"هل كل شيء على ما يرام يا أمي؟"... حِيل ووصايا مغربيات لاصطياد "الرّاجل"

الأربعاء 1 سبتمبر 202106:32 م

بقوامها الرشيق، وملامحها الرقيقة، وقفت أمام المرآة لوضع اللمسات الأخيرة من الزينة على وجنتيها وتحت جفونها ورموشها، ثم هزت برأسها يمنة ويسرة، فانتشر الشعر مرفرفاً كمروحة، ثم تركته لكي يعود إلى مكانه ويستقر على كتفيها.

فعلت ذلك ثلاث مرات قبل أن تطمئن إلى ما فعلت بشعرها.

التفتت إلى أمها ثوريا، تسكن في الدار البيضاء بالمغرب، وعلى وجهها ابتسامة خجلى خاطفة، قائلة: "هل كل شيء على ما يرام يا أمي؟".

"كوني الأحلى"

في نظر الأم ثوريا يعتبر موسم الأعراس وحفلات الزواج في المغرب فرصة للفتيات العازبات للفوز بالعريس المناسب، وهن يحرصن على استعراض أنفسهن من قوام وجمال وحلي وقفاطين راقية ليظهرن في أبهى حللهن.

هكذا كانت ترغب ثوريا أن تكون ابنتها الوحيدة ذات 27 عاماً في أبهى وأرقى مظهر قبل خروجهما وتوجههما إلى عرس قريبتهما.

لم تتأخر الأم في مساعدة ابنتها، بل قامت بنفسها بالاطمئنان على مظهرها، وترتيب قفطانها المرصع بالأحجار، بدت فيه كالأميرة التي تنتظر فارس أحلامها.

رشت الفتاة العطر على عنقها، وبدت على وجه الأم علامات الرضا، ومن عينيها يشع بريق اللهفة، كأن هناك دعوة ما، أو كلاماً ما.

"تربي الأم ابنتها على أن تكون حادكة، بمعنى امرأة ناجحة في شغل البيت والمطبخ، وذلك لتلبية رغبة بطن الرجل"

قبل دخولهما قاعة العرس، حرصت الأم وابنتها على الجلوس إلى طاولة واحدة مع الشخصيات الراقية، وربط علاقات اجتماعية داخل العرس، كما تقول الأم، من أجل الظفر بعريس لابنتها، طوال طريقهما إلى العرس حرصت الأم على توصية ابنتها على أن تكون واثقة من مشيتها داخل القاعة، ورزينة في رقصتها وجلستها وأحاديثها حتى تكون محط إعجاب الآخرين.

تقول الأم، معبرة عن قيم ذكورية نشأت عليها، لرصيف22: "لا عيب في أن تعرض الأم ابنتها في مثل هذه المناسبات في أبهى حلة، ولا عيب في أن تحرص على أن تكون فتاتها بمظهر أنيق يثير الإعجاب، وأن تكون للأم نية مضمرة في البحث عن عريس لابنتها".

كانت الأم واثقة من كلامها وتعرف جيداً ما تريد، مضيفة: "غالبية الأمهات هنا لا يمانعن في أن يكون هذا العرس فرصة لبناتهن، وهذا أمر عادي وطبيعي، لأننا في هذه المناسبات نربط علاقات جديدة، نتبادل فيها أطراف الحديث مع عائلات أخرى من مستويات اجتماعية مختلفة".

تداعت إلى ذهني العادات الغريبة التي طالما سمعنا عنها، نحن بنات الدار البيضاء، ولا تزال منتشرة في الكثير من المدن والقرى، بعض العادات والطقوس الغريبة والعجيبة، التي تقدم عليها الأمهات والبنات بغية تحقيق حلم الزواج.

ارتداء الفتيات حذاء العروس للحاق بها سريعاً، أو الطلب من العروس بأن تعطي للفتاة قطعة سكر، أو عضها في أذنها، أو تسابق الفتيات للجلوس في مكانها، وفي بعض العائلات الراقية تلجأ الكثيرات منهن إلى تجميع باقة الأزهار التي تلقيها العروس، في تقليد غربي بات محلياً بامتياز.

كل تلك الكلمات، والتداعيات دفعتني إلى التساؤل: هل لا يزال الزواج هو الفكرة المهيمنة على الأنشطة الاجتماعية، والنقاشات، بين الأمهات في المغرب وبناتهن؟

"الحادكة" وبطن الرجل

"بالرغم من أن الثقافة المغربية غنية ومتنوعة، فهذا لا يعني أن قسماً كبيراً من المجتمع تحرر من النزعة الذكورية، إذ لا يزال الذكر هو المهيمن والمسيطر، ونرى في تلك الثقافة أن المرأة تبذل مجهوداً كبيراً إرضاءً لهذا الذكر، وإرضاءً لهذا المجتمع"، يقول فؤاد بلمير، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع.

ويضيف: "لا نزال نرى في مجموعة من المناطق شغل الأمهات الشاغل أن تظفر فتاتها أو فتياتها بالعريس المناسب، تبذل كل جهدها لتهيئ بناتها في سن مبكرة لصنع الأطباق المغربية الأصيلة، مثل الكسكس والرفيسة، ما يجعل منها امرأة "حادكة"، بمعنى امرأة ناجحة في شغل البيت والمطبخ، وذلك لتلبية رغبة بطن الرجل، ثم تعلمها كيف تستقبل الضيوف، وتصطحبها في الكثير من المناسبات التي تكون فيها العائلات مختلطة".

ويتابع لرصيف22: "في بعض مناطق المغرب كمنطقة الأطلس، تعلم الأمهات بناتهن نوعاً من الرقصات منذ صغرهن على أساس أن تلك الرقصات سيكون لها تأثير على العلاقات الحميمية لتلك الفتاة في حياتها الزوجية. وفي مناطق أخرى في بعض المناسبات مثل ليلة السابع والعشرين من رمضان، نرى كيف تزين بعض الأمهات طفلاتهن بزينة العروس من مكياج وهندام وجلوسهن على زفة العروس. هذه الظاهرة أيضاً نجدها في الحمامات، إذ تصطحب الأم ابنتها إلى الحمام الشعبي حيث توجد النساء الخاطبات، اللواتي يلاحظن قوام الفتاة لاختيارها للزواج، إذن مسألة الزواج مطروحة بشكل ملح في المجتمع لدرجة أن كلمة "بايرة" أو عانس تتداول بالرغم من التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، لكن هناك فئة كبيرة من المغاربة لا يزال يسيطر عليها هذا الفكر الذكوري الذي يرى أن المرأة ناقصة دون رجل".

"عريسها في المسجد"

لم يعد الأمر يقتصر اليوم فقط على اصطحاب الأمهات لبناتهن إلى مناسبات الأفراح والتجمعات العائلية، أو الحمامات الشعبية، بنية الظفر بالعريس المناسب، بل تجاوز ذلك إلى اصطحابهن للمساجد، عند صلاة الجمعة، أو صلاة التراويح في الليالي الرمضانية لنيل إعجاب الخاطبات والظفر بـ"ذات الدين" لابنها أو أخيها الراغب في الزواج، على حد تعبير المفردات الدينية.

أم هاجر، تبدو امرأة أنيقة في الخمسين من عمرها، كانت ترتدي عباءة سوداء طويلة يعلوها حجاب، وهي تصطحب ابنتها ذات 29 ربيعاً، لصلاة الجمعة، وصلاة التراويح في رمضان، ولحضور حلقات التفسير وحفظ القرآن. تقول لرصيف22: "كانت النساء يعجبن بلباسها المحتشم، وبمواظبتها على الصلاة، ما كان يجعلها فتاة متدينة، ومحتشمة".

"وجدت ابنتي عريسها في المسجد"

وتتابع: "وجدت عريسها بعدما كنت أصطحبها معي لسنوات إلى المسجد، وكنت أوصيها بضرورة التودد إلى العجائز والخاطبات، ما جعلها محط إعجاب إحدى النساء التي تقدمت لخطبة ابنتي، بعد أن كلفت إحداهن من التقرب إلينا وجمع المعلومات لخطبتها، هكذا وجدت ابنتي عريسها في المسجد".

ولا تزال تقاليد الإغواء في سياقها الذكوري تحاصر العديد من النساء في الأسر المغربية، أياً كان مستوى تحرر الأسرة من التقاليد، إلى الدرجة التي قد تتساءل فيها المرأة: أين المفر؟

وقد استغل المخرج السينمائي المغربي محمد الشريف الطريبق تلك الأجواء النسائية، ونزعة الإغواء الجنسي لدى المرأة في فيلم "أفراح صغيرة"، إنتاج عام 2015، رغم أن الأحداث تتم في خمسينيات القرن العشرين، إذ لا تجد المرأة غير المتزوجة متنفساً للحب والجنس سوى في هذا الإطار، إغواء الذكر الأعزب للزواج وفق قواعد يحدد هو شروطها، حتى في علاقة مثلية بين صديقتين، تقرر إحداها الزواج، بينما الأخرى تكتفي بغضب لا مرئي، شعرت وأنا أشاهدها أنها لا تجسد تلك الفتاة المثلية، وإنما كل امرأة مغربية تسعى للجمع بين كيانها الإنساني المستقل، ونزعاتها في الإغواء والظفر بالشريك الدائم (الزوج)، أو العابر (الصديق والحبيب).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard