تثبيت مشهد القرية المصرية قبل التشويه الوهّابي والعولمي... "طباطيب العِبر"

الثلاثاء 5 أكتوبر 202103:01 م

من أوديسيوس إلى أمين بك، تصطفي الكوارث الكبرى شخصاً واحداً، ينهض من رماد التراجيديا، ليروي الحكاية، ولولاه لطويت ونسيت، فالموت لا يردّ أحداً ليحكي. أوديسيوس قضى في التيه عشرين عاماً، وعاد إلى بينلوبي الوفية، فأتاح لهوميروس كتابة الملحمة، وأمين بك الألفي كان الناجي الوحيد من مذبحة المماليك، عام 1811، وتمكن من الفرار إلى الشام. وما يخص البشر ينطبق على المجتمعات، في مرورها بطفرات تنسف نهائياً ملامح مرحلة، بعلاقاتها الاجتماعية وأنساق الإنتاج وأدواته ومفرداته التي لا تعني شيئاً لجيل جديد لا يعرف هذه الأدوات؛ فلا تدل ألفاظها على مدلولات. وكانت القرية المصرية معرّضة لهذا المصير، لولا كتاب "طباطيب العِبر" لأسامة الرحيمي.

"طباطيب العِبر" (510 صفحات) جدارية باهرة لتحولات الريف المصري؛ كتاب محيّر، لا يهم تصنيفه، ولا أظن مؤلفه اهتم بهذا التصنيف وهو يستدعي من ذاكرة حديدية تفاصيل مضيئة، سمعها أو شاهدها أو كان طرفاً فيها. غزل هذا كله في نسغ إنساني، فائض محبة، لا يسعى إلى استعراض معرفة، ولا يصف ظاهرة من خارجها، وإنما يحنو على مستضعفين نبلاء ظلمهم زمانهم، وعاشوا معاناة متصلة. وحين ردّت ثورة 1952 آدميتهم، ظل البعض أسير ماضيه. وقد أعاد ناجون من القهر إنتاجه في العهد الجديد. وجاءت كتابة أسامة الرحيمي من تحت الجلد، بدفء الدم، لا عين المستشرق التي أغرقتنا بروايات وأفلام تغازل الآخر بالفضح والتعالي.

هناك كتب لا تحتاج إلى تقادم العهد لاكتشاف أهميتها، وهذا الكتاب كنز لباحثي الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع الريفي. ولا تحظى تحولات الريف المصري بما تستحق من دراسات، ولعل الكتاب يثير غيرة باحثين وكتاب، ويحثّهم على توثيق أطراف من هذه التحولات ودراستها. لي تجربة مضنية، قبل عشرين عاماً وأنا أحضّر لكتابة روايتي "أول النهار"، في أجواء النصف الثاني من القرن الثامن عشر. بحثت عن مصادر ومراجع عن تلك الفترة، فلم أجد أكثر مما ذكره مؤرخو السلاطين بالقاهرة، وعند الجبرتي شذرات لا تُغني، وعثرت على كتاب واحد هو "الريف المصري في القرن الثامن عشر" للدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم.

أُخطئ في عنوان الكتاب فأجعله "طباطيب العُمر"، والمؤلف أراده "طباطيب العِبر". في المعجم الوسيط: "طبطبَ" تعني تلاطمَ واضطرب، والطبطبة صوت الماء وغيره. يضيق المعجم بمعنى دلالي يتجاوز أفقاً محدوداً لمعجميين لم "يطبطب" عليهم أحد، ليشعروا بالمعنى البهيّ لفعل يسري من الأجساد فيهدهد الأرواح، ويمنحها سكينة، وهذا ما قصد المؤلف بإهداء كتابه إلى بسطاء بؤساء كادحين، وإلى عصاميين فائقي الموهبة سحقهم الفقر، وإلى نبلاء خطفهم الموت بعد أمراض نهشت أجسادهم. مضى هؤلاء بلا عزاء، بعد حياة قاسية راهنوا فيها على تعليم أبنائهم، ليعفوهم من الشقاء، والأبناء "تنصلوا منهم بنذالة طبقية تعيسة، مذهلة". وما هذا الكتاب إلا هدهدة وطبطبة على الأرواح النبيلة.

أسامة الرحيمي، الذي لا يملك إلا الكلمة، اعتبر كتابه بمثابة قراءة الفاتحة على أرواحهم، وخصوصاً "التمليّة"، وهم عموم الفلاحين الذين كانوا أشبه بأقنان استهلك الشقاء أعمارهم وعافيتهم

الكتاب الذي أصدرته دار دريم بن في القاهرة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: "فيما جرى لبلدنا وقرانا"، "من طرائف أهالينا البسطاء"، "الشخصيات: وجوه أظهرها الغياب". ويحتل القسم الأول أكثر من نصف حجم كتاب مهموم، لمؤلف له قضية، يستهدف إنصاف المظلومين، والتأكيد على حقهم في العدل الاجتماعي والسياسي والعيش الكريم. أسامة الرحيمي، الذي لا يملك إلا الكلمة، اعتبر كتابه بمثابة قراءة الفاتحة على أرواحهم، وخصوصاً "التمليّة"، وهم عموم الفلاحين الذين كانوا أشبه بأقنان استهلك الشقاء أعمارهم وعافيتهم، في وسايا الإقطاعيين، إلى أن فاجأتهم ثورة يوليو 1952، وقلبت حياتهم، فتملكوا الأرض. ثم سلبتهم ثورة أنور السادات المضادة ما منحهم جمال عبد الناصر إياه.

العنوان الفرعي للكتاب هو "حكايات أدبية من الدراكسة"، والدراكسة قرية المؤلف، وفيها مثل غيرها من القرى المصرية اُستعبد الفلاحون قبل عام 1952. وبالقرب من الدراكسة قرية "إخطاب" التي نشأ فيها الشاعر نجيب سرور، وعنها كتب عام 1956، قبل تخرجه، قصيدته "الحذاء" وفيها يقول:

أنا ابن الشقاء

ربيب الزريبة والمصطبة

وفي قريتي كلهم أشقياء

وفي قـريتي عمدة كالإله

يحيط بأعناقنا كالقــدر

بأرزاقنا

بما تحتنا من حقول حبالى

يلدن الحياة

وذاك المساء

أتانا الخفير ونادى أبي

بأمر الإلـه! ولبّى أبي

وأبهجني أن يقال الإله

تنازل حتى ليدعو أبي!

إلا أن المهانة التي يتقاها الأب صامتاً، تورث الصبي غضباً وثورة، ولم يقتنع بقول أبيه:

"بنيّ... كذا يفعل الأغنياء بكل القرى"!

كرهت الإله...

تعلمت من يومها ثـورتي.

منذ اكتشاف الزراعة، عُرف المصري بأنه "فلاح قراريّ"، أرضه عرضه، وهو قارٌّ لا يغادرها إلا مكرها، ولفترة قصيرة تتحدد بالحج أو بتجنيد ارتبطت بداياته بشيء من العبودية. كانت غربة "سنوحي" ذات شجون، ولم تعرف مصر هجرات جماعية أو فردية على الرغم من وقوعها في غزو متصل بلغ 23 قرناً، وما شهدته من مجاعات وأوبئة، راهن الفلاح "القراريّ" على الزمن في كشف الغمة. وحين ابتعث مدرسون وأطباء إلى إمارات الخليج كان ذلك التزام دولة، وقد أنهوا مهامهم وعادوا ولم يعانوا استلاباً ذهنياً اجتاح، في السبعينيات وما بعدها، هاربين من السعار االساداتي، ثم عادوا من الحجاز مبشرين بفتح مصر، ونشر فقه البداوة.

قضت ثورة 1952 على ظاهرة عمال التراحيل، وعلى "تملّية" في أدنى السلّم الاجتماعي، توكل إليهم أعمال شاقة ومهينة في زرائب المواشي وفي الغيطان، ويتحايلون للحصول على أقواتهم من الزراعات أو ضروع المواشي، وإذا ضبط أحدهم بسرقة ما يسدّ رمقه "جُرّس"، وجُلد بلا رحمة. وتشهد القرى وأحزمة الفقر في ضواحي المدن حالياً "التملية الجدد"، وبعضهم متعلمون تتبدد أعمارهم في انتظار فرصة تزيل مهانة البطالة. لا يهين القادر على العمل أكثر من البطالة. الثورة منحت الفقراء عدالة اجتماعية قبل تنمية الوعي، وتربية الضمير، فاستأسد البعض على الضعفاء، ومنهم الخادمة "نعمت". مارسوا عليها سادية جماعية ختمت سبعين عاماً من الشقاء بما يشبه القتل.

زهو الفلاحين بالتملك خلق معنى المشاركة في العمل، من تمهيد الأرض، حتى الحصاد، فلا يكلفهم ذلك إلا تبادل جهودهم، ويكون جني القطن وعداً بتسديد الديون وتزويج الأبناء. اختفت السواقي تماماً من الريف، كما اختفى القطن وأغانيه الشجية بألسنة نساء يرددنها ابتهاجاً بالخير القادم، وهو رأسمال حقيقي ينتظرونه من السنة إلى السنة. ذلك زمن أخرج من الفلاحين أفضل ما فيهم، وطويت صفحة احتفظت بها أفلام تناولت تلك الفترة. وباختفاء السواقي انتهى عصر التشارك والسهر، انتظاراً لوصول مياه الري في أي وقت من الليل، واختفت ضجة العربات الخشبية وما يصحبها من ونَس. والغيطان التي كانت منتديات للمسامرة صارت موحشة، وأماكن للسرقة والجريمة.

جاءت كتابة أسامة الرحيمي من تحت الجلد، بدفء الدم، لا عين المستشرق التي أغرقتنا بروايات وأفلام تغازل الآخر بالفضح والتعالي

زلزال الثورة خلخل الأوضاع الاجتماعية، لكن الوعي المفقود جعل الفقر ماثلا. هذا طبيب أشعة كان أبوه من التملية «العتاة، الذين سحقت الدونية أرواحهم بلا قصد منهم، فاستناموا لا إراديا لظل العبودية في دمائهم»، استفاد الأب من الإصلاح الزراعي، وتمتع ابنه بالتعليم المجاني، وانتهى به الأمر مريضا بمراكمة الأموال والأملاك، ويبخل على امرأة فقيرة بعمل أشعة ثمنها ثلاثة جنيهات، ويطردها من مركزه الطبي أمام الناس، وأمام ابنها الذي كسرت ساقه، وتحتاج إلى تجبير، بالمعنين الطبيعي والنفسي. التخريب الروحي للطبيب الجشع سببه تخلي الثراء والغنى عن المسؤولية الاجتماعية، والنهم في تعلية البينان، وشعور الهارب الطبقي بالدونية، وانتحاله مكانة يظن المال كفيل بها.

ارتكب الغازي الدموي سليم العثماني جريمتين في حق مصر؛ أولاهما عاجلة بترك القاهرة نهباً لجيشه، فقتل في يوم واحد نحو عشرة آلاف مصري. والجريمة الثانية طويلة الأمد بتفريغ مصر من رصيدها الثقافي والفني والمهني. قنص آلافاً من المتخصصين المهرة في أكثر من خمسين حرفة، ورحّلهم إلى إسطنبول، وحملت آلاف الجمال إلى عاصمة الغزاة أبواباً أثرية وشبابيك ومشربيات من المساجد والوكائل والتكايا. وبالانفتاح الاقتصادي ارتكب السادات جريمة شبيهة تنقصها الدماء؛ النزوح الجماعي للفلاحين والحرفيين جرّف البلاد من خبراتها التي شملت صفوة خريجي الجامعات. خلا مجال العمل والأنشطة لخبرات محدودة، غير المجرّبة، وتشوهت العمارة الريفية، وأخرج الانفتاح من الناس أسوأ ما فيهم.

في الكتاب بورتريهات تصلح أفلاماً، مثل تراجيديا الفتى مهران، مصور الرئيس محمد نجيب، وسعد سالم، مدرس الجغرافيا الذي ذاب كبده وهو يقاوم المرض حتى مات، وسعد الرحيمي، شقيق المؤلف، وعبد الرحيم الفنان، ورجل تراوحت حياته بين التنكيل والسجن واضطهاد شرطي وتحقيره له، حتى تمكن الضعيف وقتله؛ انتصار يتيم لإنسان لم يجرب إلا الذلّ، نشوة الظفر بالشرطي الكريه فرحة مسروقة في حياة خلت من السعادة.

سعد الشاعر مات 
أدرك الفلاحون أن عليهم أن يحرثوا الأرض مرات عديدة
لتلتئم جروحهم 
وأدرك الحرفيون فجأة
أن سيف أبي زيد الهلالي سوف يصدأ

ويبقى "سعد الشاعر" عنواناً لوجه القرية القديم. صعود الشاعر طوى صفحة الرواة الكلاسيكيين للسير الشعبية. كان معجباً بنفسه، ويعنى بأناقته، وفي إحيائه لليالي يسلك سلوك كبار النجوم، حين يختارون شخصاً تتجه إليه أبصارهم، ويتوجهون إليه بالخطاب. وكذلك كان سعد الشاعر يختار من الحضور في الساحة أو الشبابيك أو الأسطح أجمل امرأة، ويستلهم ما يراه في مفاتنها، لإيقاظ طاقته وتجديد حيويته، والحضور يستخفهم الطرب بالحكاية والأداء والموسيقى، ويتماهون مع أبي زيد الهلالي، ويرددون في الأيام التالية ما سمعوه، حتى تأتي ليلة جديدة يتجدد فيها اللقاء بالمنشد الساحر.

وتوفي الفنان الشعبي، فكتب الشاعر هشام قشطة قصيدة "سعد الشاعر... مات"، في مديح المتعة التي وهبها لقلوب فلاحين أدمنوا مصاحبة صوته:

سعد الشاعر مات

أدرك الفلاحون أن عليهم أن يحرثوا الأرض مرات عديدة

لتلتئم جروحهم

وأدرك الحرفيون فجأة

أن سيف أبي زيد الهلالي سوف يصدأ

إن لم يشعلوا النيران

وأدرك الموظفون فجأة

أن اليوم أربع وعشرون ساعة

وأدركت البنت الجميلة ـ التي كانت تجلس قبالته فوق السطوح ـ مزهوة بأنوثتها

كم هي دميمة

وأدركتُ أن عليّ أن أصنع ناياً

لأروّض الثعابين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard