"هيّا بنا إلى السينما" ... صالات المغرب تتنفس الصعداء بعد عام من الإغلاق

الأحد 6 يونيو 202103:54 م

"قرار فتح المسارح ودور السينما أمام الجمهور، مثل الحصول على جرعات أوكسجين مُنعشة بعد أن طال الغياب والانتظار"، هكذا علّق الفنّان المغربي مالك أخميس على قرار الحكومة المغربية إعادة فتح المسارح، وقاعات السينما، والمراكز الثقافية، والمكتبات، والمتاحف، بـقدرة استيعابية تبلغ نسبتها 50 بالمئة، بعد تحسّن المؤشرات المرتبطة بجائحة كورونا في المغرب. كيف لا، والممثل السينمائي والمسرحي يتنفس عشق السينما والمسرح.

ويأتي قرار السلطات المغربية بإعادة فتح الفضاءات الثقافية التي أصبح بإمكانها استقبال مرتاديها مجدداً بعد طول غياب، بالتوازي مع إعلانها تخفيف عدد من القيود المفروضة بسبب وباء كوفيد19، على مجموعة من الأنشطة الأخرى، مثل تنظيم التجمّعات والأنشطة في الفضاءات المغلقة، والسماح بارتياد الشواطئ، والمسابح العمومية، والمساجد.

قرار فتح المسارح ودور السينما أمام الجمهور المغربي، مثل جرعات أوكسجين مُنعشة بعد أن طال الغياب والانتظار

وتأتي الإجراءات الجديدة في أعقاب تجاوز المغرب عتبة الـ15 مليون جرعة لقاح (مع أكثر من 5 ملايين تلقوا جرعتين)، والتي جعلته يتعامل بثقة مع الأوضاع الصحية التي أدخلت الفنانين في متاهة إبداعية، ومعيشيّة أيضاً.

والقرار الذي طال انتظاره، صدر بعد أكثر من سنة على إطفاء شاشات السينما، وتوقّف الحركة على خشبات المسارح، وهي فترة علت خلالها أصوات المهنيين، والنقابيين، والمهتمين بالشأن الثقافي الفنّي، مطالبة بإعادة الروح والحياة إلى هذه الفضاءات دفاعاً عن حقوقهم المهنية والاجتماعية، وخاصةً بالنسبة إلى العاملين في مجال العروض الحيّة.

الضوء في آخر النفق

ووصف أخميس القرار في تصريح لرصيف22، قائلاً إنه "بمثابة الضوء الذي ينبعث من الظلام الكثيف الذي طال أمده"، مؤكّداً أنّ فترة الإغلاق كانت صعبة عليه، وعلى جميع الفنّانين، "وقد استمرّينا في الأداء والتدرّب، لكن المسرح من دون جمهور مثل وجبة من دون توابل، جافٌ وبلا معنى، لأنها تفتقد حميمية اللقاء، والنّظرات التي تنبعث من الجمهور، وتبعثُ فيك الحماس للتألّق بشكل أكبر".

وأضاف الممثّل المغربي أن إعادة فتح المسارح، وقاعات السينما، والفضاءات الثقافية الأخرى "تأخرّ طويلاً"، إذ كان من الممكن استئناف العمل قبل أشهر، شأن العديد من المجالات الأخرى التي تعايشت مع فترة الجائحة، "لكن الأهم اليوم هو عودة النشاط، ونتمنى أن يعود الألق المنتظر أسطع مما كان في السابق، ليعيد إلى الكثير من العاملين والمهنيين أرزاقهم، وللتخفيف من صعوبات الفترة الماضية النفسية والمعنوية علينا، وعلى الجمهور".

صار بإمكان المغاربة العودة إلى الاستمتاع بسحر "الشاشة الفضيّة" بعد رفع قرار الإغلاق الذي دام عاماً كاملاً

وكان الفنانون المغاربة قد طالبوا السلطات في وقت سابق بإعادة فتح دور السينما والمسارح، عبر نداء انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت شعار "لا لاستمرارية إغلاق المسارح ودور السينما وقاعات العروض الفنية... افتحوها سنموت اختناقاً". وعبّر الفنانون الموقّعون على هذا النداء عن رفضهم "استمرار غلق المسارح، وقاعات العرض، ودور السينما"، داعين إلى "التعجيل بفتح هذه المؤسسات والمرافق الثقافية والفنية، لمواصلة تقديم خدماتها العمومية، أسوة بالمؤسسات التعليمية، وغيرها من القطاعات الإنتاجية والخدماتية".

هكذا لن يكون بإمكان الفنانين العودة إلى العمل فحسب، بل الاطلاع على الأعمال الفنية الأخيرة في ظروف احترافية، والاستمتاع أيضاً، مثل بقية الجمهور، كما يؤكد أخميس قائلاً إنه: "مسرور بالعودة إلى الجلوس أمام الشاشة الكبرى، والاستمتاع بالإطار والأصوات"، مضيفاً: "هي متعةٌ لا نظير لها، تتفتّح جميع جوارحك وأحاسيسك في فرحة طفولية تنقلك إلى عوالم من الدهشة حُرِمنا منها طوال أشهر، ولم تكن شاشات التلفاز بديلاً يعوّض هذا كله".

"كل الأماكن مشتاقة إلى الفن"

لكن هل ستكون العودة سهلة، أم سنجد القاعات أمام أوضاع صعبة، وهشاشة مضاعفة، بسبب النتائج السلبية للإغلاق طوال عام على مباني دور العرض، ومواردها المالية؟ بالنسبة إلى الناقد الفني والسينمائي خليل الدامون، تبقى الإجابة عن هذا السؤال "رهينة القطيعة مع التدبير السابق للمجال الثقافي الفني، والعقليّات التي تسود فيه"، إذ يلقى المجال الفني كما يقول، "تهميشاً ونظرة دونية من قِبل المسؤولين، بالإضافة إلى إقصائه واستسهاله"، مؤكّداً على وجوب إعادة النظر في الفن والثقافة لأنهما ليسا قطاعين ثانويين، أولاً من خلال رفع ميزانية الدولة المقدّمة للقطاع، وفتح نقاش واسع على طريقة تدبيرها للأزمة الأخيرة، وأخيراً عبر التفكير في حلول، وتصورات حول مستقبل ما بعد الجائحة".

سيطر المغرب نسبيّا على كورونا وقرار إعادة فتح قاعاته السينمائية، والمسارح، والمتاحف: "هيَّا بنا إلى السينما"

جانب آخر مهم، يوضح المتحدّث، ويتمثّل في "ضرورة إعادة تأهيل عدد من القاعات السينمائية والمسارح التي أصاب معدّاتها التقنية واللوجستية التّلف والضرر خلال التوقّف الذي فرضته الظروف الأخيرة، وإصلاحها، علاوةً على إعادة العاملين الذين تركوا عملهم، أو سُرّحوا من وظائفهم بسبب الأزمة".

وأكّد الدامون في تصريح لرصيف22 أن المجال الثقافي والفني يستدعي عناية خاصة، ومتابعة شديدة، كونه من ضمن "المجالات الأكثر تأثّراً بالجائحة"، مرجِعاً ذلك إلى "عوامل أساسية في نهوض المجال، وتتمثّل في الجمهور، والفضاءات المغلقة، والطواقم التقنية المتعددة، بالإضافة إلى عناصر التركيز والإبداع، وكانت كلها غائبة طوال الفترة الأخيرة بسبب الأزمة الصحية".

وشدّد المتحدث على ضرورة الاستفادة من تأثيرات التوقّف الاضطراري الأخير، من خلال لحظة تأمّل وتقييم، لمعالجة العيوب والخِلال التي كشفتها الأزمة الصحية، والتفكير في طرق جديدة للنهوض بالصناعات الفنية الثقافية، من خلال تشجيع الاستثمار الخاص، وتقوية حضور الفن والثقافة في المؤسسات التعليمية لدى الناشئة.

ترحيب المهنيين بعد "أيام سوداء"

بدوره رحّب رئيس الغرفة المغربية لقاعات السينما الحسين بوديح، بقرار استئناف نشاطهم، مشيراً إلى أنّ مدّة الإغلاق "كانت طويلة جدّاً، ومرّت علينا أيام سوداء، عانينا خلالها من صعوبات جمّة خصوصاً على الصعيد المادي، مع الشلل التام الذي أصاب المداخيل مقابل استمرار النفقات والمصاريف، وعلى الرغم من الدعم الحكومي الذي كان غير كافٍ"، كما أوضح أنه "من الصعب تجاوز تأثيرات الفترة الماضية بسهولة في المقبل من الأيام".

ولفت بوديح في تصريح لرصيف22 إلى أنّ "القرار جاء متأخراً، كما توقيت إعلامنا به"، مشيراً إلى أنّ طبيعة نشاط القاعات السينمائية وعملها "تستلزم أن يتم إخبارنا قبل أيام من الإعلان عن القرار، للاستعداد لاستئناف النشاط مباشرة، لأنه وعلى الرغم من أن القرار دخل حيّز التنفيذ، إلاّ أنّ افتتاح القاعات أمام الزوار، لن يتم إلا بعد أسبوع أو أكثر".

وعلى الرغم من إشارته إلى أنّ القاعات السينمائية تشهدُ ذروة الإقبال بدءاً من شهر أكتوبر/ تشرين الأول، إلاّ أنه أعرب عن تفاؤله بأن يشهد الصيف الحالي الإقبال المنشود، لتجاوز آثار الأزمة العميقة التي تضرّر منها القطاع بشكل كبير.

وعن مدى استعداد دور السينما للعودة إلى العرض، إذ إن القرار لم يكن منتظراً على الرغم من السيطرة الكبيرة على الجائحة بحسب الأرقام الرسمية، أوضح المتحدث أن أمام القاعات ما بين 18 و20 فيلماً مغربياً جاهزاً للعرض، وهي من الإنتاجات الجديدة التي شاركت في النسخة الأخيرة لـ"المهرجان الوطني للفيلم" في طنجة، وستُعرض في البداية، والاستعدادات للحصول على رخص توزيع الإنتاجات الأمريكية التي تلقى إقبالاً أكبر من قِبل المغاربة، على عكس الإنتاجات المحلية، على قدمٍ وساق.

أمّا عن استعداد القاعات الوطنية للاستجابة لشروط التباعد الاجتماعي التي وضعتها السلطات الحكومية لاستئناف النشاط، فقال بوديح إنهم ملتزمون بها، لأنها شروط مطبّقة على المستوى الدولي، مضيفاً أن "الأمر يبقى صعب التنفيذ، وسنبذل أقصى جهودنا في هذا السياق، ونتمنى أن يساعدنا المواطنون من خلال الالتزام بالإجراءات المقرّرة". هكذا تكون الأوضاع جاهزة ليعود المغاربة إلى الاستمتاع بسحر "الشاشة الفضيّة"!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard