لا التين تينٌ ولا الزيتون زيتون

السبت 7 ديسمبر 201912:36 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ قسم ثقافة في رصيف22 "تفاسير القرآن... إبداع دينامي ثري"

يُوصف تفسير القشيري "لطائف الإشارات" المؤلف في القرن الخامس الهجري بأنه عرفانيّ، قائم على الدلالة والتلويح، فما تخفيه اللفظة أعظم مما تظهره، كما أن القشيري لا يرى في تكرار الألفاظ والآيات توكيداً، بل كل لفظ أصيل في جوهره وإن تشابه ظاهره أو التبس، لكن، نقرأ في تفسير سورة التين التي مطلعها القسم الشهير "والتين والزيتون" التالي: "أقسم بالتين لما به من عظيم المنّة على الخلق حيث لم يجعل فيه النّوى، وخلّصه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللّقمة لتكمل به اللذّة. وجعل في الزَّيْتُونِ من المنافع مثل الاستصباح والتأدّم والاصطباغ به".

وفي الحاشية نقرأ أن المقصود إن تتبعنا الآية "وطور سنين"، أن "التين إشارة إلى جبل دمشق وهو مأوى عيسى عليه السلام، وبالزيتون جبل بيت المقدس، فهو مقام الأنبياء جميعهم، وطور سنين إشارة إلى موسى كليم الله، والبلد الأمين إشارة إلى أن مكة بها بيت إبراهيم وبها دار محمد، فكأن مطالع السورة تشير إلى النبوات البارزة".

المتن والهامش

كلا التفسيرين في المتن والهامش إشكالي، ففي المتن يتبنى القشيري خصائص التين والزيتون الوظيفيّة، أي ما يرتبط بهما كمأكولات نتداولها في حياتنا اليومية، أي لا عرفان هنا ولا كشف عمّا هو باطني، وفي الحاشية تأويل منطقي، دلّ عليه وضوح اسم الجبل لتفسير ما سبقه، وتأويل الفاكهة بالجبال والنبوة.

"والتين والزيتون" مازال يشكّل غموضاً، وتتحرك التفسيرات دوماً حول موضوع القسم، أي هل المقصود هو شجر التين والزيتون، أو جبلان يحملان هذا الاسم، أو مسجدان؟ وكلها محاولات ربط الألوهة مع الأنبياء والديانات الثلاث، والأماكن التي ظهر فيها الله لأنبيائه

هذا القسم "والتين والزيتون" مازال يشكّل غموضاً للكثيرين سواء من المفسرين أو القرّاء، وتتحرك التفسيرات دوماً حول موضوع القسم، أي هل المقصود هو شجر التين والزيتون، أو جبلان يحملان هذا الاسم، أو مسجدان؟ وكلها محاولات ربط الألوهة مع الأنبياء والديانات الثلاث، والأماكن المميزة التي ظهر فيها الله لأنبيائه.

لكن، إن استطردنا وتأولنا على آيات الله، نلاحظ بعد سلسلة الأقسام في الآيات الثلاث الأولى، نتيجة يثبتها الله لخلقه بأنه "خلق الإنسان في أحسن تقويم"، الآية التي ما زالت أيضاً إلى الآن محط جدل، ويليها أن الله بالرغم من إحسانه خلق الإنسان، قام برده إلى "الأسفل"، ولا نعلم هنا إن كان المقصود آدم ذا الخلقة الحسنة في الجنة، ثم نفيه إلى الأرض بوصفها "أسفل السافلين"، أو المقصود البشر الآن، و إمكانية ردهم إلى جهنم، خصوصاً أن الاستثناء التالي: "إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"، والتساؤل: "فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ"، لا نعلم إلى من يتم توجيههم، أي من يكذّب، هو يكذب حسن الخلق أم قدرة الله ؟

هذا الالتباس في الأماكن، إن تبنينا المعنى الأول، فالأجر غير الممنون هو نصيب البشر في الدنيا، وفي المعنى الثاني هو نصيب البشر في الآخرة، لكن يقدم الله برهان حسن الخلقة بياناً على قدرته، فلم لم يكن موضوع القسم، بل كان جوابه؟

 التفسيرات الصوفية

تميل بعض التفسيرات الصوفية إلى أخذ اللفظ إلى أشد معانيه حرفيّة، كأن نقرأ في تفسير ابن عربي، أن التين كله لبّ بلا نوى، فهو خلاصة المعرفة الجاهزة، أما الزيتون فملتبس، يحوي نوى لابد من استخراج المعارف ونفي ما فيها من غث، هذه التفسيرات تصل حدّ الشعر، ولا توضح سوى اللبس الدائم حول هذه الآية.

يأخذنا التفكير بصيغة القسم إلى مدخل آخر، يقسم الله، أي يثبت في الآيات الأولى "جملة القسم" نبوات متعددة وظهورات له أمام أنبيائه، في محاولة للتدليل على القدرة، أما "جواب القسم" فهو دلالة على حسن الخلق وتنوع الآخرة. وحين قراءة أسباب النزول يظهر غموض أكثر، إذ هناك إجماع على عدم وجود سبب للأقسام في الآيتين الأولى والثانية، أما الردة إلى أسفل السافلين المقصود بها جماعة من العجائز أصابهم الخرف فأتت الآية لإنصافهم، وتشير مصادر أخرى أنها نزلت في "الوليد بن المغيرة أو كلدة بن أسيد" اللذين كذبا محمداً ورسالته. مع ذلك، لا إشارة على القسم.

بالرغم من محاولات المفسرين على مرّ العصور استيعاب هذه السورة وربطها مع الحكايات المسيحية واليهودية: التين نسبة إلى ورقة التين التي غطت عورة آدم مثلاً، وتكوين تأريخ للنبوة، يشمل الآيات الثلاث، إلا أنها ما زالت غير مقنعة، بل ويمكن سحب التفسير حسب الخطاب الذي يتبناه كل فرد، فالبعض يرى أن التين والزيتون هما الحسن والحسين، والبعض الآخر يرى أن "طور سنين" هما الحسن والحسين.

البعض يرى أن التين والزيتون هما الحسن والحسين، والبعض الآخر يرى أن "طور سنين" هما الحسن والحسين

لكن لنتخيل الحدث الذي تخبرنا به السورة، وهي مكيّة، ترتيبها 28 حسب النزول و95 حسب المصحف، ذلك الحدث الذي تلمّح له التفسيرات في تعددها، فهذه السورة لعبت دوراً في تاريخانيّة التفسير وامتداده عبر الأديان والعصور، بسبب انفتاح تأويلها، لكن لحظة البداية/ الحدث المتعلق بها مجهول، خصوصاً أن "الأحلاف والأقسام" في القرآن عادة تبدأ بالإشارة إلى القائم وقدرته لإثبات غيره لاحقاً في طلب القسم، فما الذي حدث حتى أقسم الله بظهوره، وبقدرته على حسن التكوين ثم سوء النهاية؟ ما التحدي الذي ظهر أمامه حتى يقسم بنبات منتشر بكثرة في الجزيرة؟

هل يمكن أن يكون الزيتون في"والتين والزيتون" مثل ذئب يوسف الذي اتهم ظلماً بالتهام النبي؟ أو الفيل الذي ركع خشية حين رأى الكعبة؟ والزيتون هنا هو ذاك الذي يشعل زيته المشكاة، التي مثل نورها كنور الله؟ 

يمكن الاستطراد وافتراض أن الكلمات ليست هي ما نقرأه، بل هي من غريبها، كـ"نون" مثلاً و"طه"، و نتحايل هنا ونقول، ورد في لسان العرب أن الأخطل جاء بحرفين هما "التينان"، أي الذئب والعيثوم (أنثى الفيل)، وتين واحدة هي إما الذئب، ربما ذئب يوسف الذي اتهم ظلماً بالتهام النبي، أو الفيل الذي ركع خشية حين رأى الكعبة، والزيتون هنا، هو ذاك الذي يشعل زيته المشكاة، التي مثل نورها كنور الله.

في كلاهما درء لشبهة تتضح بعدها الحقيقة، اتهام ظالم لفيل وذئب يتضح بعدها إيمانهما، ذات الأمر مع الزيتون، ذاك القادر بنوره الدفين أو "نواته" تبديد الظلمة، تلك التي يعيش بها الكفار، الذين أعماهم جهلهم، حتى عن نور الله ويقينه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard