الإمارات تستشعر الخطر الاقتصادي... أعداء الأمس أصدقاء اليوم والغد

الجمعة 3 ديسمبر 202101:08 م

تنشط الإمارات إقليمياً في الآونة الأخيرة عبر مروحة زيارات واتصالات تشمل الجميع، حتى الذين كانت إلى الأمس تُصنفهم في خانة الأعداء، ومن تتهمهم باحتلال جزرها الثلاث، وخلف هذا الحراك محرك أساسي يدفع الدولة الخليجية إلى المسارعة في حل أزماتها السياسية لكي تفتح المجال أمام مرحلة جديدة، يكون التركيز فيها على التعافي والتطور الاقتصادي، قبل أي شيء، في خطوة تُشبه ما كان ينادي به وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو، عدوّ الأمس، صاحب شعار "صفر مشاكل" مع العالم.

ولا يخفى على أحد أن القوى الإقليمية في جميع أنحاء الشرق الأوسط سعت إلى مصالحة أو راحة استراتيجية، بعد سنوات من التنافس والصراع في عدد من المسارح السياسية والعسكرية بالمنطقة وهو ما أدى إلى انعكاسات سلبية على الاقتصادات الكبرى، خصوصاً الإمارات. 

تحاول الإمارات أن تمتلك علاقات طيّبة مع القوى المتنافسة الرئيسية في المنطقة، والتي لا تجلس على مائدة واحدة

بدأ التغيير بمصالحة أجرتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين مع قطر، ثم تقارب مع تركيا، ومفاوضات مع إيران في بغداد. وكانت القوة الدافعة وراء هذه التطورات تولّي الرئيس الأمريكي جو بايدن الحكم، وهو ما أجبر هذه القوى على إعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية.

واتخذت الإمارات الخطوات ذات الصلة بشكل أسرع من البقية وفي كل الاتجاهات، وذلك بعدما التقى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، وهو الاجتماع الأبرز بين خصومه السابقين حتى الآن. 

اتخذت الإمارات الخطوات ذات الصلة بشكل أسرع من البقية وفي كل الاتجاهات، وذلك بعدما التقى ولي عهد أبوظبي مع الرئيس التركي، وهو الاجتماع الأبرز بين خصومه السابقين 

وزار وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهي الأولى منذ بدء الصراع السوري في عام 2011. وبحسب ما ورد، فمن المقرر أن يزور مستشار الأمن القومي الشيخ طحنون بن زايد - أحد أشقاء محمد بن زايد - طهران هذا الأسبوع.

وبذلك تحاول الإمارات أن تمتلك علاقات طيّبة مع القوى المتنافسة الرئيسية في المنطقة، والتي لا تجلس على مائدة واحدة، مثل تركيا واليونان وإسرائيل وإيران والسعودية ومصر وهو ما سيكون له انعكاسات اقتصادية واعدة، كما تطمح أبوظبي. 

أسباب التغيير 

وقال مصدران مطلعان لوكالة بلومبرغ الأمريكية إن "دبي هي التي دفعت من أجل مراجعة السياسات الخارجية التي تركت الإمارات في مواجهة قائمة متزايدة من الأعداء"، مشيرين إلى أن "الهجمات على منشآت النفط السعودية في عام 2019 وتعطيل الشحن في الخليج العربي جذب التركيز على ضعف الإمارات، لكن المنافسة الاقتصادية المتزايدة من السعودية أقنعت أبوظبي في نهاية المطاف بتغيير مسارها". 

دبي هي التي دفعت من أجل مراجعة السياسات الخارجية التي تركت الإمارات في مواجهة قائمة متزايدة من الأعداء

بالنسبة لأبو ظبي، كان درء القوى الثورية التي تجتاح الشرق الأوسط له الأسبقية على جذب المستثمرين الأجانب، وهي نظرة مدفوعة جزئياً بما يقول الدبلوماسيون إنه انشغال محمد بن زايد بالأمن، وهي لعبت دوراً كبيراً أمنياً وسياسياً في مواجهة الانتفاضات العربية منذ عام 2011.

ومع هدوء الاضطرابات التي أعقبت تلك الانتفاضات، وفقدان الإسلاميين نفوذهم في جميع أنحاء المنطقة، أصبحت أبوظبي أكثر راحة في تحويل تركيزها نحو مواجهة التحديات الاقتصادية الجديدة لتعويض الخسائر الاستثمارية المفقودة والتي أثرت على دبي تحديداً. 

مع هدوء الاضطرابات التي أعقبت تلك الانتفاضات، وفقدان الإسلاميين نفوذهم، أصبحت أبوظبي أكثر راحة في تحويل تركيزها نحو مواجهة التحديات الاقتصادية

وقال عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية في الإمارات لبلومبرغ: "كان الإجماع على أن الوقت قد حان الآن لتهدئة التوترات بعد 10 سنوات دفعت فيها دبي الثمن". 

في ليبيا، كان رهان الإمارات على الجنرال خليفة حفتر للإطاحة بحكومة طرابلس المعترف بها دولياً لكن لم يربح أبداً. وأثارت حرب اليمن انتقادات دولية وحرجاً كبيراً لأبوظبي، ومع استمرارها وجد كبار المسؤولون أنفسهم يقومون بزيارات متكررة لعائلات الجنود الذين قتلوا في الإمارات الشمالية الأقل ثراءً وقليلة السكان.

وقال جيم كرين، مؤلف كتاب "مدينة الذهب: دبي وحلم الرأسمالية" لعام 2009، "إنهم سيعودون إلى الأساسيات"؛ مضيفاً أن سياسة أبو ظبي كانت سيئة للاقتصاد وأدركوا أن هذه ليست استراتيجية ناجحة. 

عندما انضمت الإمارات إلى السعودية ومصر والبحرين في مقاطعة قطر مرة أخرى في عام 2017 بسبب علاقاتها مع الجماعات الإسلامية وإيران، ألغت ما لا يقل عن 3.5 مليار دولار من التجارة السنوية بين عشية وضحاها مع الدوحة وحرمت الشركات التي تتخذ من الإمارات مقراً لها من فرص استثمارية مع استعداد جارتها لتنظيم كأس العالم لكرة القدم وبناء الملاعب والفنادق والطرق. 

اضطرت قطر، التي اشترت في السابق معظم مواد البناء من الإمارات، إلى إيجاد موردين جدد. وتراجعت التجارة مع تركيا بنسبة 44٪ في 2018 ونشرت أنقرة قوات في قطر، مما زاد من توتر العلاقات. 

عامل آخر يقود التقارب الواضح، وهو تشكيك القادة الإقليميين في التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط، ويشعرون بشكل متزايد أنهم بحاجة إلى تدبير أمورهم بأنفسهم

وأظهرت بيانات بلومبرج أن التجارة مع إيران تراجعت أكثر من النصف إلى 5 مليارات دولار في العام التالي. وصار واضحاً أن جهود السعودية لفتح اقتصادها وترسيخ نفسها كقاعدة في الشرق الأوسط للشركات متعددة الجنسيات بمثابة جرس إنذار للإمارات بأنها أمام منافسة قوية قادمة. 

وأظهرت بيانات رسمية أن قيمة واردات السعودية من الإمارات في يوليو تموز تراجعت 33 % على أساس شهري أي 3.1 مليار ريال (827 مليون دولار)  من 4.6 مليار ريال في حزيران/ يونيو، بعد ما فرضت السعودية قواعد تنافسية جديدة.

وقال محللون لشبكة سي إن إن الأمريكية إن هناك عاملاً آخر يقود التقارب الواضح، وهو تشكيك القادة الإقليميين في التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط، ويشعرون بشكل متزايد أنهم بحاجة إلى تدبير أمورهم بأنفسهم. ويبدو أن الإمارات عازمة على قيادة الزمام لجعل "الحي أكثر أماناً" على حد وصفها.

جهود السعودية لفتح اقتصادها وترسيخ نفسها كقاعدة للشركات متعددة الجنسيات بمثابة جرس إنذار للإمارات 

وقال عبد الخالق عبد الله للشبكة: "الإمارات تحاول تعزيز نفوذها الإقليمي وتحاول إظهار نفسها كصانعة سلام من الآن فصاعداً، لقد سئمنا من عدم الاستقرار والصراع وصدامات المصالح التي لم يربح منها أحد. وإذا كان هناك أي مكسب فهو قليل للغاية".

التطبيع شامل 

تُعتبر تركيا والإمارات دولتين متجذرتين في الواقعية والبراغماتية، لذلك لم يكن التقارب بينهما مفاجئاً للعديد من المراقبين، وإن كانت المصالحة التي جرت رسمياً بزيارة محمد بن زايد إلى أنقرة على نحو سريع أكثر من المتوقع.

وفقاً بلومبرغ، بدأ تخفيف التوترات بالفعل في خور دبي، حيث عبرت السفن الخشبية الصغيرة إلى إيران بنفس مستويات ما قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية

ووقع البلدان اتفاقيات تعاون واستثمار بمليارات الدولارات في مجالات التجارة والطاقة والتكنولوجيا والبنوك والاستثمارات.

في نفس يوم الزيارة التاريخية لأنقرة، التقى نائب وزير الخارجية الإيراني بمسؤولين كبار في دبي وأعلن عن "صفحة جديدة" في العلاقات. 

وقال المحلل الاقتصادي الإماراتي نايل الجوابرة لرصيف22 إن "بلاده وضعت استراتيجية استثمارية شاملة ذو عائد اقتصادي على الدولة على المدى البعيد، وهو ما ظهر جلياً في المحفظة الاستثمارية التي جرت في تركيا".

في أيلول/سبتمبر الماضي، خطت الإمارات خطوات فعليه للتخلي عن الصراعات السياسية وإعادة التركيز على الاقتصاد - مستهدفة استراتيجية استثمارات بقيمة 150 مليار دولار من خلال روابط أعمق مع الاقتصادات سريعة النمو، بما في ذلك تركيا.

وفقاً بلومبرغ، بدأ تخفيف التوترات بالفعل في خور دبي، حيث عبرت السفن الخشبية الصغيرة المعروفة باسم المراكب الشراعية إلى إيران بنفس مستويات ما قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية. 

وبدأ العمال يكدسون صناديق من أفران الميكروويف والمكانس الكهربائية ومكيفات الهواء على هذه المركب التي تتجه نحو إيران لتعود تجارة التهريب إلى الجمهورية الإسلامية التي لطالما أنعشت اقتصاد دبي.

طرحت الإمارات مشروعاً لنقل البضائع من الإمارات إلى تركيا فأوروبا عبر إيران، الهدف منه تسوية بين تركيا والإمارات على التنافس على نقل البضائع إلى إيران 

وطرحت الإمارات مشروعاً لنقل البضائع من الإمارات إلى تركيا فأوروبا عبر إيران. وقال مصدر مطلع لرصيف22 إن "الهدف من هذا المشروع هو تسوية بين تركيا والإمارات على التنافس على نقل البضائع إلى إيران التي تعاني من عقوبات وتتجه إلى التهريب مع الدول المجاورة". 

في ذات الوقت، قال وزير الصناعة والتجارة الروسي دينيس مانتوروف إن "دولة الإمارات اقترحت إنشاء اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي والقضية قيد المناقشة".

تعاقدت إحدى الشركات الإماراتية، مع أرمينيا لتطوير محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 200 ميغاواط لتكون أكبر محطة في البلاد للطاقة المتجددة

ويضم الاتحاد أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا، مما يملأ مساحة جغرافية واسعة بين الصين والاتحاد الأوروبي. يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 5 تريليونات دولار أمريكي، ويبلغ عدد سكانها 187 مليون نسمة ومستوى دخل الفرد حوالي 23000 دولار أمريكي، وهو أعلى من مثيله في الصين.

وتعاقدت إحدى الشركات الإماراتية، مع أرمينيا لتطوير محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 200 ميغاواط لتكون أكبر محطة في البلاد للطاقة المتجددة. وفي 2019، أعلن ولي عهد أبو ظبي عن إطلاق منصة استثمارية استراتيجية مع مصر بقيمة 20 مليار دولار لتنفيذ مشاريع مشتركة.


اختبار التغيير

يبقى السؤال التالي كيف سيؤثر هذا التقارب الاقتصادي بين أنقرة وأبوظبي وإيران على مناطق المشاكل الأخرى؟

سيكون من غير الواقعي توقع قيام دولتين طموحتين مثل تركيا والإمارات بمعالجة خلافاتهما على الفور. ومن الواضح أن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تشجع أنواعاً معينة من إعادة التفاوض والمساومة فيما يتعلق بالأزمات الإقليمية. 

هذا الفصل الجديد والتعاون بين تركيا والإمارات سيواجه اختباراً في أماكن مثل شرق البحر الأبيض المتوسط ​​واليونان وليبيا والقرن الأفريقي

ومع ذلك، فإن هذا الفصل الجديد والتعاون بين تركيا والإمارات سيواجه اختباراً في أماكن مثل شرق البحر الأبيض المتوسط ​​واليونان وليبيا والقرن الأفريقي، على سبيل المثال قد يؤدي دعم الإمارات لليونان إلى جعل تركيا غير راضية، وستكون خطوات أبوظبي نحو النظام السوري ومقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي مشكلة أخرى. 

في هذه الأثناء، في ليبيا، حيث ستجرى انتخابات متنازع عليها بشدة قريباً، يمكن لتركيا والإمارات لعب لعبة شد الحبل أو إطلاق مبادرة مشتركة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تظهر إثيوبيا كمجال للتعاون إذ يظهر أن البلدين داعمين للحكومة أبي أحمد. 

 في هذه الحالة ستكون تركيا والإمارات قد وصلتا إلى مرحلة يمكنهم فيها إدارة المنافسة الإقليمية من خلال المفاوضات.

لكن هذا لا يعني أن الإمارات ستقف جانباً إذا عادت تهديدات سابقة للظهور. يقول أندرياس كريغ، المحاضر في كينغز كوليدج بلندن: "لقد انتصر أعداء الثورات في الوقت الحالي، ولكن إذا كان هناك ربيع عربي جديد أو انتفاضات أخرى، فإن الإماراتيين سيقفون بقوة إلى جانب أعداء الثورة".






إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard