العائلة زملاء والعمل طقوس وأغنيات… شجرة الزيتون وقراها في الجزائر

الاثنين 20 ديسمبر 202112:43 م

"أث القصر" قرية صغيرة، تنام على سفوح الجبال مترامية الأطراف شمال الجزائر، فسكانها لا زالوا يغمرونها بالحياة، ويتمسكون بالعادات والتقاليد في منطقة بعيدة كل البعد عن أدنى مظاهر التنمية، لا شيء يلفت الأنظار سوى طبيعتها الساحرة، وأشجار الزيتون المترامية ما بين جبالها وحقولها الصغيرة.

"وحدها أشجار الزيتون، تُعتبر مصدر الرزق الوحيد للكثير من العائلات"، يقول الشيخ محمد، بعيونه ضعيفة البصر، وتجاعيد وجهه الحادة.

خضراء وسوداء وبنفسجية

بعد صيف ملتهب، ومنذ إطلالة بشائر تشرين الثاني/ نوفمبر على قرية آث القصر، من بلدات مدينة بشلول التابعة لمحافظة البويرة، وهي من أشهر المناطق السياحية في الجزائر، حان الوقت للشيخ محمد وأخيه رزقي في تجميع عائلتيهما، ليشدا الرحال إلى أعالي جبال القرية، التي تبدو لك، بمجرد ولوجك إلى المحافظة، وكأنها لوحة مزخرفة على طبيعة معقدة، تضفي على روحك الطمأنينة والراحة، وقبلهما إحساس الأمان.

في كل صباح شتوي يكسوه هواء بارد، ينبعث من الجبال والتلال ويلف موسم الشتاء، يصطحب الشيخ الطاعن في السن زوجته الخالة فطيمة وبناته الثلاثة وأحفاده إلى أعلى الجبل، الذي يحتضن ذكريات طفولته، لقطف ما جادت به الأشجار من حبات الزيتون، حبات خضراء وسوداء وحتى بنفسجية اللون، تجاوز صيتها الحدود الوطنية، إذ أصبحت من المنتجات الجزائرية التي تسوق في الخارج.

"عملية جني الزيتون تنطلق عادة في الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر، قبل انطلاق موجة البرد القارس والأمطار التي تعرفها أث القصر، وتستمرُ مدة القطف بين 40 و 65 يوماً"، يقول الشيخ محمد. 

شكلت أشجار الزيتون الصامتة روح تلك القرية، وجمعت أبناءها وبناتها حولها كل شتاء، تمدهم بالغذاء، وتحفزهم على النشاط الذي يصطبغ بلون التعاون والتآزر في طقوس يسمونها "التويزة".

في أوقات البرد القارس تجمّع الأهالي حولها، عائلات وأقارب وأصدقاء، في عملية حصاد لها طقوس وأسماء وأغنيات شكلت روح القرية وصمغاً لتماسكها وتقاليدها

ويقضي الشيخ محمد أياماً رفقة عائلته، وزوجته الخالة فطيمة، وأحفاده الصغار إسلام ورابح، وسط دروب الجبال والطبيعة الساحرة، يتغذى من مزروعات الأرض الخالية من الأسمدة، فيأكل الزيتون وزيت الزيتون بخبز تقليدي شهي، يخرج من الأفران العتيقة، ومأكولات طبيعية أخرى.

وهناك في سفوح الجبال ترى أطفالاً صغاراً فوق الأشجار وكأنهم عصافير، ينفضون الأشجار حتى تتناثر الحبات فوق الأرض، لتجمعها النسوة، وهو الدور الذي تتقاسمنه مع الرجال، وسط جو مفعم بالبهجة والأغاني التقليدية التي تُردد، مثل: "أسا تيويزي أنلقض أزمور" أي (اليوم هو يوم تضامني لجنى حبات الزيتون).

ولا زالت نساء قرية تفردود الواقعة على بعد 60 كلم جنوب شرق تيزي وزو، والتي صنفت كأنظف قرية سنة 2019، تحافظن على هذا الموروث الثقافي والاجتماعي، وفي كل يوم من أيام تشرين الثاني/ نوفمبر، تلتقي كل من نساء قرى الطاووس وزهور والويزة ونا ذهبية وثنينة على الساعة السادسة صباحاً عند مخرج القرية، وتشدن الرحال باتجاه حقول الزيتون.

تروي الخالة سميرة، في العقد السادس من عمرها، وهي من النساء القادرات على مواجهة قساوة الحياة في الطبيعة، لرصيف22، إنهن يتقاسمن الأدوار، فبعضهن بجلسن على الأرض لجمع حبات الزيتون المتناثرة، وأخريات يقمن بهز الأغصان السفلى حتى وصول الرجال من أجل مساعدتهن على الأشجار الكبيرة، فبعض الأشجار يتجاوز عمرها 500 سنة وأخرى حديثة النشأة.

مصدر للرزق والثراء

"بينما تجلس المسنات على الأرض، وتشرعن بالغناء بصوت منخفض جداً بالنظر إلى حالتهن الصحية، تردد الفتيات والنساء في العقد الرابع من عمرهن الأغاني، التي يصلُ صداها إلى القرى المُجاورة، ويرددن أمثالاً شعبية خاصة بهذا الموروث الإجتماعي".

وتضيف الخالة سميرة: "الجو البهيج الذي تصنعه النسوة بترديد الأغاني التقليدية، ينسيهن قساوة الطبيعة وصعوبة العملية، فبعضهن تصبن بجروح بسبب صلابة الأحجار، التي تتصادم بها أيديهن أثناء عملية الجمع، وكذلك بسبب غياب الإمكانيات اللازمة، وهو ما حال دون الانتقال من الطابع الفلاحي إلى الطابع العملي أو المهني".

"هناك من النساء من لا زالت تستخرج الزيتون في البيت بطرق تقليدية ومتعبة للغاية، ومنهن من تتوجه إلى معاصر الزيتون التقليدية التي تُكلف أثماناً مرتفعة للغاية".وبلغ سعر اللتر الواحد لزيت الزيتون في المعاصر الحديثة 800 دينار جزائري (6 دولار أمريكي) للتر الواحد، بعدما كان لا يتجاوز 700 دينار (5 دولار) السنة الماضية، فيما بلغ السعر ألف دينار جزائري في المعاصر التقليدية الخاصة، لذلك تشدد الخالة سميرة على أن شجرة الزيتون في منطقة القبائل تعتبر مصدر رزق وثراء.

"حتى الأسر التي لا تمتلك أشجار الزيتون، بإمكانها الاستفادة أيضاً من النصيب الوافر، لأنها تساهم بطريقة مباشرة في عملية الجني، فبعد عصر الزيتون تمنح لها حصة من الزيت تستعمل للدواء والغذاء، وهو نوع من أنواع التضامن الاجتماعي الذي لا زال القرويون متمسكين به"، تقول الخالة سميرة.

ومن أشهر العادات التي ما زال القرويون متمسكين بها أيضاً، تذكرُ المتحدثة استقبال "الغلة" أو المحصول بزغاريد النسوة في القرية، وفي الليل تنصب قدور كبيرة مصنوعة من الطين لحفظ زيت الزيتون داخل بيت "المونة" أو "العولة"، التي يخزن فيها القمح والشعير والنخالة والقمح والكسكس، تحسباً لدخول الشتاء، بينما تمنح قوارير مختلفة الأحجام للأطفال، من أجل بيعها في الطرقات الكبرى، والأسواق اليومية والأسبوعية.

الأطفال كالعصافير إذا رأيتهم من مكان عالٍ، يلتقطون حبات الزيتون، والمسنات على الأرض يرددن الأغاني عالياً، والفتيات الصغار والنساء الأربعينيات يرددنها أيضاً وهن يهززن الشجر بمساعدة الرجال، في طقوس حميمة تقاوم كل برد

وقد كشف رئيس الجمعية الوطنية لزراعة وغراسة الزيتون، سعيد بختاوي، أنه استناداً لدراسة أنجزتها الخبيرة الأمريكية، نيكول ماس، بالتنسيق مع جامعات أمريكية، فإن الجزائر قادرة على تحصيل بلايين الدولارات من المنتجات الفلاحية، خصوصاً منها ما يتعلق بسوق زيت الزيتون.

ووفق رئيس الجمعية الوطنية لزارعة وغراسة الزيتون فإن المشروع الرامي لتعزيز إنتاج الزيت والزيتون "لم ينطلق بعد".وحسب أرقام رسمية فإن الجزائر تُحصي حالياً أكثر من 68 مليون شجرة، لكنها لا تنتج أكثر من 15 بالمائة من قدرتها، بسبب غياب التقنية ووجود بعض الأشجار بمرتفعات، ما يعرضها للجليد.

وفي أيار/ مايو 2021، أحرز زيت الزيتون الجزائري أربع جوائز عالمية في مسابقة الزيوت العالمية الأخيرة، التي أقيمت في فرنسا تحت إشراف وكالة النهوض بالمنتجات الزراعية الفرنسية، وقبل هذا فاز زيت الزيتون الجزائري بالجائزة الأولى في المسابقة المخصصة للحصاد المبكر لزيت الزيتون البكر الممتا،" في مسابقة دبي الدولية لزيت الزيتون.

وتتواصل عملية جمع الزيتون في محافظات واسعة، مثل محافظة بجاية شرقي العاصمة الجزائرية، وبومرداس التي تقع في الشمال، وقد تستمر هذه العملية إلى غاية نهاية كانون الثاني/ يناير. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard