هكذا طوَّع العندليب السينما لصالح الأغنية

الثلاثاء 30 مارس 202101:52 م

"لما عملتله توبة ونجحت، وكان الجمهور دايما يطلبها منه، فقررت أنا وبركات نعمله فيلم وندخل فيه توبة... وكان زمان فيه تقليد: لما أغنية تنجح يعملوا عليها فيلم"، يقول الموسيقار محمد عبد الوهاب عن أغنية "توبة"، التي دفعه نجاحها إلى إنتاج فيلم "أيام وليالي" عام 1955، ليغنيها عبد الحليم حافظ خلاله.

يصنّف النقاد أغنيات عبد الحليم على أنها تنقسم إلى أغاني "أفلام" وأغاني "حفلات"، وأغاني للإذاعة عبر الراديو وكانت تغنى أيضاً في حفلات بعد ذلك.

وأغاني "الأفلام" هي التي أعدت خصيصاً لتُغَنّى في أفلام سينمائية، وفقاً للسياق الدرامي الذي يستوجب أن تكون هناك أغنية يغنيها البطل الذي يقوم بدوره حليم؛ فالطبيعي أن يكون هناك حدث يستوجب وجود أغنية، وكذلك أن يكون بطل الفيلم هو الذي يغنيها، إلا أننا رصدنا حالات كانت مغايرة لذلك.

رصدنا بالتعاون مع الباحث عمرو فتحي، صاحب "موسوعة أغاني عبد الحليم حافظ" أغنيات نطلق عليها "أغاني أفلام"، ولكن وجدنا أنها طرحت بالأسواق على أسطوانات، ورددها العندليب في الحفلات قبل طرح الأفلام بفترات، بل أحيانا قبل تصويرها والتفكير فيها من الأساس.

وكذلك رصدنا له أغنيات دخلت بشكل رئيسي في أفلام لم يكن عبد الحليم ممثلاً فيها، فما هي هذه الأغنيات وهذه الأفلام؟ وكيف حدثت هذه المفارقات؟ هذا ما نرصده ونوضحه من خلال رصد تاريخي.

لم تكن "على قد الشوق" أولى أغاني حليم، ولكنها كانت سبباً كبيراً في شهرته. قال عنها العندليب: "هي اللي خلت الناس تعرف عبد الحليم حافظ، تعرف اسمه، وتعرف ملامح صوته"

أغنيات صنعت أفلام

هناك 3 أغنيات غناهم عبد الحليم ولم يكن عنده نية غنائهم في أفلام، إلا أن نجاح هذه الأغاني جعله يضعها في أفلام، بل إن أغنيتين منهم صنع من أجلهما فيلمين خصيصاً، وهي كالتالي:

على قد الشوق

قدمت أغنية "على قد الشوق" لأول مرة يوم 4 يوليو 1954 بالإذاعة المصرية، وغناها حليم في عدد من الحفلات خلال نفس العام، منها حفل يوم 25 يوليو 1954 بحديقة الأندلس بالقاهرة، وحفل المسرح العائم بالقاهرة يوم 1 أغسطس 1954.

ويحكي العندليب أن هذه الأغنية كانت تجسيداً لقصة حب فاشلة لصديقه ملحن الأغنية، كمال الطويل، أوحى بمعناها للشاعر محمد علي أحمد، فكتبها، ولكن كمال لم يكمل لحنها إلا بعد عامين، حسبما ذكر حليم في مقال له بعنوان "قصة لحن"، نشرته مجلة الكواكب الصادرة في 24 أبريل 1955.

لم تكن "على قد الشوق" هي أول أغاني حليم، ولكنها كانت سبباً كبيراً في شهرته، وقال عنها: "هي اللي خلت الناس تعرف عبد الحليم حافظ، تعرف اسمه، وتعرف ملامح صوته"، حسبما نقل عمرو فتحي في موسوعته.

ويحكي كمال الطويل، حسبما نقل عنه الناقد طارق الشناوي، أن نجاح "على قد الشوق" دفع المنتجين للتهافت على حليم لتقديم فيلم يغنيها فيه، وبالفعل قَبِل عرض المنتج والمخرج إبراهيم عمارة، وكان فيلم "لحن الوفاء" الذي أعاد خلاله تقديم "على قد الشوق".

وكان العرض الأول لـ "لحن الوفاء" يوم 1 مارس 1955 بسينما فريال بالإسكندرية، ويوم 3 مارس 1955 بسينما الكورسال بالقاهرة.

توبة

كما ذكرنا في بداية هذه المقالة نقلاً عن عبد الوهاب، فإن "توبة" لم تُعَدّ من أجل فيلم، ولكن نجاحها دفع موسيقار الأجيال لإنتاج فيلم لعبد الحليم يغنيها خلاله.

إن نجاح "على قد الشوق" دفع المنتجين للتهافت على حليم لتقديم فيلم يغنيها فيه، وبالفعل قَبِل عرض المنتج والمخرج إبراهيم عمارة، وكان فيلم "لحن الوفاء" الذي أعاد خلاله تقديم هذه الأغنية

قدمت "توبة" لأول مرة في 23 يوليو 1955، على مسرح الأندلس بالإسكندرية، تزامنا مع عيد ثورة يوليو الثالث، وغناها حليم خلال أكثر من حفل بعدها، ثم قدمها خلال فيلم "أيام وليالي"، الذي عرض يوم 5 ديسمبر 1955 بسينما ريتس بالإسكندرية، ويوم 12 ديسمبر بسينما ميامي وسينما فيمينا بالقاهرة.

جانا الهوى

الأغنية التي كان تصويرها مفعماً بالإبهار ضمن فيلم "أبي فوق الشجرة"، وكانت إرهاصة لظهور الفيديو كليب، لم تكن بالأساس معدة للفيلم الذي كان عرضه الأول يوم 17 فبراير 1969 بسينما ديانا ورمسيس بالقاهرة، فقد قدمها حليم على أسطوانة يوم 23 يناير 1968، أي قبل الفيلم بأكثر من عام، وغناها في عرض حي لأول مرة على مسرح دار سينما قصر النيل يوم 9 مارس 1968.

ويحكي مؤلف الأغنية، محمد حمزة، في لقاء تلفزيوني أنه بعد أن قدّم لحليم أغنية "سواح" عام 1967 كأول تعاون معه، كان حمزة فرحاً بذلك، فقال له حليم إن الاستغراق في الفرح بالأغنية لن يجعله ينجز جديداً، وبناءً عليه كلفه العندليب بكتابة أغنية جديدة ليغنيها في حفله المقبل، وبالفعل كانت "جانا الهوى". ومن رواية حمزة نفهم أن الأغنية لم تكن من أجل الفيلم، ويعزّز ذلك الفاصل الزمني الذي يزيد عن عام بين تقديمها لأول مرة وبين تقديمها خلال الفيلم.

أغنيات روجت للأفلام قبل عرضها

بجانب الأغنيات الثلاث السابقة، رصدنا مجموعة من أغاني الأفلام قدمها عبد الحليم في حفلات قبل عرض الأفلام، رغم أنها كانت معدة بالأساس من أجل الأفلام، وكانت ميزانيات إنتاجها ضمن ميزانيات الأفلام، بحسب عمرو فتحي.

إلا أن تقديم الأغنيات عبر أسطوانات ومن خلال الإذاعة قبل عرض الفيلم كان يحدث رواجاً كبيراً للفيلم، فالجمهور كان يدخل السينما لمشاهدة الفيلم وهو يعلم أنه سيشاهد ويسمع تسجيلاً درامياً مصوراً للأغنية التي ارتبط بها عبر الإذاعة أو الأسطوانة، تسجيل به تجسيد حي للمعاني التي تحملها الأغنية.

الموسيقار محمد عبد الوهاب: "لما عملت لعبد الحليم  توبة ونجحت، وكان الجمهور دايما يطلبها منه، فقررت أنا وبركات نعمله فيلم وندخل فيه توبة... وكان زمان فيه تقليد: لما أغنية تنجح يعملوا عليها فيلم"

ومن خلال رصدنا توصلنا إلى أن الأغنيات التي تنطبق عليها هذه الحالة هي:

في يوم من الأيام

قدمت الأغنية لأول مرة في 25 يوليو 1957 في حفل الإذاعة المصرية بحديقة أنطونيادس بالإسكندرية، بمناسبة الاحتفال بعيد ثورة يوليو، ثم عرضت في فيلم "الوسادة الخالية" يوم 7 أكتوبر 1957، حيث كان أول عرض للفيلم بسينما ريتس بالقاهرة وفريال بالإسكندرية.

وخلال الفيلم، كان صلاح (حليم) يغني الأغنية حزناً على فراق سميحة (لبنى عبد العزيز).

أبو عيون جريئة (قولوله)

في 17 أبريل 1958 أقيم حفل كبير بنادي الضباط بالزمالك في القاهرة، احتفالاً بقيام الجمهورية العربية المتحدة (اتحاد مصر وسوريا)، وفي الحفل قدم حليم "أبو عيون جريئة" لأول مرة، قبل العرض الأول لفيلم "شارع الحب" الذي كان يوم 13 أكتوبر 1958، بسينما ريتس بالقاهرة وراديو بالإسكندرية.

ورغم أن معاني الأغنية غزلية من الدرجة الأولى، إلا أن سياق تقديمها في فيلم "شارع الحب" لم يكن غزلياً بالمرة، لكنه كان مبهراً على المستوى البصري.

الليالي (كل كلمة حب)

في فيلم "شارع الحب" أيضاً قدمت "الليالي"، إلا أن ذلك لم يكن أول عرض لها، فقد غناها حليم يوم 4 يوليو 1958، في حفل لإذاعة صوت العرب بدار سينما قصر النيل في القاهرة، بمناسبة العيد الخامس لتأسيس الإذاعة.

ولكن في الفيلم، شاهد الجمهور كيف أن عبد المنعم صبري (حليم) غناها وهو حزين، متأثراً بوشاية أثرت على نظرته لحبيبته كريمة (صباح)، التي كان قد أعد الأغنية من أجلها.

نعم يا حبيبي نعم

رغم أن الأغنية كانت master seen نهاية فيلم "شارع الحب"، وكانت موظفة درامياً بشكل جعلها جزءاً من الحبكة الدرامية ذاتها، إلا أن الأغنية كانت بالفعل موجودة بالأسواق، ويستمع إليها الجمهور قبل طرح الفيلم بشهور، فقد طرحت الأغنية على أسطوانة لشركة كايروفون بتاريخ 30 مايو 1958، أي قبل عرض الفيلم بحوالي 5 أشهر.

بتلوموني ليه

أغنية "بتلوموني ليه" وظفت درامياً في فيلم "حكاية حب" بشكل جعلها من أيقونات العشق في مجتمعنا، حيث زادت معانيها التهاباً بوجود مريم فخر الدين في مشهد غناء حليم لها أمام البحر في الإسكندرية

الأغنية وظفت درامياً في فيلم "حكاية حب" بشكل جعلها من أيقونات العشق في مجتمعنا، حيث زادت معانيها التهاباً بوجود مريم فخر الدين في مشهد غناء حليم لها أمام البحر في الإسكندرية، فانطبعت هذه المعاني الغزلية: "لو شفتم عينيه حلوين قد إيه"، و"الشعر الحرير على الخدود يهفهف" على مريم، إحدى جميلات السينما المصرية بلا جدال.

 إلا أن جمهور عبد الحليم لم يسمع جديداً حين غناها في الفيلم، الذي كان عرضه الأول يوم 6 أبريل 1959 بسينما ريتس بالقاهرة وريو بالإسكندرية، لأن عبد الحليم كان قد غناها خلال عدد من الحفلات قبل الفيلم، ومنها حفل دار الأوبرا المصرية بمناسبة عيد النصر يوم 23 ديسمبر 1958، وحفل يوم 24 فبراير 1959 في صالة الاحتفالات الكبرى بدار الهلال.

بعد إيه (يوم من عمري)

الأغنية التي غناها صلاح (عبد الحليم) في فيلم "يوم من عمري" حزناً على فراق نادية (زبيدة ثروت)، لم تكن جديدة على الجمهور حين عرض الفيلم في سينما ديانا بالقاهرة وريو بالإسكندرية يوم 16 مارس 1961، حيث كان العندليب قد غناها لأول مرة في حفل عيد الطيران بجامعة القاهرة في 7 نوفمبر 1960، وكذلك غناها بالمسرح القومي في الخرطوم احتفالاً بعيد الثورة السودانية في 27 نوفمبر 1960.

أحبك

الأغنية التي تغزل بها إبراهيم فريد (حليم) بسهير (شادية) خلال فيلم "معبودة الجماهير" الذي عُرض لأول مرة يوم 9 يناير 1967 بسينما ريفولي وروكسي بالقاهرة، وراديو وستراند بالإسكندرية، كان قد طرحها على أسطوانات في 31 أكتوبر 1964، وغناها بأكثر من حفل، منها الذي أقيم يوم 17 يناير 1966 في ملعب الزقازيق، الذي نظمته محافظة الشرقية لتخصيص إيراده لصالح دعم طلاب المعاهد العليا والجامعات بالمحافظة، كما غناها أيضاً في حفل زفاف منى ابنة الرئيس جمال عبد الناصر يوم 7 يوليو 1966.

عبد الحليم يغني في أفلام لم يمثل بها         

الأفلام التي غنى بها عبد الحليم دون أن يمثل بها، كان أغلبها في مراحله الأولى بحثا عن الانتشار والشهرة، وهي كالتالي:

4 أغنيات في "علاء الدين والمصباح السحري"

الفيلم أنتج في الولايات المتحدة تحت اسم "ألف ليلة وليلة" عام 1945، من إخراج ألفريد جرين، إلا أنه عُرض في مصر مدبلجاً إلى العربية بسينما أوبرا القاهرة في 13 أبريل 1953، بحسب موسوعة عمرو فتحي، إلا أن هناك مصادر أخرى تقول إنه كان عام 1951.

 وغنّى حليم في النسخة المدبلجة: "يلا قوام"، "ياريت هنانا يدوم"، "اوعى تآمن للستات"، و"ليه تخبي هواك".

أغنية "أحبك" التي تغزل بها إبراهيم فريد (حليم) بسهير (شادية) خلال فيلم "معبودة الجماهير" غناها عبد الحليم في حفل زفاف منى ابنة الرئيس جمال عبد الناصر

فيلم "بعد الوداع" وأغنية "ليه تحسب الأيام"

في الفيلم الذي كتبه محمد كامل حسن وأخرجه أحمد ضياء الدين، ومن بطولة فاتن حمامة وعماد حمدي، وعرض يوم 30 مارس 1952، بسينما الكورسال في القاهرة، غنى به حليم أغنية "ليه تحسب الأيام".

"بائعة الخبز" وأغنية "أنا أهواك"

بالاشتراك مع برلنتي حسن، غنى حليم "أنا أهواك" وعرضت في فيلم "بائعة الخبز"، الذي أخرجه حسن الإمام وكتبه السيد بدير بالتعاون مع حسن الإمام، وعُرض الفيلم في 24 أغسطس 1953 بسينما الكورسال ولوكس بالقاهرة، وفريال بالإسكندرية، بحسب موسوعة عمرو فتحي، إلا أن هناك مصادر أخرى تقول إنه عرض في 1 يناير 1953.

"المال والبنون" وأغنية "خلي توكالك على مولاك"

الفيلم الذي أخرجه إبراهيم عمارة، وكتبه محمد مصطفى سامي وعرض بسينما الكورسال بالقاهرة في 18 يناير 1954، غنى به عبد الحليم أغنية "خلي توكالك على مولاك".

فجر وأغنية "لو كنت يوم على قلبي تهون"

الفيلم الذي أخرجه عاطف سالم وكتبه نيروز عبد الملك وعرض في سينما أوبرا القاهرة يوم 18 يناير 1955، بحسب عمرو فتحي، غنى خلاله عبد الحليم أغنية "لو كنت يوم على قلبي تهون".

كانت الأغنية هي الهم الأول والأخير لحليم، سواء في بداياته أو حتى وهو في قمة نجوميته، فهو مطرب أولاً وأخيراً، والتمثيل بالنسبة له يأتي في مرحلة لاحقة، بل كان وسيلة لخدمة أغانيه

ويرجع الناقد طارق الشناوي تاريخ الاتفاق على العمل إلى أواخر عام 1953، وينقل عن الموسيقار كمال الطويل، أن حليم كان يفترض أن يظهر بصورته في الفيلم، ولكن المنتجة ماري كويني رفضت واكتفت بغنائه فقط، لأن وجهه ليس "فوتوجونيك"، أي لن يظهر بشكل جيد أمام الكاميرا، وهو أمر أثّر في نفس حليم، وجعله يرفض بعد ذلك عرضاً سخياً صحبه إلحاح من ماري كويني لإنتاج فيلم له، ثأراً لكرامته.

أدهم الشرقاوي

كل ما سبق من أفلام كانت في بدايات عبد الحليم التي كان خلالها يبحث عن الانتشار، ولكن الملاحظ أنه اشترك في فيلم "أدهم الشرقاوي" الذي عرض في 13 أبريل 1964، بصوته فقط رغم أنه كان نجماً وقتها، حيث قدم مجموعة من الأغنيات أعدت خصيصاً للفيلم.

قاهر الظلام

كذلك شارك عبد الحليم بأغنياته فقط دون أن يمثل في مسلسل "قاهر الظلام" الذي أذيع بالإذاعة المصرية في نوفمبر 1973، والذي كان يحكي سيرة حياة الدكتور طه حسين، حيث غنى خلاله: "فيه ناس بتخلق من الألم قوة"، "يا مركبي سيري" و"والله ما أقول الآه".

وهكذا كانت الأغنية هي الهم الأول والأخير لحليم، سواء في بداياته أو حتى وهو في قمة نجوميته، فهو مطرب أولاً وأخيراً، والتمثيل بالنسبة له يأتي في مرحلة لاحقة، بل كان وسيلة لخدمة الأغنية، فقد كان يُعرّف نفسه دائماً كمطرب قبل أي شيء، حسبما قال في أكثر من لقاء إذاعي وتلفزيوني، رغم ما أشيع عن أنه كان سيقدم فيلم "لا" عن رواية الكاتب مصطفى أمين، دون أن يغني خلاله، ولكنه توفي ولم يمثل الفيلم، ولا نعلم هل كان سيوافق فعلاً أن يمثل دون أن يغني خلاله أم لا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard