"عندما رحل شعرتُ بأنني أحبّه"... عقدة الذنب تجاه الأهل بعد وفاتهم

السبت 29 يناير 202202:40 م

شربت سلوى قهوة الصباح، وهمّت ترتب أوراقاً، وتضعها في حقيبتها، وتتهيأ ليوم عمل جديد. رن هاتفها، وكانت المتصلة شقيقتها الكبرى فاطمة، التي لم تعتد الاتصال بها في مثل هذا الوقت المبكر. ردت سلوى، وفجأةً بدأت تصرخ: "ماما؟؟ ماما؟؟ ماتت إزاي؟".

اخترقتْ الزحام أمام شباك التذاكر في محطة قطار الجيزة، لكن الموظف أخبرها بأن أول قطار متجه نحو محافظة بني سويف، سيغادر بعد ساعتين. خرجت مسرعةً واتجهت إلى محطة الأوتوبيس، الذي كان يستعد للتحرك. كان زحام السيارات في ميدان الجيزة، وضجيج المارة، مثل كابوس، يكتم أنفاسها، ويفلتها من يد أمها التي تسمع نحيبها، وترى دموعها المنهمرة، لكنها لا تلتفت ناحيتها.

ثلاث سنوات قضتها الأم في مصارعة المرض، وخُيِّل إلى سلوى أن الموت احتمال غير وارد. سرقتها السنوات، ما بين عملها في أحد البنوك، واهتمامها بدارسة أولادها وأنشطتهم الأسبوعية. في كل مرة كانت تهاتفها فاطمة قائلةً: "يا سلوى ماما تعبانة وبتسأل عليكِ، نفسها تشوفك، وتشوف ابنك، مش معقول مش عارفة تفضّي نفسك كم ساعة تيجي تطمني عليها. ماما بتقول إنها زعلانة منك، وبترجع بعدها تدعيلك".

كل ما أتمناه أن تعود إلى الحياة ساعةً واحدةً، كي أطلب منها العفو، وأسمع منها كلمة واحدة تريحني من هذا الإحساس القاتل بالذنب.

بعد موت أمها، تبدلت أحوال سلوى. كان صدى ردودها غير المقنعة على توسلات فاطمة، يدوي في أذنها، فيصيبها بنوبة بكاء هستيرية. اكتشفت أنها قادرة على تخصيص يوم الجمعة من كل أسبوع لزيارتها، فباتت تستيقظ فجراً، وتستقل القطار من الجيزة إلى بني سويف، مسافة 150 كيلومتراً، وتنزل مباشرةً إلى مقابر العائلة، وتجلس عند قبر أمها تبكي بحرقة، حتى يجفّ دمعها، ثم تقرأ لها القرآن، وتدعو لها بالرحمة والمغفرة، وتطلب منها السماح. وبات الأمر مهمةً أسبوعيةً مقدسة.

تقول سلوى لرصيف22: "انشغلت كثيراً بعملي وحياتي وأولادي، واعتذرت مراراً عن السفر إلى بني سويف، على الرغم من أن إخوتي، وهم يعملون في القاهرة والإسكندرية، كانوا يستأجرون سيارةً لزيارة أمي، مرةً كل أربعة أشهر".

تتذكر سلوى فترة مرض أمها الأخير، حين كانت ودودةً ولا تتوقف عن الدعاء لها ولزوجها ولأولادها. "اليوم أعيش نوبات اكتئاب طويلةً، وإحساساً بأني عاجزة تماماً عن تصويب ما حدث. كل ما أتمناه -وهو مستحيل الآن- أن تعود إلى الحياة ساعةً واحدةً، كي أقبّل يديها وقدميها وأحتضنها، وأطلب منها العفو، وأسمع منها كلمة واحدة تريحني من هذا الإحساس القاتل بالذنب والتقصير".

"الأقدار حرمتني من تشييع جثمانه"

خالد. م.، مدرّس لغة عربية، في إحدى مدارس الجيزة، كان ضحية ظروفه الأسرية، فوالده كان يمنياً، يعيش مع والدته المصرية في القاهرة، لكن الحياة بينهما كانت غير مستقرة، والأم صممت على رحيل الأب إلى بلده.

"رحل وكنا أنا وأخوتي صغاراً، وكانت الأقدار قاسيةً عندما جاءنا خبر مقتله في إحدى الغارات التي شنتها طائرات حربية على قريته. يومها أُصبت بهلع وحزن كبيرين، وتنامت في داخلي مشاعر سلبية نحو أمي، لم أستطع مقاومتها، وشعور بالذنب نحو أبي، فالأقدار حرمتني حتى من مجرد تشييع جثمانه، أو زيارة قبره، ولا أملك الآن سوى الدعاء له، وتأدية العمرة له في السعودية، كلما أتيح لي ذلك، فهي أقرب بلد إلى الأرض التي يرقد فيها جثمانه".

أقام شريف سرادق عزاء كبير، ووزع الطعام على الفقراء والأقارب، ودفن والده في مقبرة فخمة. "أزعم أنني أسعى من كل ذلك إلى عدم سماع الصوت الذي يدوي في داخلي، بأن والدي كان يحتاج إلى أن أكون بجواره في ساعاته الأخيرة"

يضيف، وهو يسحب شاشة هاتفه المحمول بطريقة أفقية: "هذه صورة أبي. فقدانه بهذه الطريقة أثر بشكل كبير في معاملتي لزوجتي وبناتي. كنت أتساءل دوماً، لماذا أحبّهن إلى درجة التعلق، ولماذا أفني عمري في تلبية احتياجاتهن، ومن المحتمل أنهن سيتخلصن مني، عندما أصير كهلاً؟". ويشير إلى أن هذه الأفكار تدفعه الآن لاختلاق المشكلات مع عائلته، وكأنه يحاول لا شعورياً الانتقام من أمه في سبيل التخلص من شعوره بالذنب. "عندما أتذكر مشهد سفر والدي حزيناً، أشعر بالدوار، وبأنني على وشك السقوط ميتاً".

أما شريف ك.، فله حكاية أخرى حزينة أيضاً، كما يروي لرصيف22.

"توفيت والدتي وعمري 13 سنةً، وكان أبي يقوم بدور الأم والأب، ويفعل كل شيء لأجلي. وبعد تخرجي من كلية التجارة، قررت مغادرة مصر للعمل في مجال المقاولات في إحدى دول الخليج، وتركت أبي ليعيش وحيداً".

كان الشاب يرسل لوالده المال، واستأجر له شقةً جيدةً، ووفّر له جليسةً لتلبي كافة احتياجاته، وكان يزوره كلما سنحت له فرصة السفر إلى مصر. "لكن هاجس موت أبي وحيداً، كان يطاردنى دوماً. لم تمر أكثر من ثلاث سنوات، حتى حدث ما كنت أخشاه؛ عثر الجيران على جثته وحيداً في شقته. تخيُّلي للحظاته الأخيرة، وأنا بعيد عنه، يقتلني. كنت أتمنى أن يسلّم روحه لله، وهو في حضني".

فور حدوث الوفاة، أقام شريف سرادق عزاء كبير، ووزع الطعام على الفقراء والأقارب، ودفن والده في مقبرة فخمة، واليوم يخصص المبلغ الذي كان يرسله إليه، لعائلة فقيرة يطلب منها الدعاء الدائم لوالده. "أزعم أنني أسعى من كل ذلك إلى عدم سماع الصوت الذي يدوي في داخلي، بأن والدي كان يحتاج إلى أن أكون بجواره في ساعاته الأخيرة".

كنت أشعر بحزن عميق، وبأنني شريكة في ذنب أن يموت وحيداً، وهو بعيد عنا.

"شريكة في ذنب موته وحيداً"

رانيا محمد ي.، وهي محامية ثلاثينية، انفصل والداها وهي في المرحلة الجامعية، وترك والدها المنزل ليعيش في مسقط رأسه في الإسماعيلية. "بسبب الدراسة لم أستطع زيارته. كنت أهاتفه بين الحين والآخر للاطمئنان عليه، وكنت أتمنى أن يعود للعيش معنا، وأنوي التدخل وتقريب وجهات النظر بينه وبين أمي، وأن أقنعهما بالعيش معاً مجدداً، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن". تحكي لرصيف22.

توفي والد رانيا في صباح أحد الأيام، وأخبرها الجيران بالأمر، فسافرت هي وأمها وإخوتها لوداعه وحضور مراسم الغسل والصلاة عليه. "كان مشهد الجثمان وهو مسجى داخل صندوق خشبي يقتلني. كنت أشعر بحزن عميق، وبأنني شريكة في ذنب أن يموت وحيداً، وهو بعيد عنا".

تتابع رانيا بحزن: "الحقيقة أن أبي كان حاد الطباع، لكن بعد رحيله، شعرت بأنني أحبه جداً، ولا أتخيل العالم من دونه، وبأنني بحاجة شديدة إلى وجوده في حياتي. كان يمكنني احتواء طباعه بقليل من الخبرة التي لم أكن أمتلكها، لكن القدر لم يعطني الفرصة، والآن وقد مرت نحو ثماني سنوات على موته، ما زالت تنتابني نوبات من البكاء الشديد كلما تذكرته، ولا أجد حلاً سوى الدعاء، وطلب الرحمة له، كما أنني أمسك بورقة وقلم وأكتب له رسائل، أو أتحدث معه وكأنه يجلس بجواري، لأعبّر عن حبي وندمي".

أما سامية عادل، وهي ربة منزل عمرها 38 عاماً، وتعمل في مجال الحرف اليدوية، فقد تركها والدها، هي وأختها، عندما كانتا صغيرتين، ليتزوج من امرأة أخرى. "لم يكن يزورنا، وهو ما جعلني أكرهه، هو وأسرته الجديدة".

مرت سنوات، وحاول والد سامية التواصل معها، لكنها رفضت بشدة، حتى بعد أن أخبرها بأنه أصيب بمرض خطير، ربما يؤدي إلى وفاته، فلم تشعر بتعاطف تجاهه إذ كانت تراه رجلاً غريباً عنها. لكن كل شيء تبدّل بمجرد سماعها نبأ موته، بعد أيام من آخر حديث بينهما.

"وقتها شعرت بذنب كبير، لأنني تخليت عنه في وقت ضعفه، في آخر أيامه، ورفضت أن أسامحه. كل ذلك أصابني بالاكتئاب والحزن، وعدم الرغبة في النزول إلى العمل، وظللت مدة عام كامل لا أستطيع ممارسة حياتي بشكل طبيعي، فذهبت إلى طبيب نفسي، واستعدت حالتي الطبيعية بشكل تدريجي بعدها".

اليوم، في ذكرى رحيله أو ميلاده، تكتب سامية لوالدها منشوراً على فيسبوك، وتشارك صورته، وتطلب من أصدقائها الدعاء له، "فمثل هذه الممارسات تشعرني ببعض الرضا والسكينة".

المخرج من عقدة الذنب يكون في صورة لوم شديد للذات، مع عجز عن تعويض ما فات، فيصبح الحزن عنيفاً، والتعبير عنه يكون مبالغاً فيه، خصوصاً بالنسبة إلى الشخصيات غير العقلانية، التي ترى أن الأزمة بلا حل، فتسعى إلى إظهار حزنها على فقدان أحد الوالدين، بشكل مبالغ فيه

فرقة بين جيلين

يُرجع الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، عدم التآلف أو التفاهم بين جيل الآباء والأبناء، إلى عدم تفهم الوالدين للتطور الحاصل في الظروف الاجتماعية المحيطة بالأولاد، ونظرتهم إلى المستقبل، وأنه في حال عدم التوصل إلى حلول ترضي الطرفين، ستحدث فرقة بين الجيلين، فيبدأ الأبناء باتخاذ مسار آخر، ما يولّد شعوراً مبدئياً بالراحة لديهم، بسبب البعد عن المشكلات المستمرة. "لكن الآباء وقتئذ ينتابهم إحساس بالضيق، فيبدؤون بمعاتبة أولادهم الذين بدورهم يشعرون بالغربة بسبب ابتعاد مصدر الحب والحنان، ما يولّد عندهم حالةً من الغضب، تظل مستمرةً، حتى وفاة أحد الوالدين، وهنا تظهر عقدة الذنب".

والمخرج من عقدة الذنب هذه، حسب توصيف بحري، يكون في صورة لوم شديد للذات، مع عجز عن تعويض ما فات، فيصبح الحزن عنيفاً، والتعبير عنه يكون مبالغاً فيه، خصوصاً بالنسبة إلى الشخصيات غير العقلانية، التي تهتم بالشكل وليس بالمضمون، وترى أن الأزمة بلا حل، فتسعى إلى إظهار حزنها على فقدان أحد الوالدين، بشكل مبالغ فيه. "أما الأبناء العقلاء، فسيقيّمون الموقف بشكل هادئ، ومن ثم سيتوقفون عن جلد الذات، وسيبدؤون بالبحث عن حلول واقعية، وتدارك الأخطاء السابقة، في محاولة لعدم تكرار السيناريو مع أبنائهم".

بدوره، ينوّه د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف في القاهرة، في حديثه إلى رصيف22، إلى أن البرّ بالوالدين في حياتهما، وبعد مماتهما، من أعلى الواجبات الشرعية. "يقول المولى ‘وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عند الكبر أحدهما أو كلاهما، فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً’".

البعض يحاولون التعويض من خلال مواقع التواصل، بإحياء ذكرى الأهل ومشاركة صورهم، ومطالبة الأصدقاء بالدعاء لهم.

ويؤكد كريمة أن ضعف الوازع الديني، وتردّي الأخلاق، وغلبة الحياة المادية، تدفع البعض للعزوف عن البر بالوالدين، فمنهم من يقسو قلبه، ومنهم من لا يسأل عنهم إلا بالهاتف، ومن الناس من يفضّل صديقه على أبيه، وزوجته على أمه، ويستطرد بالقول: "العقوق جريمة منكرة، يحرّمها الشرع، وترفضها الفطرة السليمة. إذا وقع الإنسان في هذا المحظور، عليه الدعاء لهما، وعمل صدقة جارية لهما، لعل ذلك يشفع له عند الله".

ويضيف أستاذ الشريعة أن الإنسان المقصّر يتولد عنده إحساس بالذنب، "لكننا نريد معالجة الجريمة قبل حدوثها. نرجو أن تعود الرابطة الأسرية، وأن نغبّر أقدامنا بالذهاب والاطمئنان على الوالدين، والاحترام والتوقير والطاعة لهما".

الحب الاستعراضي

ولا ينفي أستاذ علم الاجتماع، الدكتور سعيد صادق، أثر ضغوط الحياة وعدم الخبرة، التي قد تدفع بعض الأبناء للتقصير في واجباتهم الاجتماعية، خصوصاً نحو الأسرة. وفي ظروف معيّنة أو سن معيّنة، يكتشف الأبناء صعوبة الحياة، ويدركون الجهد الكبير الذي بذله الأهل في تربيتهم، فيزداد شعورهم بالذنب والتقصير، ويحاولون تعويض ذلك بما نسميه "الحب الاستعراضي"، وهو ما نراه بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعى، بإحياء ذكراهم ومشاركة صورهم، ومطالبة الأصدقاء بالدعاء لهم.

ويضيف صادق: "الاستمرار في فعل هذا السلوك على مواقع التواصل، حتى بعد مرور 20 سنةً على وفاة الوالدين، قد تكون له دوافع أخرى، منها ضغوط الحياة ومشكلاتها، والإحساس بالوحدة، وأحياناً يكون محاولةً لجذب التعاطف، للحصول على دعم من الأصدقاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard