ما وراء احتفالية "الكباش"... مصر تنتصر لـ"فرعونيّتها" على حساب الآثار

الثلاثاء 23 نوفمبر 202104:14 م

 في الخامسة إلا الربع فجر 28 آيار/ مايو 2019، فوجئ أهالي نجع أبو عصبة الواقع في شمال الكرنك بمحافظة الأقصر جنوب مصر، بانقطاع التيار الكهربائي، ولم تمض دقائق معدودة حتى اقتحم رجال الشرطة النجع، وشرعوا في إزالة المنازل وسط صرخات استغاثة لم تلق صدى رغم وعود حكومية سابقة بتأجيل قرار الإزالة إلى ما بعد عيد الفطر من العام ذاته، بغية الوصول لاتفاق مُرضٍ مع قاطني المنطقة على التعويضات. 

صدر القرار الجمهوري رقم 201 لسنة 2018 بشأن "نزع ملكية العقارات المتداخلة التي تعوق استكمال كشف مسار طريق الكباش وحرمه بالأقصر" ونشر بالجريدة الرسمية في 31 أيار/ مايو، أي قبل سنة تقريباً من تحرك الدولة لتنفيذه، تمهيداً لافتتاح طريق الكباش في "احتفالية عالمية كبرى".


من أجل استكمال الطريق، نزعت ملكيات بيوت وأراض زراعية وأزيل قصر أندراوس ذو الطراز المعماري الفريد والأهمية التاريخية، كما نزعت منازل أهالي نجع أبو عصبة القديم، ومبنى الصلاة التابع للكنيسة الإنجيلية، ونادٍ مسور تابع للكنيسة الأرثوذكسية أيضاً.

وبدأ العد التنازلي لافتتاح طريق الكباش، في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، في احتفالية عالمية ينتظر أن تضاهي احتفالية موكب المومياوات الملكية، التي وقف فيها حاكم مصر المعاصر ليستقبل أسلافه من الملوك.

 

يكمل القرار، وإصرار الدولة على اكتشاف ما تبقى من طريق الكباش وإظهاره من دون النظر إلى تغيير البنية السكانية ونزع الملكيات الخاصة للأفراد، صورة بدأت في ميدان التحرير، عندما صدرت قرارات عليا بنقل مسلة فرعونية وأربعة من الكباش الشهيرة في الأقصر على وقع انتقادات واحتجاجات مكتومة من خبراء آثاريين متخصصين، إلى ميدان التحرير لتحتل موضع كعكته الحجرية الشهيرة، وتقف المجموعة المصرية المستحدثة في "كولاج" فرعوني وسط النسيج المعماري الأوروبي الحديث الذي يشكل منطقة وسط القاهرة. وتصبح مقدمة لسلسلة من الافتتاحات والاحتفالات التي بدا فيها أنه جرى انتخاب طبقة واحدة من بين طبقات تاريخ مصر المتراكمة، ووجه واحد من وجوه هويتها الثرية، وهو الوجه المصري القديم، ليصبح هو وجهها الحديث والوحيد.

بدا أنه جرى انتخاب طبقة واحدة من بين طبقات تاريخ مصر المتراكمة، ووجه واحد من وجوه هويتها الثرية، وهو الوجه المصري القديم، ليصبح هو وجهها الحديث والوحيد

جانب من طريق الكباش- ويكي كومونز

وقائع تخالف الصورة

واجه قطاع الآثار والتراث المصري خلال السنوات الماضية موجة من التغييرات في إطار "تطوير البنية التحتية"، والسعي نحو مشاريع "قومية"، تراها الحكومة "لازمة لبناء مستقبل أفضل للمصريين"، لكن آثاريين وباحثين مهتمين بالتراث يرون أن هذا التطوير يأتي على أنقاض التاريخ.

فبرغم تأكيد السلطات المصرية اهتمامها بالقاهرة التاريخية (وسط القاهرة وجنوبها حالياً)، وتدشين مشروع يحمل الاسم نفسه لتطويرها، فوجىء المصريون في تموز/ يوليو 2020 بهدم بعض من مقابر "الغفير" أو كما تعرف تاريخياً بمقابر صحراء المماليك، وهي مقابر سجلت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وتعود للقرن السابع الميلادي، وتضم جبانات سلاطين وأمراء من المماليك وشخصيات تاريخية وكثير من العامة، وذلك لتنفيذ مشروع "محور الفردوس" من أجل ربط ميدان الفردوس في المنطقة الغربية للمقبرة الشمالية ومحور المشير طنطاوي الذي يربط بين العاصمة التقليديةفي الشرق وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

مقابر منطقة صحراء المماليك - ديوان المعماريين - فيسبوك

في المقابل، جاءت الردود الرسمية مثيرة للقلق، نافية أنه جرى هدم أية بناية "مسجلة" في سجل الآثار. وذكر بيان رسمي لمحافظة القاهرة هدم أسوار المقابر فقط، وتعويضها بهندسة مماثلة للحفاظ على النسق المعماري للمنطقة، وهو ما تنفيه صور وشهادات الأسر التي جرى هدم مقابر دفن فيها ذووهم.

تباطأت وزارة الآثار في تسجيل وكالة العنبريين التي يبلغ عمرها 900 عاماً. ثم هدمتها بدعوى أنها ليست أثراً مسجلاً

وكثيراً ما يكون رد السلطات المختصة في حال هدم أماكن تراثية، أنها غير مسجلة كأثر، إذ تخضع المواقع الأثرية لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته اللاحقة، وبحسب القانون يُعترف فقط بأثرية ما تسجله الحكومة، ممثلةً في وزارة الآثار.

ورصدت مجموعة "سيرة القاهرة"، وهي مبادرة مدنية تتشكل من مختصين بالآثار والعمارة ومحبي التراث، تباطؤاً من المسؤولين في تسجيل كثير من الأماكن، وخاصة في منطقة القاهرة التاريخية (الإسلامية)، وهذا ما يفتح الباب لهدم الكثير من المواقع الأثرية والتراثية المميزة.

 وتُعرّف الأماكن التراثية بأنها تلك التي تتمتع بإحدى ثلاث صفات أو أكثر، وهي: أن تحمل نسقاً معمارياً متميزاً، وتعود لحقبة تاريخية معينة، وكانت مسكناً خاصاً لإحدى الشخصيات التاريخية. ويبلغ عدد المباني التراثية في مصر، وفقاً للإحصاء الرسمي لجهاز التنسيق الحضاري، نحو 6700 في محافظات مختلفة.

ومثال على هدم أماكن تراثية أخرى وكالة العنبريين، التي هدمت في شباط/فبراير 2019، وهي سوق تاريخية مهمة يعود تاريخها إلى نحو 900 عام. ورغم الأهمية التاريخية والتراثية للمكان بيّنت وزارة الآثار في ردها عدم أثرية الوكالة. 

وكالة العنبريين قبل هدمها

ضربات أولى

في كانون الأول/ ديسمبر 2014، هُدم بيت المهندس التاريخي بشارع سوق السلاح بمنطقة الدرب الأحمر، الذي يزيد عمره عن 150 عاماً، وفي العام التالي هدم المنزل، وفي العام 2016، نجح الملاك الجدد لفيلا زينب هانم الوكيل بالاسكندرية في استخراج تصريح بهدمها بعد شطبها من قامة المباني التراثية وهدمت الفيلا برغم ذكرها في مجلد التراث للعقارات المحظور هدمها.

كثيراً ما يكون رد السلطات المختصة في حال هدم أماكن تراثية، أنها غير مسجلة كأثر، لكن مختصون ينددون منذ عقود بتباطؤ السلطات في تسجيل الآثار وتركها فريسة للمقاولين وموظفي المحليات

وفي نفس العام هدمت فيلا شيكوريل، وفي كانون الثاني/ يناير 2018 فوجئ المصريون بهدم جزئي لفندق الكونتننتال وهو أحد المباني الخديوية بوسط العاصمة، وكان قد شهد توافد ملوك أوروبا وملكاتها خلال حفل افتتاح قناة السويس التاريخي في العام 1866، وذلك بعد سنوات من تجاهل صرخات المختصين بترميم المبنى التاريخي. وفي العام نفسه هدم بيت مدكور باشا في الدرب الأحمر بالقاهرة، وهو منزل عمره 600 عام، ومسجل كتراث لا يمكن هدمه.

بيت مدكور باشا بالدرب الأحمر - تجاهلت وزارة الآثار ترميمه  ثم تركته للهدم

 الفراعنة أيضاً مهددون

حرص الدولة على تصدير ذلك الوجه "الفرعوني" لا يعني بالضرورة أنها تولي عناية خاصة بالآثار الفرعونية كلها، أو تستثنيها من إجراءات التغيير أو الهدم. وهو ما تشهد عليه حملات الآثاريين المختصين بالتاريخ المصري القديم التي ظهرت بقوة في العام 2019، عندما أعلنت مصر عن شق طريقين سريعين نفت لاحقاً أنهما يمران بمنطقة هضبة الأهرامات الأثرية. وبرغم مخاوف المختصين في الآثار، وعلى رأسهم سعيد ذو الفقار المسؤول السابق باليونسكو والذي قاد حملة لإيقاف المشروع نفسه قبل سنوات، مضت الدولة في شق الطريقين في منطقة يعتقد المختصون أنها لا تزال تزخر بآثار لم تكتشف بعد.

نقل كباش من معبد الكرنك إلى القاهرة - وزارة الآثار 

لكن الخبير مجدي شاكر، كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار، يرد على هذه المخاوف ويقول لرصيف 22: "إن الجبانة المنفية - نسبة إلى منف القديمة- تبدأ من محافظة بني سويف وتنتهي بمنطقة أبو رواش في الجيزة، وتقع فيها منطقة الأهرامات وآثار سقارة، وهي منطقة أضيفت للمناطق المعترف بها من قبل اليونسكو، وتالياً لن يستطيع المسؤولون عن القطاع إحداث أي تغيير من دون الرجوع إلى المنظمة الدولية. ولم يخرج أي تحذير حديث منها يتصل بالطريقين، وإلا فقد كانت ستوقع عقوبات على مصر، مثل شطب المنطقة من الاعتماد لديها أو منع المساعدات اللوجستية والمالية".

تقرير للمجتمع المدني: عدد القضايا التي حققت فيها النيابة الإدارية المصرية فيما يتعلق بالفساد في الآثار، بلغت 1048 قضية في العام 2017 وحده

تجددت الانتقادات في العام 2020 عندما شرعت الحكومة افي نقل أربعة تماثيل من كباش من معبد الأقصر جنوب مصر إلى ميدان التحرير وسط العاصمة. وأبدى المختصون والمهتمون بالشأن الأثري اعتراضاتهم على القرار بحملة شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي. قالت الدكتورة مونيكا حنا، رئيسة وحدة التراث والآثار بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بأسوان، إن قرار نقل الكباش الأربعة من الكرنك والمسلة من صان الحجر بمحافظة الشرقية في دلتا مصر، مخالف للأعراف والمواثيق الدولية المنظمة للحفاظ على الآثار والتراث، ودعت لحملة توقيعات موجهة إلى رئيس الجمهورية لوقف عملية النقل.

وأوضح الباحث في علم المصريات، هاني رياض، أسباب الرفض لرصيف 22: "يجب ترك الأثر في مكانه، فهو جزء من بيئته ورمزيته. وعملية نقله من موضعه إلى الميادين والأماكن العامة مرفوضة تماماً، خاصة في نقل الكباش الأربعة إلى ميدان التحرير، فهو يعد تشويهاً لطريق الكباش وأيضاً لميدان التحرير الذي ينتمي للقاهرة التاريخية في فترة تاريخية مختلفة".

فيلا شيكوريل بالأسكندرية- مثل مئات البيوت الأثرية، شطبت من سجل التراث ثم جرى هدمها

ردود فعل

الإجراءات التي تستمر الحكومة وأجهزتها المحلية في اتخاذها بشأن الآثار، باتت مقلقة على المستوى الدولي، ففي العام 2017، اتخذت لجنة التراث العالمي باليونسكو قراراً طالبت فيه مصر باتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء التدهور الملحوظ في القاهرة التاريخية. وإلا فستخرجها من المناطق المسجلة لديها ضمن قائمة التراث العالمي. 

قناطر بن طولون قبل الهدم 

بقايا قناطر بن طولون تحت الجسر الجديد

بحسب تقرير "الفساد في المحليات في مصر" الصادر عن "ملتقى الحوار للتنمية"، فإن عدد القضايا التي حققت فيها النيابة الإدارية على مستوى الدولة فيما يتعلق بالفساد في الآثار بلغت 1048 قضية في العام 2017 وحده، أبرزها قضية إجراءات ترميم قناع الملك توت عنخ آمون. وقد أحيل موظفون بالمتحف المصري إلى المحاكمة التأديبية جراء تسببهم بفصل ذقن التمثال عن الوجه. بالإضافة إلى مخالفات في أعمال ترميم جزء من السور الشمالي والسور الشرقي للقاهرة التاريخية بمنطقة الجمالية، والمسجل بقائمة التراث العالمي، وذلك بتدمير السور عن طريق سحق الأحجار القديمة واستبدالها بأحجار جديدة.

وقال الخبير مجدي شاكر إن المواكب والاحتفالات الكبرى "مفيدة وتدعم الهوية الوطنية"، وإن "القيادة السياسية (مصطلح يشير إلى الرئيس) خصصت مبالغ مالية ضخمة لتطوير قطاع الآثار، وأصبح الإشراف عليه في بعض المشروعات برعاية رئاسة الجمهورية نفسها"، مؤكداً أن ما يتم في قطاع الآثار والمتاحف "طفرة لم تحدث منذ عشرات السنوات"، وأن الإجراءات التي يعترض عليها خبراء آثاريون آخرون: "فتح جديد في إعادة استغلال الأثر واستثماره". ولفت إلى الاستغلال التجاري للآثار في استضافة الاحتفالات الخاصة والمهرجانات الثقافية، مثل الاحتفالات التي تشهدها قلعة محمد علي وقصر البارون إمبان "وهو ما يدعم الدولة من الناحية الاقتصادية أيضاً".

ويرى شاكر أن القوانين الحالية المنظمة للتعامل مع المباني والمناطق الأثرية والتراثية بحاجة إلى المراجعة، ووضع قانون موحد. وألقى بتبعات تباطؤ تسجيل الآثار على وزارة السياحة والآثار ووزارة الأوقاف اللتين تتقاذفان المسؤولية في ما بينهما بشأن ذلك التباطؤ.

قبة الإمام الشافعي - القرافة الكبري - القاهرة التاريخية

في حين لا ينكر الكاتب والباحث الأثري حسام زيدان الجهود الرسمية لتطوير قطاعي السياحة والآثار. لكنه يرى أن "المنظومة تشوبها بعض الأخطاء". وانتقد "القرارات التي أدت إلى تدمير أجزاء من بعض الآثار أو المواقع التراثية نتيجة مشروعات تخص البنية التحتية والمرافق"، مثل الاعتداء على قناطر أحمد بن طولون الشهيرة بمجرى الإمام في منطقة البساتين بالعاصمة، وهي هُدمت جراء إنشاء كوبري (جسر) جديد برغم كونها من أقدم مشاريع الري في عهد الحكم الإسلامي ويرجع تاريخها إلى نحو ألف عام.

راهناً، تشهد مصر مساعي حكومية لإزالة أجزاء من جبانة القاهرة التي تضم مقابر وأضرحة آل البيت وأمراء من الأسرة العلوية وعدد من وجهاء وفناني القرون 18 و19 و20، بالإضافة إلى مقابر آلاف الأسر المصرية.

لكن حسام زيدان ينفي ما سجله المهتمون بالتراث وأصحاب المقابر أنفسهم بعدما فوجئوا بأن مقابر أسرهم سوف تهدم، ويقول إن "الحملة التي نظمت على السوشيال ميديا بخصوص هدم مقابر تاريخية وأثرية هي غير دقيقة. وربما هُدمت بعض واجهات المقابر، لكن هناك معلومات غير صحيحة أيضاً حول هدم مقابر تاريخية مثل مقبرة الملكة فريدة أو الملكة ناريمان".

وعلم رصيف22 من مصدر على صلة بالأسرة العلوية أن الأمير عباس حلمي الثاني الذي يعيش في مصر حصل على وعد باستثناء مقبرة الملكة فريدة من الهدم. مع العلم أن مقابر الوجهاء والنبلاء والأمراء المشمولة بقرارات قضت بهدمها كلياً أو جزئياً لا تزال مسجلة على قوائم الإزالة.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard