"الوباء ساعدني لاتّخاذ القرار"... جائحة كورونا تشكّل دفعةً للإقلاع عن التدخين في قطر

السبت 4 ديسمبر 202102:05 م

حاول أسامة أحمد (48 عاماً)، الإقلاع عن التدخين عشرات المرات من قبل؛ مرةً بسبب شعوره بتأثير التدخين السلبي على هوايته في لعب كرة القدم، ومرةً استجابةً لاعتراض والده، وأخرى بسبب إحساسه بالمسؤولية، بعد أن أصبح ربّ أسرة. كان ينجح لوقت قصير، ثم يعود إلى عادته العتيدة في كل مرة.

أسامة الذي بدأ التدخين في الثامنة عشر من العمر، يقول لرصيف22، إن معاناة الإقلاع لا يمكن أن يشعر بها غير المدخّنين. "كأنك لا تستطيع اتّخاذ قرارٍ إلا لو دخّنت. لا تستطيع الاستمتاع بشيءٍ تحبّه، إلا لو دخّنت. حتى الطعام والمشروبات، يصبح لها طعم آخر عندما تعرف أنك ستدخّن بعدها". ومع تقدّمه في العمر، وازدياد الأعباء عليه، يضيف الرجل المصري المقيم في قطر، صدمات الحياة جعلت التدخين "الونس والصديق الوحيد".

وعلى الرغم من ذلك، ومع انتشار كورونا، والحديث عن تأثير الفيروس على المدخّنين، قرر المحاولة مجدداً. هذه المرة يعتقد أسامة أن الوباء هو الدفعة التي كان يحتاج إليها لاتّخاذ قرارٍ مستدامٍ بالإقلاع عن التدخين. "لا يتعلّق الأمر بأن المدخّنين أكثر تأثّراً بكورونا فحسب، لكن الوباء ساعد أيضاً، لأسباب تتعلق بنمط الحياة، فأنا لا أدخّن داخل المنزل، ومع الخوف من العدوى، توقّفت عن الذهاب إلى المقهى، حيث كنت أجتمع مع أصحابي. من هنا قلّ عدد مرات التدخين كثيراً".

شهدت أعداد الراغبين بالإقلاع عن التدخين في قطر ازدياداً ملحوظاً في العام الأخير.

الآن، يحاول أسامة، الذي يعمل في مجال التجارة، إجراء تغييرٍ جذري لنمط حياته، في محاولةٍ منه لتعويض ما فاته، بدءاً من اختيار أنواع الطعام الصحي، وحتى العودة إلى ممارسة الرياضة في المنزل، لاستعادة لياقته.

ردّ فعلٍ على الجائحة

أسامة ليس الوحيد الذي حفّزته الظروف التي أفرزها وباء كوفيد19، للإقلاع عن التدخين. ففي بريطانيا، توقّف نحو مليون شخصٍ عن التدخين، منذ بداية الوباء، وذلك وفقاً لاستطلاعٍ للرأي أجرته منظمة العمل الخيري في مجال التدخين والصحةCharity Action on Smoking and Health (Ash). وقال 41 في المئة ممن شملهم الاستطلاع، إن قرارهم جاء استجابةً مباشرةً لفيروس كورونا.

وفي قطر، حيث تبلغ نسبة المدخّنين ربع السكان البالغين تقريباً، شهد مركز الإقلاع عن التدخين في مؤسسة حمد الطبية، زيادةً بنسبة 200% في أعداد المترددين على عيادات الإقلاع عن التدخين في فترة الوباء، إذ زار المركز من 800 إلى 900 شخص شهرياً في 2020، وحتى الشهر الماض، مقارنةً بما يعادل 250 إلى 300 شخصٍ شهرياً في الفترة من 2018 إلى 2019.

تقول أخصائية طب المجتمع في المركز، د. مها المهندي، إن الحملات التوعوية، والتركيز الإعلامي على علاقة التدخين بمرض كوفيد19، زادت من إقبال المدخّنين على الإقلاع، ما دعا المركز إلى زيادة طاقته التشغيلية في الفترة الأخيرة، لاستيعاب الزيادة في الإقبال على الخدمات التي يقدّمها.

وتقول المهندي: "قرار الإقلاع عادةً يعود إلى مزيجٍ من العوامل الداخلية والخارجية، وقد لعب فيروس كورونا في هذه الحال دور العامل الخارجي المحفّز".

لكن هل يمكن عدّ قرارات الإقلاع التي اتّخذها المدخّنون، خلال هذه الظروف الاستثنائية، قراراتٍ مستدامةً، أم أنها ردّ فعلٍ وقتي؟

يقول الأستاذ المساعد في كلية العلوم الصحية والحيوية في جامعة حمد بن خليفة، الدكتور عمر خان، إنه من الصعب الحكم على استدامة قرارات الإقلاع المتخذة في أثناء الفترة الحالية.

يقول لرصيف22: "قابلت العديد من المدخّنين خلال حياتي. أقلعوا جميعهم عن التدخين في فترةٍ ما من حياتهم، ثم عادوا إلى التدخين مجدداً". ويضيف: "الأمر لا يتعلّق بالوباء، وإنما بالسلوك التلقائي للمدخّنين. فالتدخين سلوك معقّد يتضمن اعتماد الجسم على النيكوتين، ما يجعل من الصعب التنبّؤ بالاحتمالات المستقبلية على المدى الطويل".

لكن المهندي أكثر تفاؤلاً في هذا الصدد، إذ تقول إن أعداد الأفراد الذين عادوا للتدخين، وتوقّفوا عن المتابعة مع المركز، من بين الذين أقلعوا عنه مع بداية الوباء، كان قليلاً للغاية، مقارنةً بالذين يواظبون على حضور جلسات الدعم حتى اليوم.

التمسّك بالقرار

بالنسبة إلى البعض، لم يكن وباء كوفيد19 دافعاً لإقلاعهم عن التدخين، لكنه كان سبباً في التمسّك بقرار الإقلاع، ومنهم رجل كندي ثلاثيني مقيم في قطر، ويعمل مدير برامجٍ في إحدى شركات الاتصالات. يحكي لرصيف22، وقد فضّل عدم استخدام اسمه، بأنه قرّر الإقلاع عن التدخين قبل عامين، لكن معرفة تأثير كوفيد19 على الرئتين أشعره بالقلق.

يقول: "كنت قلقاً للغاية إن كانت عادتي السابقة بالتدخين تجعل رئتيّ أكثر عرضةً للمضاعفات المميتة للعدوى".

الرجل اعتمد على السجائر الإلكترونية، ومن ثم سعى إلى تقليل استهلاكه للنيكوتين تدريجياً، لكن الإغلاقات التي سبّبها وباء كورونا كان لها تأثير آخر غير متوقع، إذ جعل الوصول إلى السجائر الإلكترونية صعباً في بعض الأحيان.

"لا يتعلّق الأمر بأن المدخّنين أكثر تأثّراً بكورونا فحسب، لكن الوباء ساعد أيضاً، لأسباب تتعلق بنمط الحياة، فأنا لا أدخّن داخل المنزل، ومع الخوف من العدوى، توقّفت عن الذهاب إلى المقهى، حيث كنت أجتمع مع أصحابي. من هنا قلّ عدد مرات التدخين كثيراً".

"نفد مخزون السجائر الإلكترونية التي كنت أشتريها من كندا، وأحضرها معي. اعتدت بعدها الحصول عليها من الباعة الذين يبيعونها بصورةٍ غير رسمية عبر إنستغرام، لكن مع استمرار الإغلاقات، وتعذّر السفر، نفد مخزون السجائر لدى هؤلاء الباعة، وعدت للتدخين مجدداً لنحو ثلاثة أشهر تقريباً".

ومع عودته إلى بلده الأم، قبل عامٍ تقريباً، يقول: "تمكّنت أخيراً من الإقلاع عن التدخين تماماً، بعد أن غادرت قطر إلى كندا، حيث يمكنني الحصول على هذه المنتجات بحرية".

كارمول أريفين عبد الغني (54 عاماً)، توقّف بدوره عن التدخين في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بعد 39 عاماً من ممارسة تلك العادة. يقول الرجل الماليزي المقيم في قطر، إن فيروس كورونا لم تكن له علاقة بقراره، لكنه يعتقد أنه نجا من المضاعفات الأكثر خطورةً، عندما أُصيب بالفيروس، جزئياً على الأقل، بسبب ذلك.

كنت قلقاً للغاية إن كانت عادتي السابقة بالتدخين تجعل رئتيّ أكثر عرضةً للمضاعفات المميتة للعدوى.

"الوباء دفع الناس للتفكير"

يعتقد الدكتور عمر خان، أن الخوف لم يكن هو الدافع المحرّك للإقبال على الإقلاع عن التدخين في أثناء الوباء، فلو كان هذا صحيحاً، لكان هناك تأثير مماثل للمعلومات العلمية الموثّقة عن إصابة واحدٍ من كل أربعة مدخّنين بسرطان الرئة، في مرحلة ما من حياتهم، وحقيقة أن معدّلات الوفاة بسرطان الرئة تفوق كثيراً معدلات الوفاة بسبب الإصابة بكوفيد19، حسب قوله.

لكنه يعتقد، بدلاً من ذلك، أن الوباء أجبر الناس على الإبطاء قليلاً، وتقدير الأشياء المهمة في حياتهم.

يقول: "أمضى الناس وقتاً أطول مع أفراد أسرهم، بسبب الإغلاقات، والعمل من بعد. ولأن كثيرين من المدخّنين لا يدخّنون أمام آبائهم، أو أفراد أسرتهم، فقد أمضوا وقتاً أطول بعيداً عن السجائر، ووقتاً أطول في تقدير جمال الحياة، ووجود أسرهم".

كما يعتقد خان أن الحملات التوعوية النشطة التي انتشرت في أثناء ذروة الوباء، وصلت إلى جمهورٍ أكبر من المعتاد، وهو ما لم يكن سهلاً قبل تلك الفترة.

من جانبها، تعتقد المهندي أنه لا توجد طريقة واحدة لتحفيز المدخّنين على الإقلاع عنه. فالتخويف من التأثيرات الصحية السلبية للتدخين قد يأتي بنتيجةٍ عكسيةٍ مع بعضهم، بينما قد يكون مفيداً مع آخرين. فالأمر يعتمد على المرحلة العمرية للمدخّن، وحالته الصحية، وطبيعة شخصيته.

ويتماشى ذلك مع نتائج دراسةٍ نُشرت في مجلة الطب الباطني العام، وبحثت التغيّرات التي طرأت على تصوّرات مدخّني السجائر للمخاطر الصحية، والدافع للإقلاع عن التدخين، وكمية استخدام التبغ، خلال الأشهر الأولى من الجائحة في الولايات المتحدة.

يجب استغلال هذا الزخم الذي سبّبه الوباء، لتعزيز استدامة قرارات الإقلاع عن التدخين، من خلال التركيز على نتائج الأبحاث العلمية الحديثة المتعلّقة بالتأثيرات الصحية السلبية له، وكذلك التوسع في حملات التوعية للوصول إلى شرائح أكثر من الجمهور المستهدَف

وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين يدخّنون، كانت لديهم مجموعة متنوّعة من الاستجابات للوباء، إذ زاد البعض من تدخينهم، لمساعدتهم على التأقلم مع التوتر والعزلة، بينما أقلع البعض الآخر عن التدخين، لتقليل احتمال الإصابة. وحسب البحث، فقد ارتبط ارتفاع تصوّر المشاركين لخطر كوفيد، بارتفاع احتمال الإقلاع عن التدخين، وانخفاض احتمال الانتكاس، والعودة له.

وتقول المهندي إنه يجب استغلال هذا الزخم الذي سبّبه الوباء، لتعزيز استدامة قرارات الإقلاع عن التدخين، من خلال التركيز على نتائج الأبحاث العلمية الحديثة المتعلّقة بالتأثيرات الصحية السلبية له، وكذلك التوسع في حملات التوعية للوصول إلى شرائح أكثر من الجمهور المستهدَف.

ويتفق خان معها على ضرورة التوسع في حملات مكافحة التدخين، والتركيز بصورةٍ أكبر على الحقائق العملية، والبيانات الوبائية، ودور نمط الحياة الصحي في طول العمر، لضمان تحقيق تلك الحملات نتائج دائمة.

ويقترح خان إجراء استطلاعات الرأي مع المقلعين عن التدخين باستمرار، لمعرفة المدى الزمني الذي التزموا فيه بعدم التدخين، والتعرّف على الانتكاسات المحتملة لوضع ذلك في الحسبان، عند تصميم إستراتيجيات جديدة للحملات.

يقول خان: "الإقلاع عن التدخين، أو أيّ عادةٍ سيئةٍ قائمةٍ على الاعتمادية، ليس بهذه البساطة. الكثير من العوامل الفيزيولوجية والسلوكية المتعلّقة بهذه العادة، تتطلب إعادة تأهيلٍ مستمرة". ويضيف: "يجب أن نفهم أن الإقلاع عن التدخين هو كفاح متواصل يجب أن نخوضه نحن والمدخّنين معاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard