صارت إسرائيل أولى بالرعاية من دول عربية... الجيل الثاني من اتفاقيات السلام

الأحد 1 نوفمبر 202009:47 ص

تحدد مسارات النفط وخطوط نقله خرائط التحالفات في الشرق الأوسط. فإذا أردنا أن نعرف الحلفاء من الأعداء، يمكن ببساطة أن ننظر إلى خطوط النفط.

في 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، رسمت الإمارات وإسرائيل أبعاداً أخرى للعلاقات بينهما، فقد جرى التوقيع على اتفاقية لنقل النفط الخام من الإمارات إلى الأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب أوروبا-آسيا الإسرائيليEurope Asia Pipeline Co.، أو إيابك (EAPC)، وهو خط يربط بين ميناءي إيلات على البحر الأحمر وعسقلان على البحر الأبيض المتوسط، بدون الاضطرار للمرور عبر قناة السويس أو استخدام خط أنابيب سوميد المصري الذي يربط بين ميناءي العين السخنة في السويس وسيدي كرير في الإسكندرية.

تأتي هذه الاتفاقية في ظل الانخفاض في حركة النفط العالمية، وفي وقت يعاني فيه خط سوميد المصري من تراجع شديد في تدفق النفط. فوفقاً لبلومبرغ، يعاني خط سوميد المصمم لضخ 2.5 مليون برميل كل يوم، منذ أيار/ مايو الماضي، وأدى التراجع في الطلب على البترول وتراجع إنتاج أوبك إلى تراجع التدفقات عبره إلى ربع طاقته.

ربما كانت مصر تتوقع مساعدة ما من حلفائها الخليجيين لزيادة الحركة النفطية في خطها الذي يعاني في الأساس، غير أن الإمارات اختارت أن تدعم منافساً آخر، على الضفة الأخرى من البحر الأحمر. بعبارة أخرى، كان أمام الإمارات خطان لنقل نفطها ودعم حلفائها مالياً، أحدهما إسرائيلي والآخر مصري فاختارت الخط الإسرائيلي، بما يضع إسرائيل في وضع الحليف الأولى بالرعاية، وفقاً للرؤية الاستراتيجية الإماراتية.

الجيل الثاني من اتفاقات السلام

قدّم البيت الأبيض اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي تقديماً مختلفاً عن اتفاقيات السلام الأخرى التي وقعتها مصر ومن بعدها الأردن مع إسرائيل. أُطلقت عليه تسمية "الاتفاق الإبراهيمي"، نسبة إلى "الأديان الإبراهيمية"، وذلك في محاولة لخلق إطار ثقافي جامع يسهل تسويقه بين شعوب الشرق الأوسط ويخلق رابطة ثقافية متخيّلة بينها.

في المبدأ السابع من المبادئ المؤسسة للاتفاق المنشور على موقع البيت الأبيض، تتفق الأطراف الموقعة على "الانضمام إلى الولايات المتحدة لتطوير وإطلاق أجندة استراتجية للشرق الأوسط"، ما يعني أن الاتفاق يدشّن رسمياً عصراً جديداً من التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل وجيرانها العرب تنقلب فيه الأولويات على رأسها.

يبدو أننا أمام جيل ثانٍ من اتفاقيات السلام، بعد الجيل الأول الذي حمل شعار السلام البارد والذي شمل اتفاقيات السلام بين مصر ومن بعدها الأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

كان الجيل الأول يقصر اتفاقيات السلام على التبادل الرسمي للبعثات الدبلوماسية وعلاقات رسمية في حدها الأدنى ثم تطور قليلاً إلى تعاون أمني حدودي مثل التعاون الأمني بين إسرائيل ومصر في تتبع واستهداف الشبكات الجهادية في سيناء وعلى الحدود المشتركة بين البلدين، وتعاون اقتصادي محدود مع فتور واضح في العلاقات يصل إلى حد العداء على المستوى الشعبي والثقافي، وذلك لمركزية القضية الفلسطينية في المخيّلة الشعبية العربية.

"الجيل الأول لاتفاقيات السلام اقتصر على التبادل الدبلوماسي ثم تطور قليلاً إلى تعاون أمني حدودي وتعاون اقتصادي محدود، غير أن الجيل الثاني تجاوز تلك المرحلة وبدأ من نقطة التحالف الاستراتيجي الذي يجعل إسرائيل حليفاً أولى بالرعاية ولو على حساب دول عربية أخرى"

غير أن الجيل الثاني من اتفاقيات التطبيع تجاوز تلك المرحلة وبدأ من نقطة التحالف الاستراتيجي الذي يجعل إسرائيل حليفاً أولى بالرعاية على المستويات الأمنية والاقتصادية، حتى ولو على حساب دول عربية أخرى.

كذلك، يحاول الجيل الثاني أن يفكك مركزية القضية الفلسطينية بتمرير إطار ثقافي يجمع بين "الدولة اليهودية" (وفقاً لتعريف إسرائيل لنفسها) وبين الدول العربية، في ما يمكن أن نسميه بـ"الثقافة الإبراهمية"، وفقاً لتسمية الاتفاق نفسه الذي حاول صياغة لفظ له مدلول ثقافي جامع.

ورغم اختلاف الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والإمارات من جهة أخرى، في تحديد ترتيب الخصوم المستهدَفين بهذه الشراكة الأمنية والتحالف الاستراتيجي، إلا أن الاختلاف لم يتجاوز الخلاف على الأولويات ولم يمسّ بجوهر التحالف. فبينما تضع الإمارات الإسلاميين الحركيين وتركيا كخصم أساسي وتفضّل سياسات احتواء إيران لا مواجهتها، تضع إسرائيل والولايات المتحدة إيران كخصم أساسي وخطر أولي.

يهدف الجيل الثاني من اتفاقيات السلام إلى إعادة توزيع المكاسب النفطية بما يضمن أن يكون لإسرائيل نصيب كبير، بشكل يقوّي التحالفات الأمنية ويعمق العلاقات الاقتصادية ويضعف الخصوم، أو حتى يرسل إشارات إلى الحلفاء المترددين بأن هنالك ثمناً للتردد.

فبعد الحديث عن نقل النفط الإماراتي عبر خط إيلات-عسقلان بدلاً من خط السخنة-سيدي كرير، ظهرت إلى النور مبادرات لمدّ خط آخر من السعودية إلى عسقلان أيضاً، بمساعدة إماراتية، ما يعمق خسائر مصر من التحالف. وتهدف خطة شركة إيابك إلى مد خط أنابيب عسقلان-إيلات على طول 700 كيلومتر ليصل إلى مصافي النفط في ينبع، في السعودية، ويمكن أن يمر براً أو تحت مياه البحر الأحمر.

أهداف إماراتية وخسائر مصرية

هنالك ثلاثة أهداف أساسية توجّه السياسة الإماراتية وهي: أولاً، هزيمة الإسلاميين الحركيين في كل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إذا أمكن واستبدالهم بالإسلام الصوفي، أو السلفية المدخلية؛ ثانياً، احتواء إيران ونفوذها في الشرق الأوسط دون اصصدام مباشر يعرّض الإمارات لخسارة بسبب وقوعها ووقوع سفن النفط الخاصة بها في مرمى النيران الإيرانية في الجانب الآخر من الخليج، وأخيراً، السيطرة على طريق التجارة والموانئ من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

"يحاول الجيل الثاني من اتفاقيات السلام مع إسرائيل أن يفكك مركزية القضية الفلسطينية بتمرير إطار ثقافي يجمع بين ‘الدولة اليهودية’ (وفقاً لتعريف إسرائيل لنفسها) وبين الدول العربية، في ما يمكن أن نسميه بـ’الثقافة الإبراهمية’"

ولتحقيق تلك الأهداف، تستخدم الإمارات قوتها الاقتصادية عن طريق اتفاقيات استثمارية عابرة للحدود أو تستخدم قوتها الدبلوماسية عن طريق تعميق نفوذها الدبلوماسي في مراكز صنع القرار العالمية وعلى رأسها واشنطن حيث يُعَدّ السفير الإماراتي هنالك يوسف العتيبة أحد أهم الدبلوماسيين من حيث مستويات التأثير والعلاقات.

ومؤخراً، بدأت أيضاً تستخدم القوة العسكرية بكثافة في الشرق الأوسط، منذ الربيع العربي، وأنشأت قواعد عسكرية عابرة للبحار في سقطرى اليمنية، وميناء عصب في إريتريا، وبربرة في جمهورية أرض الصومال المنفصلة عن الصومال والتي لا تحظى باعتراف دولي.

واعتمدت الإمارات أكثر على هذه القوة العسكرية في تحقيق أهدافها في ليبيا واليمن، وشاركت في مناورات بحرية وجوية تهدف إلى التحرش بتركيا قبالة كريت اليونانية في شرق المتوسط.

أرادت أبوظبي أن تؤسس وضعاً جديداً يجعل منها قوة عسكرية محدودة لكن فعالة، مستلهِمة نموذج إسبرطة القديمة، ما جعل مراقبين يطلقون عليها لقب إسبرطة الصغيرة.

غير أن الإمارات اصطدمت بمشكلتين أساسيتين في سعيها لتوسيع قدراتها العسكرية: الأولى هي المشكلة الديموغرافيا التي تجبرها على الاعتماد على عدد محدود من العسكريين من أبنائها، إذ لا يزيد تعداد قواتها عن 64 ألف عسكري؛ أما المشكلة الثانية فهي نقص التكنولوجيا، فهي كباقي الدول العربية دولة مستوردة للتكنولوجيا المدنية والعسكرية وليست مصنّعة لها.

حاولت الإمارات الاعتماد على مصر كحليف عسكري قادر على سد الفراغ الديموغرافي، غير أن عقيدة الجيش المصري التي تجعله يتصرف كحزب حاكم ومؤسسة لها مصالح اقتصادية تدفعه إلى تجنّب الدخول في حروب طويلة وعمليات عسكرية معقدة، جعلت الإمارات تنصرف عن مصر وتبحث عن بدائل أخرى.

وكان الحليف البديل هو إسرائيل التي تُعَدّ دولة أمنية في جوهرها تتفهم هذا النوع من التحالفات وتسعى إليه وأيضاً قادرة على حل مشكلة نقص التكنولوجيا الأمنية والعسكرية سواء مباشرة عن طريق القاعدة التكنولوجية الإسرائيلية أو عن طريق الولايات المتحدة، فقد فتحت المعاهدة بين إسرائيل والإمارات الطريق لتجديد الطلب الإماراتي لامتلاك الطائرة الأمريكية ذات القدرات الشبحية F-35.

خسرت مصر بالتأكيد من التحالف الإسرائيلي الإماراتي خسائر ربما لم تتوقعها القاهرة، ولكن رغم الخسائر المصرية من التحالف، إلا أن مصر لا زالت تحتفظ مع الإمارات بتحالف الحد الأدنى، نظراً لمصلحة الأخيرة في الحفاظ على استقرار النظام العسكري الحاكم في القاهرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard