جدّة تشرب الشاي على المصطبة وشباب يحشّشون في الزريبة… مُتع القرية

الاثنين 8 نوفمبر 202101:05 م

على مصطبة باب منزلها تجلس الجدة السبعينية، كريمة، لتبدأ سيمفونيتها المسائية المتكررة: "اقعد على الأرض يا ولا (ولد)" و "تعالي هنا يا بِه (بنت)"، ثم تصمت لترتشف الشاي الثقيل الذي أعدَته لها إحدى زوجات أبنائها الستة المقيمين معها في المنزل ذاته، ثم تعاود وصلتها من جديد.

هكذا تمضي كريمة ليلها.

الجدة كريمة، المقيمة في قرية أسريجة التابعة لمركز أشمون في محافظة المنوفية، تعتبر أن "قعدة المصطبة قدام الدار بتاعتها" هي تسليتها الوحيدة. فقبل سنوات عدة كانت تقضي نهارها في مزرعتها "الغيط" لرعي الماشية ومتابعة المحصول، وفي المساء تعقد جلسات السمر، فالحكايا هي السبيل المتاح لتمضية الوقت في الماضي.

الآن، على الرغم من مظاهر المدنية التي طالت الريف المصري، والاختفاء التدريجي لـ"الغِيطان" كأبرز مُتنفسات الاستمتاع بعموم الأرياف، تبقى بضعة أمور ثابتة في الترفيه والترويح عن النفس، أهمها الجلوس أمام المنزل، وتبادل أطراف الحديث مع المارة، فكلمة من هنا وجملة من هناك مع "عزومة" شاي، ولربما طعام في بعض الأحيان، تجعل الحياة الريفية ممتعة وحميمية لأهلها، وكذلك لزائريها من العاصمة.

التلفزيون والنميمة

هدى (45 عاماً) زوجة وأم لخمسة أطفال، مقيمة في القرية ذاتها، تقول لرصيف22: "الحياة في الريف ليست كما يعتقد أهل البندر (المدينة) مملة، ودون جدوى، بل على العكس". وتتذكر زيارتها إلى أقاربها في القاهرة، فلقد أثرت فيها كثيراً، ودفعتها للتمسك بالسكن في قريتها، إذ تضايقت كثيراً من الزحام والضوضاء وانشغال جميع أفراد العائلة بأمورهم الخاصة.

"الناس في قريتنا أبطال رواية مكررة، من السهل معرفة ماضيهم، والتنبؤ بمستقبلهم، فالذي كان يستحم في الترعة "المحرمة" صغيراً، هو من يحشّش كبيراً"

وعقدت مقارنة بين القاهرة وقريتها، يبدأ يومها الريفي مبكراً، تُوقِظ زوجها الخامسة فجراً ليلحق بعمله كسائق أجرة من المنوفية إلى القاهرة، ثم تهتم بأطفالها وإطعامهم ونظافتهم، وفي حال الدراسة تٌجهّزهم للذهاب إلى المدرسة.

وعن تسليتها تقول: "الآن بات التلفزيون في كافة المنازل، وهو وسيلة جيدة للمتعة بالنسبة لي، كما أني ألتقي سلفاتي (زوجات إخوة الزوج) حيث أعيش في منزل كبير يجمع أربع إخوة وزوجاتهم، ونتبادل أطراف الحديث".

إذاعة القرآن الكريم

على عكس هدى، لا تؤمن عطيات، سيتينة ريفية، بوسائل الترفيه الحديثة من تلفاز وموبايل وغيرهما، فقد قضت عمرها في الريف. قبل سنوات طويلة أهدى إليها أحد الأقارب راديو صغيراً لتسليتها، وطلبت منه أن يضبط موجاته على إذاعة القرآن الكريم ففعل، واستمرت الإبرة على الموجة نفسها حوالى عشرين عاماً، لافتة إلى أن الراديو تسليتها الممتعة لما يحمله من نفحات روحانية. تقول إنها لا تشعر بوجود وقت فراغ لديها، فهي تربّي الطيور لتبيعها أو تبيع ما تنتجه من بيض، وهو عملها الأساسي.

باب منزل عطيات لا يزال مفتوحاً، وهذه عادة كبار السن في الريف، فمن أراد أن يدخل يدخل، حتى في ساعات النوم، وتنتظر أحياناً لتمتلئ الدار بصديقاتها، ليتبادلن أحاديث "النميمية" المحببة إلى قلبها، تقول هذا وهي تضحك.

كرة قدم وحشيش

على عكس الأجيال الأكبر سناً، لدى محمود (32 عاماً) منافذ ترفيهية عديدة، أبرزها مراكز الشباب أو ما يُعرف بـ"النوادي الرياضية"، مثل مركز شباب كفر القرنين التابع لقرية "أسريجة"، والذي يذهب إليه للعب كرة القدم أو السلة.

وفي المساء تكون النارجيلة أو الشيشة حاضرة لتعوّض غياب نظيرتها العتيقة "الجوزة"، النسخة الأقدم من النارجيلة، وهي عبارة عن قنينة زجاجية متصلة بعود خشبي، وفوقها يوضع التنباك المعسل.

راهناً، عرف محمود النكهات الحديثة لـ"المعسل"، المكوّنة من الفواكه، وهو أمر يجده ممتعاً ولذيذاً في آن واحد.

أما محمد (31 عاماً)، يسكن في القاهرة وينحدر من قرية ريفية تابعة هي الأخرى لمحافظة المنوفية، فيقول لرصيف22 إن وسائل التسلية في الريف تتسم بالبساطة والسهولة، وتعتمد على التجمعات المسائية للشباب في منزل أحدهم لتبادل الأحاديث والنكات، وتناول أطعمة بسيطة، فضلاً عن جلسات "شواء الذرة" في ليالي الشتاء الباردة.

جلسات سمر لا تخلو من تدخين الحشيش.

ويجتمع محمد مع أصدقائه في جلسات سمر لا تخلو من تدخين الحشيش، إذ يلجأون إلى "جمعيات"، يجمعون بعض المال من كل شخص لجلبه وتشاطره في تلك الجلسات.

ويختار الشباب في الريف الأماكن المنعزلة، فمن لديه منزل مكون من عدة طوابق، عادة في الطابق الذي تخلو منه العائلة، وأحياناً في الزريبة (مكان تجمع الماشية) حيث يحظون بخصوصية، ويوقدون المشعل طلباً للدفء في الشتاء.

في تلك الجلسات، ولأن القرية يعرف الجميع فيها الجميع، يتبسط الشباب في جلسات الشرب، بمشاركة الكبار أحياناً.

ولكن ما يفتقده محمد في الريف هو الجلسات المختلطة، والعلاقات الحرة الأقل خطراً ومخاطرة في القاهرة مقارنة بالأرياف.

في الغالب، يستطيع المعمرون التنبؤ بمستقبل سلوكيات كل طفل، بحسب محمد، فالأطفال الذين يميلون إلى المغامرات وكسر المحظورات، مثل السرقة من أحد حقول الفاكهة، أو الاستحمام في مكان يحظر فيه الاستحمام في إحدى الترع (قنوات مائية)، عندما يدخلون مرحلة الشباب تتغير مغامراتهم، وتقتصر على شرب الحشيش وبعض "المزة" الرخيصة، مثل قطع البسكويت أو الحلويات الرديئة، وتحدث بعض المنازعات من تأثير الشرب.

وبسبب سوء الأحوال الاقتصادية في الريف، يلجأ بعضهم، مثل صديقه سيد، إلى بيع ذهب زوجته لينفقها على جلسات الشرب، أو أدهم، صديق آخر الذي اضطر لبيع بعض أثاث منزله.

يقول محمد، الذي يهوى قراءة الروايات ويعمل في تحرير المواد الإعلامية والإعلانية المصورة: "هناك تشعر أن الناس أبطال رواية واحدة، مكررة عبر أجيال، ولو مكثت هناك لن يصعب عليك التنبؤ بأحوالك وأحوال البقية".

البنات والسوشال ميديا

بعيداً عن عالم الكبار، يبدو أن الأجيال الأصغر عمراً وجدت في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تعويضاً كبيراً، خاصة مع قيود الحركة المفروضة على النساء، مثل إيمان (20 عاماً)، التي تقضي نهارها وليلها مُمسكة بهاتفها، تقول: "باحمد ربنا إنهم اخترعوا النت والفيسبوك، معرفش كنت هعيش إزاي من غيرهم؟".

لا تشعر إيمان بالوقت ولا بالملل مع هاتف جيد، وشبكة إنترنت قوية، وتقسم يومها بين تتبع "اللايكات" و"الترندات". وتستنكر الصورة النمطية التي السائدة رغم التغير الكبير الذي لحقها، ومفادها أن "الريف محصور في الجهل والتخلف" بحسب تعبيرها، فهي، مثل صديقاتها، تتابع أحدث صيحات الموضة، بما يتناسب مع الذوق المحافظ، والسوشال ميديا بتطبيقاتها المختلفة، مثل: "إنستغرام" و"تيك توك"، وترغب دوماً في تجربة "التقاليع" التي تراها منتشرة، ولكن نظراً لظروف نشأتها الريفية، وما تراه "سوء حظها"، لا تتمكن من ذلك.

التجمعات العائلية

يحرص كثيرون في الريف على السفر إلى الخارج، فنادراً ما تجد عائلة لم يسافر الكثير من أفرادها إلى أوروبا، وهم الأقل تعليماً، أو إلى الخليج، وهم الأكثر تعليماً، وذلك منذ عصر الانفتاح في ثمانينيات القرن المنصرم، ومع تعاقب الأجيال بدأت تظهر مقاه ومطاعم تجتذب عائلات لتلك الشريحة وغيرها من ميسوري الحال.

يقول عصام، (55 عاماً)، رب أسرة، لرصيف22 إنه يذهب مع أسرته بين وقت وآخر في نزهات لتناول الطعام خارجاً، ثم الحصول على مشروبات جيدة في "كافيتيريا" فُتحت حديثاً في قرية مجاورة لقريته.

يعرب عصام عن سعادته بهذه المظاهر الحديثة، إذ يعتبرها تقدماً بخلاف الزمن الماضي الذي لم تكن فيه أي وسيلة ترفيهية، سوى الجلوس في "الغيط"، نهاراً لرعي الماشية أو ليلاً للتسلية وتبادل الأحاديث.

يتذكر عصام أنه في الماضي، حين كان يرغب في "خروجة حلوة"، يضطر إلى الذهاب للقاهرة ليستمتع بالمطاعم والكافيتيريات.

يختار الشباب لجلسات الحشيش الطابق الذي تخلو منه العائلة، وأحياناً يفضلون الزريبة، حيث يحظون بخصوصية، لتنطلق الضحكات و"القفشات"

أما علا وزوجها سمبل فلهما قصة مختلفة. فالزوج الثلاثيني كان يعمل سابقاً في "الغيط"، حيث الفلاحة والزرع وجني المحصول، ومع الاختلاف الحاصل على جغرافية الريف، وقلة العمل بالغيطان، وتحوّل البيوت من بنائها بالطوب اللبن و"الجِلّة" إلى الأسمنت "المُسلح"، اضطر زوجها لمواكبة التغييرات وبات يستخدم حماره في نقل معدات البناء إلى مقر البيوت التي ينوي مُلاكها بناءها. تقول علا إنها تشعر بملل كبير، فهي لا تعمل، وزوجها دوماً خارج المنزل. وعن متعتها تقول لا يوجد سوى التلفزيون، وتنهي حديثها متنهدة: "بالطبع الحياة مملة جداً، ولا أجد ما يؤنس وحدتي".

أعادتني هذه الأحاديث إلى طفولتي ومراهقتي في قريتي "أسريجة"، التي كنت أذهب إليها في صيف كل عام، في موعد محدد مع جميع أقاربي القاطنين في القاهرة، فنلتقي كلنا في ألطف التجمعات العائلية، ولم تكن هناك وسائل ترفيهية سواها، فنتبادل أطراف الحديث، والاستمتاع بمظاهر الريف الأصيلة من أراضٍ زراعية إلى "توصيلة ركوب الحمير"، ونزول الشباب إلى مياه النيل...

مع مرور السنوات تبدلت تلك المظاهر شيئاً فشيئاً إلا أن جاذبيتها لم تختلف.

تذكرت خوفي الشديد من المقابر التي كانت مظلمة حد الرعب، ولاحظت كيف أصبحت الأنوار تضيء القرية بأكملها، وتذكرت أيضاً رائحة المنازل، إذ كنت أعشق رائحة البيوت الريفية المبنيّة من الطوب. أما اليوم فباتت البيوت مبنيّة بالأسمنت وبلا رائحة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard