لماذا تزورنا المخاوف والأفكار السوداء في ساعات الليل؟

الثلاثاء 7 ديسمبر 202102:07 م

"عندما أستيقظ في الثالثة صباحاً أو نحو ذلك، فأنا أميل إلى الضغط على نفسي، وأنا أعلم أنني لست الوحيد الذي يفعل هذا. يُسمي صديق لي أفكار الساعة الثالثة صباحاً بـ (تفكير الأسلاك الشائكة)، لأنه يمكن أن يعلق الإنسان فيها"، هذا ما قاله الباحث في علم النفس ومدير جامعة سوينبورن للتكنولوجيا، البروفيسور غريغ موراي، مشيراً إلى أن هذه الأفكار غالباً ما تكون مؤلمة، غير أنها تتبخر في وضح النهار، ما يثبت أن المخاوف التي برزت في ساعات الليل كانت غير عقلانية.

ماذا يحدث للجسم عند الساعة الثالثة فجراً؟

أثناء نوم الليل العادي، يصل الجهاز العصبي إلى نقطة تحوّل عند الساعة الثالثة أو الرابعة فجراً، فتبدأ درجة حرارة الجسم الأساسية بالارتفاع، وينخفض الدافع للنوم، لأنه قد سبق وأن قضينا فترة لا بأس بها من النوم، وقد يبلغ إفراز الميلاتونين (هرمون النوم) ذروته، وتزداد مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) استعداداً لاقتراب موعد استيقاظ الجسم من النوم.

واللافت أن كل هذا النشاط يحدث بشكل مستقل عن الإشارات الخارجية، كضوء الشمس، غير أن الطبيعة ارتأت منذ فترة طويلة أن شروق الشمس وغروبها مهمان للغاية بحيث يجب التنبؤ بهما، نظراً لأهمية ذلك على الساعة البيولوجية لدى الإنسان.

في العادة، نستيقظ عدة مرات كل ليلة، والنوم الخفيف هو الأكثر شيوعاً في النصف الثاني من الليل، ولكن عندما ننام جيداً فإننا ببساطة لا نشعر بهذه الاستيقاظات البسيطة، باستثناء عند الشعور بالتوتر، بحيث يصبح هذا الاستيقاظ أمراً مزعجاً للذات.

ليس من المستغرب أن يكون وباء كورونا من عوامل التوتر التي تُحدث اضطراباً في دورة النوم. لذا، إذا كنتم من الأشخاص الذين يستيقظون مثلاً في الثالثة صباحاً، فأنتم بالتأكيد لستم وحدكم.

يؤثر الإجهاد أيضاً على النوم في حالة الأرق، حيث يصبح الناس مدركين وحساسين للغاية لجهة الاستيقاظ، هذا ويمكن للمخاوف بشأن الاستيقاظ المفاجىء من النوم أن تدفع الشخص إلى الاستيقاظ القلق كلما مرّ بمرحلة نوم خفيفة، مع العلم بأن الأرق يستجيب جيداً للعلاج السلوكي المعرفي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك ارتباط قوي بين النوم والاكتئاب، لذلك من المهم التحدث إلى الطبيب/ة أو الشخص المختص إذا كان لدى الشخص المعني أي مخاوف بشأن دورة النوم.

في العادة، نستيقظ عدة مرات كل ليلة، والنوم الخفيف هو الأكثر شيوعاً في النصف الثاني من الليل، ولكن عندما ننام جيداً فإننا ببساطة لا نشعر بهذه الاستيقاظات البسيطة، باستثناء عند الشعور بالتوتر، بحيث يصبح هذا الاستيقاظ أمراً مزعجاً للذات

في حديثها مع رصيف22، أوضحت المعالجة النفسية والأخصائية في علم نفس الأطفال، علا خضر، أن الأرق قد يكون ناجماً عن العديد من العوامل، من بينها: القلق أو الاكتئاب أو عارض من إضرابات نفسية كإضراب ثنائي القطب (bipolar) أو الفصام.

واعتبرت خضر أنه في حال كان القلق يؤثر على حياة المرء وعلى دورة نومه ونشاطاته اليومية، فمن الضروري اللجوء إلى أخصائي/ة في علم النفس لمعرفة الأسباب الرئيسية المسببة لهذا القلق، وبالتالي إيجاد الحل المناسب لمشكلة الأرق: "الأرق يؤدي إلى القلق، كما أن القلق يؤدي إلى الأرق".

وعن أسباب ازدياد القلق في الليل، شرحت علا أن المرء في الساعات المتأخرة من الليل يكون مجرّداً من مصادر التشتت: "وسط الهدوء في الليل يزداد تفكير الإنسان، ما يزيد لديه منسوب القلق"، منوهة بأن العمر يلعب دوراً في هذه المسألة: "مع التقدم في العمر، يزداد القلق في الليل لارتباط ذلك بالعوامل البيولوجية".

وأوضحت علا أن القلق هو بمثابة الاستجابة الأولية التي يقوم بها الإنسان تجاه الأمور الغامضة، أي الشعور الذي يأتي قبل استجابة القتال أو الهروب.

وفي حين أن الشعور بالقلق هو أمر طبيعي، غير أن خضر أشارت إلى أن المشكلة تكمن في شعور البعض بالقلق الزائد في بعض المواقف التي لا تتطلب ذلك، ما يؤثر على نوعية وجودة الحياة، ويستدعي اللجوء إلى استشارة نفسية للتغلب على هذه المخاوف غير المبررة.

التفكير في الأسوأ

بصفته معالجاً نفسياً، يعتبر غريغ موراي أن "الشيء الوحيد الجيّد في مسألة الاستيقاظ في الثالثة صباحاً هو أنه يعطينا جميعاً مثالاً حيّاً على التهويل".

وأوضح موراي أنه في هذا الوقت تقريباً من دورة النوم، نكون في أدنى مستوياتنا الجسدية والمعرفية. من وجهة نظر الطبيعة، من المفترض أن يكون هذا وقتاً للتعافي الجسدي والعاطفي، لذلك يمكن فهم السبب الذي يجعل مواردنا الداخلية منخفضة في هذا الوقت.

ولكن في الوقت نفسه، نفتقر أيضاً إلى الموارد الأخرى في منتصف الليل، بما في ذلك الروابط الاجتماعية وجميع مهارات التأقلم لشخص بالغ تكون غير متوفرة في هذا الوقت.

وبالتالي، في ظل عدم وجود أي من مهاراتنا البشرية، نُترك وحدنا في الظلام برفقة أفكارنا، ولذلك يكون دماغنا محقاً بعض الشيء عندما يتوصل إلى أن المشاكل التي يفكر فيها عند الساعة الثالثة صباحاً غير قابلة للحل.

واللافت أنه بمجرد شروق الشمس، يتم وضع مشاكلنا في نصابها، ويصبح العثور على الحل المناسب هو مهمة سهلة جداً، قد تتمثل في مجرد الاتصال بشخص ما أو التحقق من أمور معيّنة قد تم التغاضي عنها في السابق.

الحقيقة هي أن أذهاننا لا تبحث حقاً عن إيجاد حل في الساعة الثالثة صباحاً. قد نعتقد أننا نحل مشكلة من خلال الانكباب على التفكير في هذه المشاكل في هذه الساعة، لكن هذا ليس صحيحاً، بل نكتفي بتغذية القلق الذي يعصرنا من الداخل، والذي يتمثل في تحديد المشكلة والتفكير في أسوأ نتيجة ممكنة وإهمال الموارد التي سنستخدمها في حالة حدوث النتيجة غير المفضلة بالفعل.

الحل؟

هل لاحظتم/نّ أن أفكار الثالثة صباحاً شديدة التركيز على الذات؟

في الظلام الهادئ، من السهل الانزلاق، دون قصد، إلى حالة من الأنانية الشديدة.

وبالالتفاف حول مفهوم "أنا"، يمكننا توليد مشاعر مؤلمة، مثل الشعور بالذنب أو الندم، أو قد نصب أفكارنا المتعبة نحو المستقبل المبهم، ما يولد مخاوف لا أساس لها.

في ظل عدم وجود أي من مهاراتنا البشرية، نُترك وحدنا في الظلام برفقة أفكارنا، ولذلك يكون دماغنا محقاً بعض الشيء عندما يتوصل إلى أن المشاكل التي يفكر فيها عند الساعة الثالثة صباحاً غير قابلة للحل

من هنا، نصح الباحث غريغ موراي باللجوء إلى البوذية الهندية، والتي، بحسب رأيه، لها مكانة قوية في هذا النوع من النشاط الذهني: "الذات خيال، وهذا التخيل هو مصدر كل ضائقة"، مشيراً إلى أن هناك الكثير من الأفراد الذين يمارسون اليقظة البوذية الواعية للتعامل مع التوتر في النهار.

وبالنسبة إلى طقوسه الخاصة، قال: "أوجه انتباهي إلى حواسي، وتحديداً صوت التنفس. عندما ألاحظ ظهور الأفكار، أعيد انتباهي بلطف إلى صوت التنفس".

قد تبدو هذه النصيحة عادية، ولكنها فعالة جداً في ساعات الليل وقد تساعد على إبعاد شبح الأفكار السوداء والتغلب على المخاوف والتفكير غير المثمر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard