات، بعيداً عن أعين أهاليهم وإن كانت مكشوفة، كالأزهر بارك في مصر، وحديقة الباساج بتونس العاصمة، وكذا المقاهي. وينتشر العشّاق في الشواطئ، شتاءً وصيفاً، بين الصخور وعلى الرمال. وتعبّر إحدى الأغاني التونسية عن مشهد غراميّ بين عاشقين وهما "يتقلّبان" مع الموج:

خيار المحبّة في الشط/ بشاكر وأفط (مناشف)/ موجة تقلب وتحطْ/ عازب وصبيّة.

ويعدّ "الكورنيش" خير مكان للتلاقي، فهو مكان مفتوح آمن، ويتيح للعشاق الجلوس أو المشي؛ امتياز قد لا يجدونه في أيّ مكان آخر، وربّما علّق بعضهم أقفالاً في سلاسله للذكرى، كما في كورنيش النيل.

 ولكن إن أرادوا بعض الخصوصية – أو كثيراً منها – فإنّهم يتوجّهون إلى قاعات السينما المظلمة، حيث إنّ كثيراً منهم لا يشاهدون الفيلم مطلقاً، وربّما يضطرّون إلى الانزواء في مقاهٍ خاصّة، تبدو من توزيع كراسيها في الزوايا وأرائكها الحميمية مستجيبة للغرض، وينشأ كالاتّفاق الضمني بين صاحب المقهى أو النادل وبين الحرفاء يتمثّل في "غضّ النظر" عن العاشقين، طالما يدفعون كلفة مغرية.

ولكن يظلّ المكان الأكثر أماناً هو البيت، لذا يحرص العشّاق على وجوده، وإلّا فإنّهم قد يطلبون من أصدقائهم إتاحة غرفهم لبعض الوقت، ربما ساعة في النهار أو ليلة أو أكثر، وكثيراً ما يكون اللقاء في البيت دليلاً على العمق الذي تبلغه العلاقة بينهما، ففي رواية الطلياني لشكري المبخوت، كان قدوم زينة إلى منزل البطل عبد الناصر إعلاناً عن علاقة حبّ متينة بينهما: "وبعد الحادثة التي وقّع خلالها بالدم... والقبلات ميثاقاً غيّر حياتهما".

وأمّا الفنادق فتظلّ وجهة معقّدة، نظراً للقوانين الصارمة في أغلب الدول العربية التي تمنع اجتماع رجل وامرأة في غرفة واحدة دون عقد الزواج، ولو أنّ بعضهم وجد سبيله إليها. وقد وعد أحد المترشّحين لرئاسة الجمهورية في تونس بأن يلغي اشتراط العقد عند الدخول للنزل، إذا ما تمّ انتخابه.

هكذا يتّضح أنّ أمكنة اللقاء السرية تنوّعت واختلفت باعتبار اختلاف البيئة والعصر، لكن المكان الوحيد الذي ثبت في تاريخ العشق في الثقافة العربية هو الجسد الذي يسكن إليه الحبيب والعاشقة، حيث توحّدهم وطمأنينتهم الأبدية:

لياليَ أنتَ لها (الحبيبة) موطنٌ/ وإذْ هي أفضل أوطانكا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard