الأمراض الاجتماعية... قاتل يزحف من الحضر إلى الريف المصري

الخميس 4 نوفمبر 202109:57 ص

وقف عادل يحيى النوبي الخمسيني ناظراً إلى صورة قديمة تضم ثلاثة أجيال من عائلته الكبيرة، أجداده وأبواه وهو وإخوته وزوجته الوحيدة، بتمعن شديد. نظر إلى الماضي البعيد، وقال: "أربعون عاماً مرّت على التقاطها، أربعون عاماً تبدّلت فيها الحياة تماماً حتى أن النوبيين لم يعودوا كما كانوا، أصابت الأجيال الجديدة أمراض العصر، وسقطت من داخلهم قيم النوبة التي تربينا عليها، تركوا الزراعة وأصابتهم أمراض المدينة الاجتماعية وتخلوا عن نوبيتهم وعلاقتهم بالأرض والنهر"، متسائلاً: "ماذا تبقى لنا؟".

يعيش المصريون على مساحة قدرها 8% من مساحة إجمالية تُقدَّر بنحو مليون كيلومتر مربع. وذكر جهاز الإحصاء المركزي في تموز/ يوليو الماضي أن الكثافة السكانية الكلية ارتفعت من 71.5 نسمة/ كلم مربع في عام 2006 إلى 101.8 نسمة/ كلم مربع خلال العام الجاري.

ويحيل المسؤولون الحكوميون في تصريحاتهم الرسمية إلى الزيادة السكانية مشاكل تدني الخدمات المقدمة من الدولة مثل: التعليم والصحة ومنح المواطنين نصيب كاف من الغذاء، كذلك تدني الثقافة وظهور أمراض اجتماعية ناتجة عن الفقر أو حتى الثراء الفاحش، وذلك رغم ضيق المساحة الفعلية التي يسكنها المصريون، حتى أن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي أشار إلى ذلك في حديث له في آب/ أغسطس الماضي.

المرض الاجتماعي... ماذا يعني؟

انتبه علم الاجتماع الأمريكي، مع بداية عصر التصنيع في أمريكا، إلى ظهور أنماط مختلفة من المشكلات الاجتماعية، وظهر إلى السطح مفهوم "العلّة الاجتماعية" Social Pathology عبر علماء من جامعة شيكاغو، عام 1892، تبعه ظهور مفهوم "التفكك الاجتماعي" Social Disorganization. ورأى العلماء حينها أن تعرّض المجتمع لتغيرات اجتماعية سريعة وحادة يؤدي إلى انهيار النظام القيمي داخله. ثم ظهر مصطلح "السلوك المنحرف" Deviant Behavior وهو الخروج عن المعايير المجتمعية ورفضها.

كلها مصطلحات وصفت المشكلات الاجتماعية أو ما اعتاد المختصون اليوم على تسميته بالمرض الاجتماعي، وتعني الخروج عن المألوف والسائد في التنظيم الاجتماعي لمجتمع ما، سواء أكان مجتمعاً كبيراً كالدولة الواحدة أو مجتمعاً صغيراً له خصائصه المميزة كمجتمع القرية في الريف أو مجتمع الحَضَر. وميّز العلماء المجتمع السوي عن آخر منحرف بالسمات التي تتمثل في الحالة الطبيعية المعتادة للمجتمع وأفراده، واعتبروا أن أي انحراف عن الطبيعي هو مرض اجتماعي.

وبحسب المختصين في علم الاجتماع، يخضع المرض الاجتماعي في حجمه وتنوّعه وتأثيره إلى الظروف الخاضع لها المجتمع ككل، ويرون أنه كلما زادت الكثافة السكانية في مجتمع ما تزداد الأمراض الاجتماعية التي تظهر داخله، كما تزداد أشكالها ومصادرها وأسبابها. وترجع المشكلة أو المرض الاجتماعي إلى أسباب عدة منها: التغيرات الاجتماعية والثقافية، وأيضاً هنالك أسباب ذاتية وفردية، وأخرى بيئية تخص المجتمع نفسه الذي ظهرت فيه العلّة أو المرض.

ولكن هل حقاً الزيادة السكانية هي السبب الرئيسي في انتشار ما يُسمى بالأمراض الاجتماعية والتغير في الثقافة المجتمعية والقيمية لدى المصريين، خاصة في الريف المصري؟

حسب أحدث إحصاءات جهاز الإحصاء الرسمي، مطلع العام الجاري، بلغت نسبة سكان الحضر 42.9%، بينما بلغت نسبة سكان الريف 57.1%، ووصل عدد القرى في مصر إلى 5655 قرية حسب الإحصاء الرسمي لعام 2019. ورغم ما يتميز به الريف المصري من سمات محافظة ومنظومة قيمية وأخلاقية، إلا أنه في الآونة الأخيرة ظهرت فيه بعض الأمراض الاجتماعية التي سبقت وأن أصابت المدينة أو ما يُعرف بالمراكز الحضرية أولاً. فما أبرز تلك الأمراض وكيف انتقلت من الحضر إلى الريف؟

هوس الميديا والكسب السريع

القصص المرتبطة بعرض شابات وشباب محتوى يصنفه المجتمع بأنه مخالف للمعايير الأخلاقية والدينية كثيرة، خاصة على تيك توك. وعبر فيسبوك، انتشرت العديد من المقاطع لشباب ريفيين يقومون بأفعال منافية للأخلاق أو الأعراف المجتمعية، مثل المقطع الشهير في كانون الأول/ ديسمبر 2020، لشاب ريفي من محافظة كفر الشيخ في دلتا مصر، يحاول فيه فضح صديقته السابقة، يوم خطبتها من آخر، أمام الجيران والمدعوين، ويذيع ذلك مباشرة عبر صفحتيه على فيسبوك ويوتيوب. وانتشر المقطع بسرعة كبيرة، وبعد شكوى أمنية، ظهر أن المقطع الذي تضمّن عبارات سب وقذف سيئة ليس إلا مزحة متفق عليها، لكسب مزيد من المتابعين.

تقول أميرة أحمد لرصيف22: "أنا فتاة من محافظة المنوفية إحدى محافظات دلتا مصر، وبطبيعة أهل الريف لا يزال هناك الطابع المحافظ، إلا أن الجيل الجديد واكب التطور وأصبحنا نستخدم الإنترنت وتطبيقات السوشال ميديا في كل دقيقة، لكنّي لم أسلم من الأذى بسببها".

وشرحت الفتاة العشرينية أنها تعرضت لنشر صور خاصة لها مفبركة على حساب أحد الأفراد من مشاهير التيك توك في قريتها، مدعياً أنها كانت على علاقة غير شرعية بآخر، ما تسبب لها في فضيحة كبيرة وأثّر ذلك على علاقتها بذويها، رغم ثبوت براءتها في ما بعد.

"رغم ما يتميز به الريف المصري من سمات محافظة ومنظومة قيمية وأخلاقية، إلا أنه في الآونة الأخيرة ظهرت فيه بعض الأمراض الاجتماعية التي سبقت وأن أصابت المدينة أو ما يُعرف بالمراكز الحضرية أولاً. فما أبرز تلك الأمراض وكيف انتقلت من الحضر إلى الريف؟"

وتتهم أميرة الآباء في قريتها بسوء تربية أبنائهم، خاصة بعد أن حلّ عصر التكنولوجيا وأصبح تقليد مشاهير المدينة سائداً حتى في الملبس والمأكل وطريقة الكلام وكل شيء و"كأن الريف قد تنصل من نفسه على يد الجيل الجديد".

وتكشف الإحصاءات الرسمية أن عدد مستخدمي تطبيقات مثل تيك توك وصل في بداية عام 2020 في مصر إلى 7.2 مليون مستخدم، منهم 62% من الذكور و38% من الإناث، وأغلبهم تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عاماً. أما وسيلة التواصل الاجتماعي الأكثر انتشاراً، فيسبوك، فيستخدمه في مصر حتى منتصف عام 2021 نحو 40 مليون مصري، ويستخدم ثمانية ملايين مصري تويتر، حسب دراسة حديثة أجراها الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس شبكة إعلام المرأة العربية، ومستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط فى نورث كارولينا.

ويرى خبراء أن انتشار استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي  له كثير من السلبيات التي حلت على المجتمع المصري، خاصة بعد أن انتقلت من المدينة والتي احتلت مركز الصدارة في البداية في مستخدمي تلك التطبيقات إلى الريف المصري بوجهيه البحري والقبلي.

النمط الاستهلاكي

تميزت الفترة بين عاميْ 1947 و1960 بوجود تيارات هجرة داخلية من الريف إلى المراكز الحضرية، تلا ذلك في فترتي السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، مع الانفتاح الاقتصادي الذي بدأه الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، هجرات واسعة من جانب أهل الريف المصري إلى دول الخليج النفطية. ساهم ذلك في انصراف الفلاح عن العمل في الزراعة، وزيادة اعتماد القرية على المدينة، وأيضاً زيادة دخول فئات كبيرة داخل المجتمعات الريفية، ما أدى إلى تغيير مراكزها في السلّم الاجتماعي داخل القرية.

نتج عن ذلك زيادة حدة الطموح الاستهلاكي ومحاولة اقتناء السلع والخدمات مرتفعة الثمن في نوع من المظهرية الهادفة إلى إظهار علو المكانة الاجتماعية، وذيوع التغريب والرغبة في محاكاة أهل المدينة. ونتيجة للتغيرات الثقافية الناتجة عن تغيرات اقتصادية والتحول نحو رأس المال ونظام السوق، تحول النشاط الزراعي من الإنتاج من أجل الكفاية إلى الإنتاج من أجل السوق وخضع لمبدأ العرض والطلب، ما أظهر نمطاً استهلاكياً شديد الغرابة على الريف المصري.

تقول الباحثة في علم الاجتماع في جامعة بنها، إيمان خليل كامل، في دراستها "التحولات في بنية الثقافة الاستهلاكية في المجتمع المصري 1960-2000" إنه نتيجة للتحولات التجارية العابرة القوميات تحوّلت الثقافة من أسلوب للحياة إلى سلعة قابلة للتداول والتسويق، بل ووسيلة إعلانية تخترق العقول وتهمش القيم الاجتماعية وتقضي على الخصوصية التاريخية للشعوب.

"محاولة تقليد المدينة أتت بنتيجة عكسية على أهل القرية الريفية، فقد تراجع الإنتاج المنزلي للعديد من المنتجات التي كانت النساء سابقاً تواظب على إعدادها في المنزل، وأصبحت السمة الاستهلاكية هي السائدة لدى معظم الأسر الريفية بعد أن كانت وحدة الإنتاج الأولى في المجتمع"

وترى أن هناك أسباباً عديدة أدّت إلى تغير أهل الريف إلى الثقافة الاستهلاكية، أبرزها: تعاقب السياسيات الاقتصادية المختلفة، والعولمة والانفتاح على العالم الخارجي، ما أدى إلى صدمة حضارية عنيفة، وأيضاً تغير في مستوى دخول الأفراد والأسر، وكذلك في الإعلام ووسائل الاتصال ودخول التكنولوجيا الحديثة.

ويرى المختصون أن محاولة تقليد المدينة أتت بنتيجة عكسية على أهل القرية الريفية، فقد تراجع الإنتاج المنزلي للعديد من المنتجات التي كانت النساء سابقاً تواظب على إعدادها في المنزل، مثل: الخبز والأطعمة المختلفة، وأصبحت السمة الاستهلاكية هي السائدة لدى معظم الأسر الريفية بعد أن كانت وحدة الإنتاج الأولى في المجتمع، كما تراجع الإنتاج المنزلي من الملابس والمنسوجات وتأثر أهل القرية بأسلوب أهل المدن في اختيار الملبس، حتى أن الزي التقليدي في كثير من المحافظات في سبيله إلى الاندثار.

وحسب الجهاز الرسمي للإحصاء في مصر، في بحث حول الدخل والإنفاق الأخير عن عاميْ 2019 و2020، فإن متوسط نسبة الإنفاق الكلي للأسر المصرية، طبقاً لأقسام الإنفاق الرئيسية، توزعت ما بين 31.1% من إجمالي الإنفاق السنوي على الطعام، يليه 19.2% على المسكن ومستلزماته، ثم 10.4% على الخدمات والرعاية الصحية، يليه 2.5% على الاتصالات والتكنولوجيا، ثم 2.3% على الترفيه والثقافة.

وحققت نسبة الاستهلاك الفعلي على الطعام في الحضر نسبة 27.7% مقابل 34.6% في الريف، كما ارتفعت نسبة الإنفاق على الخدمات الصحية في الريف بنسبة 11.2% مقارنة بـ9.5% في الحضر، وأيضاً زاد استهلاك الملابس والأقمشة في الريف (5.9%) عن الحضر (5.3%)، ما يعني تغير نمط الملبس لدى أهل الريف وتوجههم إلى مزيد من المظهرية.

وينفق سكان الريف 4.7% من دخولهم على الأثاث المنزلي والتجهيزات مقارنة بسكان الحضر والذين ينفقون 4% فقط من دخولهم، أما المفاجأة فهي أن سكان الريف ينفقون ما يعادل 4.5% من دخولهم على السجائر والمشروبات الكحولية في مقابل 3.9% في الحضر، ما يخالف سمة المجتمع الريفي المحافظ.

ضياع الهوية المعمارية

تعرضت المجتمعات المحلية الريفية التقليدية لحالة من التغير الثقافي السريع، تمثل في بعض العادات والتقاليد والمعتقدات والأشكال التقليدية للعلاقات الاجتماعية حتى داخل الأسرة الواحدة، وذلك نتيجة احتكاكها المباشر بالمجتمعات الحضرية من خلال موجات الهجرة الداخلية المتتالية وأيضاً خروج أبناء القرى الريفية إلى المدينة للبحث عن مهن أخرى غير الزراعة حتى، وإنْ كان على شكل عمالة يومية أو موسمية.

ونتيجة للتأثر السريع، فقد الريف المصري منهجه المعماري التقليدي والذي كان يتناسب مع البيئة المحيطة ويُعتبر نسقاً تراثياً هاماً، فقد اعتبر أهل الريف أن الاحتفاظ بالنسق المعماري التقليدي نوع من التخلف، نتج عنه تنمر أهل المدينة على بساطة المسكن الريفي، ما أدى إلى فقدان تدريجي للهوية المعمارية.

"هناك اغتراب نشأ بين الحضر والريف، ومع دخول عصر التكنولوجيا وانفتاح الجانبين على بعضهما، بدأ أهل الريف في محاولة التقليد الأعمى لأهل الحضر، والانسلاخ عن منظومتهم الخاصة، ما أفقد المجتمع المصري تنوعه"

وأدى تقليد الريف لنمط العمارة في الحضر إلى التشويه، فالتغيرات التي طرأت على المسكن الريفي وتغير مواد البناء من استخدام الطين إلى الطوب الأحمر والخرسانة المسلحة، وزيادة التطلع إلى الحصول على مزيد من الرفاهية واستقدام مظاهر الحضر، أدى إلى ظهور تكاليف إضافية بسبب أنماط مختلفة من الإنارة يحتاجها المسكن الجديد متعدد الطوابق، أو لجوء كثير من الأسر إلى أجهزة تكييف الهواء، كذلك الفصل بين أفراد العائلة الكبيرة ومحاولة الحصول على شقق منفصلة لأي زوجين جديدين، ما أدى إلى تغير في الشكل الاجتماعي داخل العائلة الكبيرة وعزز من انفلات الروابط الأسرية المتينة التي لطالما تميزت بها العائلات في الريف.

وفي دراسة معمارية حديثة صدرت عام 2019، بعنوان: "القيم الجمالية للعمارة الريفية وسبل الحفاظ عليها"، قالت جميانة داود يوسف، المدرسة المساعدة في كلية هندسة جامعة جنوب الوادي، إنه لا بد من المحافظة على النسق المعماري للريف المصري، مطالبة بضرورة تفعيل الجهات الرقابية لقانون البناء الموحد في الريف المصري ومحاولة إنقاذ وصيانة ما تبقى من بيوت الطين التراثية، والتي شارفت على الاندثار.

التحرش

عام 2019، وفي مركز تلا في محافظة المنوفية في دلتا مصر، كان القدر يقف للشاب الصغير محمود البنا بالمرصاد. المصادفة جعلته شاهداً على تحرش أحد شباب القرية بفتاة كانت تمر وقتئذ في الطريق، ليتصدى محمود للمتحرش ويمنعه من إيذاء الفتاة. وكتب بعد ذلك على صفحته الخاصة، ممتعضاً ومعبّراً عن استيائه من الواقعة، فما كان من المتحرش إلا أن ترصد له وأنهى حياته بطعنة. أثارت الحادثة تساؤلات كثيرة حول انتشار ظاهرة التحرش والتي تميزت بها المدينة، خاصة العاصمة القاهرة، وانتقالها إلى الريف وخاصة أن المجتمع الريفي يتميز بصلات قرابة بين كل أبناء القرية الواحدة.

في كانون الأول/ ديسمبر 2020، وفي مركز ميت غمر التابع لمحافظة القليوبية، خرجت الفتاة الجامعية بسنت، في أحد الشوارع الرئيسة للمدينة، فما كان من مجموعة من الشباب إلا أن تجمعوا محاولين انتهاك جسدها، بشكل جماعي، حتى أن عدد الملتفين حولها وصل إلى ما يقارب 100 شاب، وبرروا ذلك بأن ملابسها غير لائقة في مجتمع الريف. وكان لذلك التحرش الجماعي أثر كبير على الطالبات الجامعيات من محافظات حضرية واللواتي وفدن إلى الجامعات في محافظات ريفية، فشعرت كثيرات منهن بالخوف نتيجة ظهور أنماط من التحرش والاعتداءات المتكررة سواء اللفظية أو الجسدية على الطالبات الوافدات.

وفي دراسة أعدّتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالتعاون مع معهد التخطيط القومي المصري عام 2013، تحت عنوان "طرق وأساليب التحرش الجنسي في مصر"، جرى رصد ظاهرة التحرش وانتشارها في ريف وحضر مجموعة من المحافظات. أشارت الدراسة إلى أن 99.3% من النساء المبحوثات تعرضن لصورة من صور التحرش في الفئة العمرية ما بين 10 إلى 35 عاماً، ونبهت إلى أن 91.5% من المبحوثات بالدراسة تبين أنهن تعرضن للمس أحد أعضاء الجسد.

سبقت هذه الدراسة أخرى للمركز المصري لحقوق المرأة، في عام 2008، أظهرت أن 83% من النساء تعرضن للتحرش الجنسي. وتؤكد الأرقام أن معدل ارتفاع حوادث الانتهاكات الجنسية في مصر سريع للغاية. وحسب الإحصاءات الرسمية على سبيل المثال، هناك 162 جريمة جنسية فقط مطلع التسعينيات، في حين أن عام 2006 شهد تسجيل 62 ألف جريمة وانتهاك جنسي. هذه الأرقام الرسمية فقط، نظراً لأن المجتمع المصري لا يزال يضيّق الخناق على النساء ويمنعهن من الإبلاغ عن حوادث الانتهاكات والعنف الجنسي.

ومؤخراً، وافق البرلمان المصري في حزيران/ يونيو الماضي على تشديد عقوبة التحرش، وتعديل قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، الخاص بالتعرض للغير والتحرش الجنسي، لتصل العقوبات إلى سنتين إلى أربع سنوات حبس، وغرامة من 100-200 ألف جنيه مصري، مع إضافة التحرش الإلكتروني إلى القانون.

تعليقاً على ذلك، قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، لرصيف22 إن المرض الاجتماعي بداية عبارة عن سلوكيات غير سليمة تؤثر على المجتمع، مثل: الطمع والنظر إلى الآخر بحقد أو تعالٍ أو التقليد الأعمى من النساء الفقيرات لنساء في موقع اجتماعي أعلى، وأيضاً الجرائم وخاصة الجرائم الجنسية، وانتشار المخدرات.

برأيها، من أهم أسباب ظهور الأمراض الاجتماعية، سواء في الحضر أو الريف المصري، ما تعرضه الدراما والسينما من قيم "هابطة" لا تتناسب مع البناء القيمي والأخلاقي للمجتمع المصري، فباتت الدراما المصرية سطحية وتقدم النموذج السيئ الذي يقلده المراهق، ويركز على مجتمع المدينة وأطماعه وسعيه نحو المادة والمال وانعدام الأخلاق.

وذكرت أستاذة علم الاجتماع أن الدولة منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أسست وزارة الإعلام والإرشاد القومي، وكانت مسؤولة عن وضع خطة قومية للحفاظ على الهوية وضبط التراث ومنظومة القيم داخل المجتمع المصري، فحتى أوائل الألفية كان التلفزيون المصري يعرض برامجاً ومسلسلات منها الإرشادي مثل: "سر الأرض" وبدأ عرضه عام 1994 وكان موجهاً للمزارعين في الريف ويختص بالحياة الريفية وما يتعلق بأمور الزراعة، ومنها التربوي والمجتمعي مثل: "الوتد" والذي عُرض عام 1996، أو "ذئاب الجبل" في عام 1993، والذي تعرض للحياة في صعيد مصر وأظهر ثلاثية الشرف والأخلاق والثأر.

وتضيف أن قطاع الإنتاج في اتحاد الإذاعة والتلفزيون الرسمي "ماسبيرو" اهتم بإنتاج مثل هذه المسلسلات سواء التي كانت تعرض لحياة الريف المصري بكل ما يمثله من قيم محافظة ووسطية أو تعرض لقيم مطلقة تستهدف المجتمع المصري بأكمله مثل مسلسلات: "ضمير أبلة حكمت"، "يوميات ونيس"، "أبنائي الأعزاء شكراً"، "لن أعيش في جلباب أبي".

وتتابع: "كانت الدراما تقدّم النموذج الجيد الذي يجب أن يتبناه المجتمع وتركز على بناء الأسرة وليس الهدم مثلما يحدث حالياً، فالصورة التي تصدّرها الدراما الحالية لا تؤدي سوى إلى تقليد أعمى يضر المجتمع ككل مع انتشار صور القتل والغدر والخيانة والتحرش وزنا المحارم وإظهار النساء المصريات في صورة مخلة بالآداب العامة، وبالطبع هذا ما يقلده الشباب والذي يمثل أكثر من نصف المجتمع وحده".

وحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، تشكّل الفئة العمرية (أقل من 15 سنة) نحو ثلث السكان بنسبة 34.2%، بينما عدد الشباب في الفئة العمرية (18 ـ 29 سنة) بلغ 21.3 مليون نسمة بنسبة 21% من إجمالي السكان.

وأكملت خضر أن هناك اغتراباً نشأ بين الحضر والريف، ومع دخول عصر التكنولوجيا وانفتاح الجانبين على بعضهما، بدأ أهل الريف في محاولة التقليد الأعمى لأهل الحضر، والانسلاخ عن منظومتهم الخاصة، ما أفقد المجتمع المصري تنوعه، وأصبح من الهشاشة التي سمحت بدخول أي ثقافة غريبة عليه بسهولة عبر منصات السوشال ميديا.

وبرأيها، سمح ذلك للصغار بارتكاب جرائم واتباع سلوكيات سيئة بهدف الكسب السريع أو التقليد أو التمرد على المنظومة القديمة ومحاولة إظهار جانب من التمدن لكسر حاجز التنمر المستمر على أبناء الريف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard