حلفاء ولكن... هواجس الإمارات وطموحاتها لم تعد تتوافق مع أولويات القاهرة

الأربعاء 15 ديسمبر 202110:51 ص

لم ينتهِ عام 2013 إلا والإمارات أقرب حليف للنظام المصري الجديد الذي نشأ على أنقاض رئاسة هشة لجماعة الإخوان المسلمين. عداء أبوظبي للإخوان دفعها للمسارعة في تقديم كل دعم ممكن للنظام المصري وقتها. مرّت نحو ثماني سنوات وصرنا في أواخر عام 2021 وتغيّرت أمور كثيرة حوّلت أبوظبي إلى مصدر قلق للقاهرة. فما الذي جعل أصدقاء الأمس على حافة الخصومة؟

تُحرك السياسة الخارجية الإماراتية ثلاثة هواجس أساسية تدفعها للاستثمار الضخم في محاولة الظهور كقوة إقليمية مستقلة ومؤثرة.

الهاجس الأول... الإسلام السياسي

الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين هو هاجس أبوظبي الأول. يكمن خطر الإخوان في جاذبية خطابهم لقطاعات داخل المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع الإماراتي ضمناً.

ولّد نشاط الجماعة هاجساً كبيراً من تكوين بؤر معارضة لحكام الإمارات نظراً إلى الطبيعة الهيكلية للإخوان التي تخلق كيانات تنظيمية تطرح خطابات تتصادم أحياناً مع الخطاب الرسمي للدولة، ما يجعل التنظيم مشكلة وجودية، في ظل أنظمة تنتهج سياسات "صفر تسامح" مع أي عمل سياسي تنظيمي قد يشكّل نواة معارضة لشرعية الحكم القائم.

وتزداد حساسية الأنظمة مع أي كيان تنظيمي له طابع ديني نظراً لما تشكله هذه الكيانات من تهديدات لشرعية الحكم في الكثير من المجتمعات العربية القائمة في جزء منها على مكوّن ديني قوي. فخطاب الإخوان يقدّم حواضنَ تطرح أسئلة حول الشرعية الدينية للحكم السياسي ومدى اقترابه من تصورها للشريعة.

في الإمارات، مرّت حركة الإخوان بعدة مراحل بدأت بحالة توافق مع الدولة وانتهت حالياً بأن تصير الخطر الأكبر الذي تواجهه والذي تتعقبه ليس في الداخل فحسب لكن فوق أي أرض وتحت أي سماء إنْ أمكن.

الخوف من تنامي الإخوان قاد الإمارات، لأول مرة في تاريخها، إلى انتهاج سياسة التدخل العسكري النشط وهي سياسة دفعتها إلى استخدام قوتها المسلحة في صراعات إقليمية بعيدة عن حدودها، مثل مشاركتها في حرب اليمن، ومشاركتها في ليبيا، ومشاركات في مناورات بحرية وجوية مع دول شرق المتوسط بهدف ردع النظام التركي الذي ظل حكام أبوظبي ينظرون إليه على أنه أحد مراكز التمدد الإسلاموي في المنطقة.

سياسات أبوظبي المذكورة تقاطعت مع مصالح النظام المصري المعادي في تكوينه ونشأته لحركة الإخوان المسلمين، وظل ذلك قائماً حتى جاءت لحظة الصدام في ليبيا. فعلى خلاف الإمارات، تبنّت مصر مدخلاً براغماتياً مع حكومة طرابلس وفتحت معها قنوات تواصل، في إقرار ضمني بقبولها بدمج الإسلاميين في المسار السياسي وفي الحكومة، وهو ما تتبناه حكومة طرابلس وتعارضه الإمارات وحليفها المشير خليفة حفتر.

هنا، اختلفت أولويات مصر عن أولويات الإمارات: رأت مصر أن استقرار ليبيا المجاورة لها أهم كهدف استراتيجي من مطاردة الإسلاميين.

الهاجس الثاني... الاقتصاد

هاجس الانكماش الاقتصادي في مرحلة ما بعد النفط هو ثاني هواجس الإمارات. هو هاجس يطارد كل الدول الخليجية التي تعتمد على النفط كمصدر اقتصادي وحيد أو أساسي.

عام 2008، أنقذ النفط اقتصاد إمارة دبي من الانهيار بعد الأزمة العالمية، وعام 2021 ارتفعت مساهمة النفط في الاقتصاد الإماراتي إلى نسبة 29% من الاقتصاد الكلي للدولة الخليجية بعد أن كان قد انخفض إلى 18% عام 2016.

دفع هذا الهاجس الإمارات إلى التفكير في مصادر أخرى لدفع الاقتصاد، وهنا جاءت فكرة الهيمنة على جزء كبير من حركة التجارة العالمية من خلال السيطرة على الخدمات في موانئ أساسية حول الخليج العربي، غرب المحيط الهندي وباب المندب وشمال البحر الأحمر، ولو تطلب الأمر خلق بدائل لقناة السويس.

اعتبرت الإمارات منطقة القرن الإفريقي إحدى مناطق نفوذها، وهنا تعارضت رؤيتها مع رؤسة مصر حين دعمت أبوظبي أنظمة معادية للقاهرة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا مثل النظام الإثيوبي

اتجهت الإمارات إلى سياسة مدّ أذرعها خارج حدودها وأسست عدداً من القواعد العسكرية، في طريق حرير بحري مصغر على غرار طريق الصين، لكن هذه المرة تتحكم فيه أبوظبي.

استثمرت الإمارات في ضعف وانهيار الحكومات المركزية في اليمن والصومال، والأزمات الاقتصادية في إريتريا فأسست قواعد عسكرية في السنوات القليلة الماضية في سقطرى وجزيرة بريم في اليمن وفي صوماليلاند وبونتلاند في الصومال وميناء عصب في إريتريا.

اعتبرت الإمارات منطقة القرن الإفريقي إحدى مناطق نفوذها، وهنا تعارضت رؤيتها مع رؤسة مصر حين دعمت أبوظبي أنظمة معادية للقاهرة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا مثل النظام الإثيوبي الذي أصبح أحد أهم مصادر تهديد الأمن المائي لكل من مصر والسودان، خاصة بعد تعنّت رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في التوصل إلى اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

على غير رغبة مصر والسودان، قدّمت الإمارات دعماً اقتصادياً سخياً لنظام أبي أحمد، كما تورطت في تقديم دعم عسكري له عبر تزويده بطائرات بدون طيار، لإطالة أمد حكمه ومنعه من السقوط في صراعه مع جبهة تحرير تيغراي، في تقاطع مع السياسات التركية والصينية والروسية التي ظلت الإمارات في حالة خصومة معها لفترة طويلة تماشياً مع المحور الأمريكي الغربي. زاد هذا الدعم من الغضب المكتوم بين أبوظبي والقاهرة.

الهاجس الثالث... إيران

رغم أن الإمارات لا تتبنى نفس موقف السعودية المتشدد تجاه إيران نظراً إلى ارتباط البلدين بروابط تجارية واقتصادية، فإن الجارة الفارسية لا تزال تشكل هاجساً أمنياً لدى المسؤولين الإماراتيين، وتعزز هذا الهاجس عدة عوامل منها:

ـ احتلال إيران لجزر إماراتية هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.

ـ السياسة العدوانية لإيران في ضد حركة الملاحة في الخليج. فقد جرى استهداف ناقلات نفط وسفن تجارية، وسط اتهامات لإيران بالضلوع في هذه الهجمات. كما لوّحت إيران أكثر من مرة بغلق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط وحركة التجارة العالمية التي تعتمد عليها الإمارات.

ـ الرغبة الإيرانية في ما يعرف بـ"تصدير الثورة الإسلامية" القائم على استغلال الأقليات الشيعية في دول عربية للسيطرة على صناعة القرار وخلق أزمات سياسية.

مرّت العلاقات المصرية الإماراتية بفصول أربعة بدأت مشرقة بربيع 2013 وها هي تصل إلى مرحلة شتاء 2021

ظلت الإمارات لفترة طويلة تعتمد على الولايات المتحدة لاحتواء التهديد الإيراني العسكري. غير أن تردد إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في "إزالة" التهديدات الإيرانية، ورغبة واشنطن في الانسحاب الأمني من الشرق الأوسط جعل الإمارات تبحث عن حلفاء أمنيين من داخل الإقليم لموازنة التهديد الإيراني.

وتمثل هذا الحليف بإسرائيل التي وقّعت معها الإمارات اتفاق سلام امتد لأكثر من تطبيع العلاقات الدبلوماسية، بل أيضاً إلى تنسيق استراتيجي واقتصادي واستخباري.

لم تعارض مصر الاتفاق، بل أعلنت دعمها له، وتصوّرت أنه سيكون أشبه بسلام بارد على نمط العلاقات المصرية الإسرائيلية. لكن دفء العلاقات الناتجة عنه كان أبعد من تصورات المسؤولين المصريين. فإسرائيل بالنسبة إلى مصر ليست مجرد خصم تاريخي، لكنها منافس اقتصادي أيضاً نظراً إلى موقعها الذي يطرح نفسه كبديل لقناة السويس، للربط بين البحرين الأحمر والمتوسط.

وهنا، ظهرت الإمارات في صف إسرائيل في هذه المنافسة. فبعد توقيع اتفاق للاستثمار في خط أنابيب إيباك الإسرائيلي لنقل النفط الإماراتي من البحر الأحمر إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس، طورت الإمارات اتفاقاً بقيمة عشرة بلايين دولار لتحويل إيلات إلى ميناء عميق على البحر الأحمر يرتبط بخط سكك حديدية لنقل البضائع من البحر الأحمر إلى الموانئ الإسرائيلية في البحر المتوسط ومنها إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس.

كانت رغبة الإمارات في خلق بديل لقناة السويس وتعزيز علاقاتها مع حليفها الأمني الجديد، إسرائيل، سبباً كافياً لديها لتجاهل مخاوف حليفها المصري الذي بدوره ظل يراكم غضباً غير معلن من سياسات أبوظبي التي تفتقد إلى مراعاة خطوطه الحمراء.

الخلاصة

مرت العلاقات المصرية الإماراتية بفصول أربعة بدأت مشرقة بربيع 2013 وها هي تصل إلى مرحلة شتاء 2021.

هذه العلاقة شهدت محطات من طرابلس إلى أديس أبابا ومن السويس إلى إيلات ومن كرير إلى أشدود. لكن لا يمكن القفز إلى نتيجة نهائية بأن التوتر المكتوم بين البلدين سيؤدي إلى عداء سافر.

فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تزل قائمة ولم تزل شركة موانئ دبي تدير واحداً من أهم الموانئ المصرية على مدخل قناة السويس، وهو ميناء العين السخنة، ولم تزل لهجة الإعلام الإماراتي والمصري، وهما وجهان للعلاقات العامة لنظام البلدين أكثر منهما قنوات إعلامية، لهجة تصالحية.

كما أن الدبلوماسية الإماراتية تنشط في الآونة الأخيرة لتقليل تكلفة الصراعات. فبعد زيارة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان إلى تركيا، قام مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد بزيارة طهران في محاولة تبدو أنها رغبة من أبوظبي في استعادة مسار الدبلوماسية بعد أن كانت الأولوية لسياسات القوة.

غير أن استمرار الحركة الإماراتية في اتجاهات تبتعد عن مصر ربما يجعل القاهرة تراجع مَن تعطيه صفة الحليف الأولى بالرعاية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard