"علّي صوتك" للمغربي نبيل عيوش... حين تمنح السينما الكلمة للشباب المهمّشين

الاثنين 15 نوفمبر 202102:38 م

منذ بدء عرضه في القاعات السينمائية المغربية، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، وفيلم "علّي صوتك" للمغربي نبيل عيوش يشهد إقبالاً مهماً من الجمهور المغربي، خاصةً الشباب منه، لأنه يعطي الكلمة للشباب من الطبقة المهمّشة، ويسمح لهم بالتغنّي بالحرية، والكرامة، والتنديد بالقهر والظلم، عبر الموسيقى، وتحديداً الهيب هوب، والراب، وهما الفنّان اللذان يلقيان إقبالاً كبيراً من طرف الشباب المغربي والعربي.

فيلم المصالحة؟

مع "علّي صوتك"، يصالح الجمهور المغربي نبيل عيوش، الذي أثار الكثير من الجدل والانتقاد في الداخل والخارج، بسبب فيلمه "الزين اللي فيك" 2015، الذي مُنع من العرض، في القاعات السينمائية المغربية، وتم تسريب مقاطع منه في العديد من المواقع الإلكترونية، بشكل مشوّه، ليثير نفور العديدين، على الرغم من أنه يثير موضوعاً حساساً وواقعياً، ألا وهو الدعارة في مدينة مراكش. لكن الطريقة "البورنوغرافية"، التي صُوّر بها الفيلم، والمبالغ فيها، ربما، هي ما جلب عليه انتقادات الحداثيين، قبل المحافظين.

كما تعرّض قبلها فيلمه "لحظة ظلام" 2003، للمنع من العرض، في القاعات السينمائية في المغرب، وذلك بسبب عرضه موضوع المثلية الجنسية، عبر قصة مخبرٍ مثليّ عند الشرطة.

يعود المخرج نبيل عيوش من جديد، إلى حي سيدي مومن في الدار البيضاء، الحي الفقير الذي كان شبابه عرضةً للتهميش والضياع والتطرف، بفيلم "علّي صوتك"

في فيلم "علّي صوتك"، الذي اختار له المخرج عنوانين آخرين، باللغتين الفرنسية والإنكليزية، من أجل العروض الدولية: Haut et fort ، وCasablanca beats، يعود المخرج نبيل عيوش من جديد، إلى حي سيدي مومن في الدار البيضاء، الحي الفقير الذي كان شبابه عرضةً للتهميش والضياع والتطرف، وخرجت منه مجموعة من الانتحاريين الذين نفّذوا العمليات الإرهابية التي عرفتها العاصمة الاقتصادية في المغرب، في 16 أيار/ مايو 2003، والتي سبق للمخرج أن عمل عليها في فيلمه "يا خيل الله"، في عام 2012، المقتبس من رواية "نجوم سيدي مومن" للروائي ماحي بنبين.

الموسيقى أداة للتحرر

يرصد فيلم "علّي صوتك"، الذي سيعرَض في القاعات السينمائية الفرنسية بدءاً من 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، وفي بقية البلدان الأوروبية في مطلع العام المقبل، رحلة تحرر مجموعة من الشباب عبر موسيقى الهيب هوب والراب، من قيود المجتمع، من خلال تسليط الضوء على أحد الأحياء الشعبية في الدار البيضاء، وتحديداً المركز الثقافي "نجوم سيدي مومن"، وهو المركز الحقيقي الذي أسسه كل من عيوش وبنبين في مدن مغربية عدة، لفائدة شباب الأحياء الشعبية.

لكن قصة الفيلم متخيلة، وتحكي قصة مغنّي راب سابق، هو الفنان الشاب "أنس بسبوسي"، الذي يعيَّن مدرباً في هذا المركز، لتعليم شباب الحي الموسيقى، والتعبير عن أنفسهم بحرية، بعيداً عن التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية كلها، وهم شباب ومراهقون تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة، ويعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة، وتشتتاً على مستوى الأفكار والرغبات، بسبب الأعراف والتقاليد المجتمعية التي تثقل كاهلهم، فتأتي الموسيقى في قالب فني رائع، لتكون الأداة المثلى لتحرر هؤلاء الشباب، وانتفاضهم في وجه أي قمع أسري، أو مجتمعي، أو ديني، وكيفما كان، إذ لا صوت يعلو على صوت الحرية والكرامة، إلا صوت الموسيقى الحامل لهذا المبتغى الجميل، ولا تعارض بين الفن والثقافة والدين، كما قال نبيل عيوش نفسه، في اللقاء الذي تلا عرض فيلمه في العاصمة الرباط، وأضاف: "التعارض موجود في ذهن المتعصبين والمتشددين فحسب، في حين أن المغرب بلد لتعايش الثقافات والفنون والديانات".


ساهم في هذا الفيلم، الذي شارك في المسابقة الرسمية للدورة الأخيرة 74 من مهرجان كان السينمائي، وتُوِّج بجائزة السينما الإيجابية، ممثلون شباب غير محترفين، ينتسبون إلى المركز الثقافي "نجوم سيدي مومن"، وإلى "المدرسة الإيجابية لموسيقى الهيب هوب"، ومن بينهم مغنّي الراب أنس بسبوسي، الذي يشرف على هذه المدرسة. والفيلم من إنتاج شركة "عليان للإنتاج"، و"Les Films du Nouveau Monde" (أفلام العالم الجديد)، وإنتاج مشترك مع "Unité"، و"AD"، وبدعم من المركز السينمائي المغربي. كتب السيناريو الخاص بالفيلم المخرج نبيل عيوش، بالتعاون مع زوجته المخرجة مريم التوزاني. ورُشِّح هذا الفيلم لتمثيل المغرب في المنافسة على جائزة أفضل فيلم أجنبي في الدورة الرابعة والتسعين للأوسكار، كما توِّج بجائزة أفضل موسيقى، في الدورة الأخيرة 32 لأيام قرطاج السينمائية، وهي الموسيقى التي أعدها مايك وفابيان كورتزير.

من "علي زاوا" إلى "علّي صوتك"

يبدو أن الأطفال المهمشين والشباب الذين يعانون من القمع والأوضاع الصعبة، ما زالا الموضوعين اللذين يثيران اهتمام المخرج المغربي نبيل عيوش، واللذين بدأ بالعمل عليهما في أشرطته الوثائقية الأولى، وفي أفلامه التالية، إلى درجة يمكن عدّه المخرج المغربي الذي أخرج أكبر عدد من الأفلام التي تتحدى القمع، وتواجه السلطة، وتثور على عالم يسيطر عليه الأقوياء فحسب.


في فيلم "علي زاوا" 2001، سلّط نبيل عيوش الضوء على ظاهرة أطفال الشوارع المشرّدين في ضواحي مدينة الدار البيضاء، ووصف الحالة الاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى النفسية، لتلك الشريحة المجتمعية المنسية، وأعطى الكلمة لهؤلاء الشباب، وهم شخصيات حقيقية، وليست مصطنعة، استقدم بعضهم المخرج من شوارع الدار البيضاء، والبعض الآخر من ملجأ للأطفال المشردين، فكان الفيلم نقلاً حياً، وتعبيراً صادقاً عن حقيقة، وإدانةً لمجتمع لا يهتم بالأطفال، ويجعلهم عرضةً للشوارع. وهو ما مكّنه من الحصول على جوائز مهمة، وإدراجه في المراتب الأولى ضمن قائمة أفضل مئة فيلم عربي، حسب ترتيب مهرجان دبي السينمائي.

وفي فيلم "يا خيل الله" 2012، المستوحى من رواية للكاتب المغربي ماحي بنبين، والمعنونة بـ"نجوم سيدي مومن"، المستلهمة من الأحداث الإرهابية لـ16 أيار/ مايو 2003، في الدار البيضاء، يعود المخرج إلى هذا الحي الصفيحي من جديد، ليبحث عن الأسباب التي دفعت بشباب في مقتبل العمر إلى أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، ويكونوا وقوداً للتطرف والإرهاب الأعمى، ويقف على حقائق مرعبة تتمثل في الفقر والضياع والنقص الكبير في ما يمكن أن يغذّي روح الإنسان، ألا وهو الثقافة والفن، وهو ما حذا بالمخرج نبيل عيوش والكاتب ماحي ينبين إلى الاهتداء لبناء مركز ثقافي في الحي، يحمل اسم "نجوم سيدي مومن" عام 2014، ليكون متنفساً للشباب، وفضاءً للتكوين في مجال الفنون: الموسيقى، والرقص، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية... وانبثقت عنه مراكز جديدة في مدن أخرى مثل "مركز نجوم البوغاز" في طنجة عام 2017، و"مركز نجوم سوس" في أكادير عام 2019، و"مركز نجوم المدينة" في فاس عام 2020، ليتلوه "مركز نجوم جامع الفنا" في مراكش، والذي سيُفتتَح قبل نهاية السنة الحالية.

لعل مدرسة "الهيب الهوب" الإيجابية، هي التي أعطت للمخرج نبيل عيوش فكرة إنجاز فيلم عن شباب الأحياء الفقيرة في المغرب، ليعيد الاعتبار إلى هذه الفئة، التي يؤمن بأن لديها طاقات ومواهب كامنة

وإلى جانب هذه المراكز، تحتل "المدرسة الإيجابية"، أو ما يعرف بـPositive School Of Hip Hop، المدرسة التي أسستها "مؤسسة علي زاوا" عام 2018، من أجل حماية الشباب من الإدمان والإجرام، وانتشالهم من براثن الانحراف والتطرف، عبر انخراطهم في موسيقى الهيب هوب.

ولعل هذه المدرسة الإيجابية، هي التي أعطت للمخرج نبيل عيوش فكرة إنجاز فيلم عن شباب الأحياء الفقيرة في المغرب، ليعيد الاعتبار إلى هذه الفئة، التي يؤمن بأن لديها طاقات ومواهب كامنة، يمكن الاعتناء بها، ودعمها، لتتحول إلى طاقات إبداعية هائلة، بدلاً من السقوط في شرك الإدمان، والإجرام، أو الإرهاب. وقد كان المخرج ذكياً في اختيار موسيقى الراب، كدعامة أساسية لفيلمه "علّي صوتك"، وكمدخل لتحرر هؤلاء الشباب المهمشين الذين يعانون من نوع من "الشيزوفرينيا الرهيبة"، حسب تعبير عيوش.

الهيب هوب لغة الشباب

وفي هذا الإطار، يقول الناقد السينمائي المصري، محمد سيد عبد الرحيم، الذي شاهد فيلم "علّي صوتك"، في مهرجان الجونة السينمائي في مصر، في تصريح لرصيف22، إن فيلم نبيل عيوش من الأفلام الجديدة التي تهتم بالشباب، وبالأجيال الجديدة، وكيف يمكن فهمها من أجل التعامل معها، وهو برأيه "من أنجح الأفلام في هذه المسألة، فاختياره لموسيقى الراب، اختيار ذكي، لأنها الموسيقى المنتشرة بين الشباب في العالم العربي، والتي يستعملونها للتعبير عن مشكلاتهم وأحلامهم وطموحاتهم في المستقبل".

ويضيف الناقد المصري أن اعتماد الفيلم على شخصيات حقيقية، ومكان حقيقي، أعطى للفيلم بعداً واقعياً مهماً، وجعل الجمهور يقتنع بأحداث الفيلم وبشخصياته، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن فيلم "علّي صوتك" قد لا يكون من أفضل أفلام المخرج المغربي نبيل عيوش، ولكنه مع مرور الزمن سيكون مهماً من خلال تواصله الدائم مع الشباب، لأنهم سيحبونه دائماً، وحين سيُعرَض على القنوات التلفزيونية، ومنصات الإنترنت، سيشاهدونه أكثر مما يُعرَض في السينما، وسيكون من الأفلام الملهمة التي فيها نوع من التحفيز الدائم".


من جهته، يرى الناقد السينمائي المغربي عامر الشرقي، الذي أتيحت له فرصة مشاهدة فيلم "علّي صوتك" في مهرجان قرطاج السينمائي في تونس، أن المخرج نبيل عيوش يستمر في هذا الفيلم على النهج نفسه، فهو من ناحية الفكرة والتناول الفني لا يخرج عن فيلم "يا خيل الله"، وعن فيلم "علي زاوا"، لأنه يشترك معهما في إثارة قضية فئة مهمة من المراهقين والشباب على هامش المجتمع، لهم معاناتهم، ومتطلباتهم، وهمومهم، وآمالهم، فالفيلم لم يخرج عن الطريقة المعتادة لدى نبيل عيوش، والمتمثلة في طرح الأسئلة، وإعطاء الكلمة للشباب، وكذلك استعمال لغة بسيطة في الحوارات.

لكن، من ناحية اللغة السينمائية، يضيف الناقد المغربي عامر الشرقي، في تصريح لرصيف22، أن "فيها إبداعاً واستحضاراً لإمكانات كبيرة، من حيث الصورة الجميلة، والموسيقى، والرقص، وهي لغة الشباب اليوم، بالإضافة إلى الأداء الجيد للممثلين غير المحترفين، والذين استفادوا من الإدارة والتأطير الجيد من قبل المخرج".

الحدود بين الروائي والوثائقي

مع عرض فيلم "علّي صوتك"، كثر الحديث عن أن الفيلم عمل وثائقي، أكثر منه عمل روائي تخييلي، هذا على الرغم من أن صاحبه سبق وأعلن أنه يجمع بين التوثيق والتخييل عبر ما اصطُلح عليه بـ"كوميديا موسيقى الهيب هوب"، إذ تحضر الموسيقى والرقص والغناء في توليفة فنية مع موضوع الفيلم، من دون أن تطغى على موضوع الفيلم الذي لا ينسلخ عن طرح المشكلات التي يعاني منها شباب "مركز نجوم سيدي مومن"، سواء في الفضاء المغلق المخصص للموسيقى، أو في الفضاء الخارجي، بما فيها بيوتهم الضيقة، التي تنضح منها رائحة الفقر والتهميش، ويبرز فيها العنف بشتى أنواعه.

وعن الحدود بين الروائي التخييلي، والوثائقي، يقول الناقد السينمائي المغربي عامر الشرقي، إنها حدود هشة، فهناك أفلام تم تصنيفها على أنها كلها روائية متخيلة، ولكن نجد فيها عناصر الوثائقي بشكل كبير، مثل فيلم "جارات أبي موسى" للمخرج المغربي محمد عبد الرحمان التازي، المقتبسة من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب المغربي أحمد التوفيق، لهذا يجب النظر برأيه أولاً في العمل وهل هو فيلم سينمائي أم لا؟ ثم من بعدها الوقوف عند هل هو عمل تخييلي، أو وثائقي، أم أنه يجمع بينهما؟ من دون النظر إلى الفيلم الوثائقي كما لو أنه جنس ضعيف، لأن لكل منهما خصوصياته وجمالياته وإبداعه، وكم من فيلم وثائقي أدهش وأبهر بجماليته.

وعن فيلم "علّي صوتك"، يوضح الناقد المغربي أنه فيلم روائي تخييلي يضمّ جوانب توثيقية مستمدة من صميم الواقع، تتمثل في "مركز نجوم سيدي مومن"، وفي شباب الحي الحقيقيين من مرتادي المركز، أو المتدربين في المدرسة الإيجابية، وهو ما لا يعيب هذا العمل السينمائي، بل يعطيه قوةً وجماليةً خالصةً، لأن السينما في أقصى حالاتها، لا تستطيع إلا أن تنتج واقعاً جديداً في إطار محكيّ قصصي، وأن تعيد إنتاج محكيّ واقعي داخل محكيّ وثائقي.

بين دخول المعلم فنان الراب أنس إلى حي سيدي مومن، والخروج منه، رحلة تمتد عبر مئة ودقيقتين، هي عمر الفيلم، هي رحلة الاكتشاف والتعليم والتعلم، ويعتمد فيها المخرج بشكل رئيسي على الحوار الذي يدور معظم الوقت بين المعلم وتلامذته، حوار يضرب الأفكار المسبقة والأحكام الجاهزة بعرض الحائط، ويعطي مساحة للإبداع بحرية كبيرة عبر كتابة كلمات أغانٍ تعبّر عنهم، وعن معاناتهم وطموحاتهم، ويقدّمونها في قالب فني رفيع.

ومثلما يبدأ الفيلم بمشهد دخول معلم الموسيقى العابس إلى الحي، بسيارته الصغيرة التي يتخذها منزلاً متنقلاً، وهو يدخن سيجارةً، ينتهي بتكرار هذا المشهد عند المغادرة، ولكن مع فارق كبير جداً، فالمغادرة تتم على وقع موسيقى صاخبة آتية من فوق سطح مبنى مركز "نجوم سيدي مومن"، تعلوها أصوات الشباب الذين تعلّموا على يد المعلم أنس، الذي غادر الحي، ووجهه تعلوه ابتسامة كبيرة، وانشراح ورضا مما صنعه مع شباب الحي المنتفض الرافض للقمع والوصاية على حقوقه، الشباب الذين عبّروا بعلوّ صوتهم عن الرغبة في الحرية والانعتاق، عبر الموسيقى، والتي كانت السينما حاملها الرئيسي، والتي يمكن أن تكون أحسن وسيلة للتغيير، وإنقاذ الشباب والعالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard