بلد الـ "كل شيء ممنوع"... لماذا لا تنفتح الجزائر سياحياً مثل السعودية؟

الاثنين 16 أغسطس 202103:25 م

تنشغل ريما الشابة الجزائرية المقيمة في روسيا كثيراً قبل أيام السفر، باختيار الملابس والأحذية الخاصة قبل عودتها إلى بلدها، بينما ينشغل خيالها بذكرياتها التي طالما احتفظت بها، والأشخاص الذين قد تقابلهم، وما يمثلونه من عادات وتقاليد أصيلة.

"أكثر الأيام سعادة بالنسبة لي"، هكذا تصف ريما مرحلة الاستعداد للسفر إلى بيت عائلتها في الرغاية، بلدة صغيرة في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائر.

ومثل كل مرة، تتبدل الأحلام، وتتغير الخيالات حالما تطأ قدما ريما، ذات العينين الخضراوين والبشرة البيضاء، أرض قريتها، تقول لرصيف22: "كنا نواجه صعوبات كبيرة في التأقلم مع أبناء المنطقة التي ولد فيها والدي، إلى درجة أن قطاعاً عريضاً منهم يقاطعوننا، ويرفضون الحديث معنا، بسبب طريقة لبسنا، ويجبروني على ارتداء أزياء محتشمة، تعكس ما يعتبرونه هويتنا الدينية وحتى الثقافية".

رويداً رويداً، تبدأ ريما في تغيير طريقة لبسها، بداية من ارتداء شورت، وجينز نسائي قصير مع قمصان صيفية، ونظارات، وقبعات شمس، ثم غيرت طريقة تسريحة شعرها، "احتراماً" لعائلتها الكبيرة، على حد وصفها، وتتابع: "كلما هممت بالخروج رفقة شقيقي من المنزل، يطأطئ الشباب في الحي رؤوسهم، وبعضهم يقومون بتصرفات غريبة، حتى أن جدتي التي بلغ بها السنّ عتياً كانت تنصحني بارتداء زي محتشم".

السباحة بأزياء "مستورة"

لا يسمح في العديد من الشواطئ الجزائرية بالتعري، خاصة إذا رافق المرأة الأخوال وأولادهم، فهم أصلاً يقصدون شواطئ لا يُسبح فيها إلا بأزياء "مستورة"، مثل النساء اللواتي يرتدين "الحجاب" و "البوركيني" وحتى الرجال يتجولون فيها بملابس محتشمة.

يسمح بالتعري (التخفف من الملابس المحتشمة) دون أي قيود "شرعية" وعرفية في بعض الشواطئ الخاصة بالنساء في العاصمة الجزائرية، مثل شاطئ "مارينا بالم" النسائي.

"يقاطعوننا، ويرفضون الحديث معنا، بسبب طريقة لبسنا، ويجبروننا على ارتداء أزياء محتشمة"

مرام، شابة مقيمة مع عائلتها الصغيرة في بلجيكا، وتعمل في أحد المطاعم، تستعد هي الأخرى قبل عودتها إلى بلدها، عين بسام الواقعة على بعد 25 كلم غرب عاصمة محافظة البويرة، باختيار ملابس لا تكون شفافة، أو تظهر معالم جسدها، وألا تكون ضيقة، تظهر أيضاً حدود الجسم، وأن تغطي جميع البدن.

تقول مرام لرصيف22: "عندما نحل بمسقط رأس والدتي يمنع علي منعاً باتاً الاختلاط بشباب في مثل سني، فهناك كل شيء ممنوع، حتى النزول إلى الشاطئ، فهذه الثقافة غائبة تماماً".

وتقضي مرام أيامها في وطنها مع شقيقها، يتجولان بين الغابات المحاذية لبيت جدها، والتي تملأ مساحات كبيرة في الجزائر، وتعتبر المتنفس الوحيد لكثير من العائلات في القرية، خاصة في الصيف، يقضي سكانها معظم أوقاتهم في قطف فاكهة التين أو ما يعرف بـ "الباكور" محلياً.

هكذا تستمتع مرام وريما في الشواطئ والغابات، وما يجذبهما أكثر هو الحنين إلى الوطن الأم، مما يسهل عليهما، وعلى نظرائهما، من وطأة فرض أزياء وسلوكيات تبدو في نظرها وذوقها الغربيين مبالغة في المحافظة، على عكس العديد من السياح القادمين إلى البلاد، والذين تفرض عليهم تلك الثقافة فرضاً.

"الجزائر ليست السعودية"

يشير كمال، صاحب وكالة سياحية خاصة في محافظة البليدة، تلقب باسم مدينة الورود، إلى أنهم يحرصون على إيصال رسائل بطريقة غير مباشرة للسياح الأجانب، ولا سيما الأوروبيين والآسيويين، أبرزها احترام ثقافة وعادات وتقاليد شعوب المناطق التي يزورونها.

يقول كمال لرصيف22: "قطاع عريض من المناطق السياحية يتحتم فيه احترام قواعد اللباس المحتشم".

ويضيف: "السياح ملزمون باحترام العادات والتقاليد على الشواطئ، تماماً مثل عادات الآخرين، كالتعري الكامل في شواطئ جنوب فرنسا وإسبانيا".

ثمة مشاكل أخرى تلاحق قطاع السياحة مثل استصدار تأشيرة سفر سياحية، يقول كمال إنه استقبل في وقت سابق "عدة طلبات من سياح عرب وأجانب لزيارة الصحراء الجزائرية، التي تستحق الزيارة، فهي تعتبر الصحراء الكبرى الموجودة في شمال وسط إفريقيا، وتتميز بجبال الأطلس الصحراوية، الرائعة التي تتميز بالصخور الملونة والكثبان الرملية، غير أن حلمهم بزيارة هذه الأماكن، لم يتحقق لسبب واحد، هو تعذر حصولهم على تأشيرة، رغم الوعود التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة بتسهيل إجراءات الحصول على الفيزا، وهو الأمر الذي يصعب من نشاط الوكالات السياحية الخاصة في الجزائر".

"فكرة الانفتاح السياحي في الجزائر لم تتوفر متطلباته بعد، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية والمرافق وحتى طبيعة المجتمع الجزائري"، يقول الخبير الاقتصادي والنائب بالمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، عبد القادر بريش لرصيف22.

ويشدد بريش على أن تكرار سيناريو الانفتاح السياحي السعودي في الجزائر أمر مستبعد في الظرف الراهن، لعدة أسباب أبرزها أن "مجتمعنا له قيم، ومبادئ، وثوابت لا تزال من الأولويات، وكذلك احترام الذوق العام، وهو مطلب لن يتخلى عنه المجتمع".

عراقيل السياحة في الجزائر

الانفتاح السياحي يتطلب تغييراً في ثقافة المجتمع، بحسب بريش، وقبل ذلك لا بد من تحقيق انفتاح اقتصادي، وحركة اقتصادية، وحتى إيجاد مرافق جذب السياح، وبناء منتجعات سياحية متكاملة.

وإذا فكرت الجزائر مستقبلاً في استحداث جو سياحي متكامل بكل الخدمات والمرافق، وتحقيق انفتاح سياحي، فإن السياحة الصحراوية هي المجال الوحيد الخصب الذي يمكن المنافسة مقارنة بالوجهات السياحية الأخرى، على غرار ما هو موجود لدى جيراننا في تونس والمغرب ومصر وحتى تركيا، بحسب النائب بالمجلس الشعبي الوطني.

ورغم ما تكتنزه الجزائر من ثروة سياحية، يساهم قطاع السياحة في الجزائر بنسبة ضعيفة جداً في الدخل الإجمالي للدولة، وتقدر نسبة المساهمة فيه بـ 2 في المائة فقط، حسبما كشف وزير السياحة الجزائري السابق حسان مرموري في تصريحات للصحافة المحلية.

"الجزائر ليست السعودية... مجتمعنا له قيم، ومبادئ، وثوابت"

ويتابع: "السياحة تمثل نسبة تقارب 11 بالمائة من الدخل الإجمالي للدول، وفي الجزائر نسبتها 2 بالمائة وهي نسبة ضعيفة جداً، وسنسعى لرفعها مستقبلاً، وفقاً للمخططات السياحية على مستوى كل الولايات حتى 2030”.

ويقر مسؤولون أجانب بأن الجزائر بلد يحوي أماكن جذابة للكثيرين حول العالم، غير أنه يرفض الانفتاح السياحي، وفي تصريح صحافي أدلى به وزير الخارجية البلجيكي ديدي ريندرس، قال إن الجزائر بلد يتمتع بإمكانيات سياحية خيالية، غير أنه يفتقد لإرادة الانفتاح على الخارج مثل الجارتين تونس والمغرب.

ونقلت وسائل إعلام بلجيكية عن ريندرس تأكيده عقب زيارة إلى حي القصبة (حي شعبي في قلب العاصمة الجزائرية، شيّد على هضبة تطل على البحر الأبيض المتوسط)، إن الجزائر لها إمكانيات ساحرة كبيرة، لكن هناك إحساساً بعدم وجود إرادة للانفتاح إلى المستوى المعمول به في المغرب وتونس.

وأضاف: "من أجل تنويع اقتصادها فالجزائر يمكنها تثمين إمكانياتها السياحية المتنوعة، لكن لا نحس أن هناك إرادة حقيقية للانفتاح رغم أن هذا البلد خيالي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard