كأنّ تجّار البلدة القديمة يودّعون حبيباً فارقهم إلى الأبد... الزبائن وأسواق القدس

الاثنين 1 نوفمبر 202104:37 م

حين تخطفك قدماك للبلدة القديمة في مدينة القدس المحتلة، ترى في جدرانها حكايات عن الديانات والعصور البعيدة، وتقرأ في ثناياها حضارات الإفرنج والمماليك والعثمانيين والإنجليز، وتستنشق فيها رائحة التراث الذي تفوح من المكان، الذي يحوي المعلم الأبرز: سوق "البلدة القديمة".

ولكن هل تستطيع أن تذهب إلى هناك، وتتسوق كما تتسوّق في سوق تقاليدي عادي؟ نعم تستطيع إذا استطعت السفر عبر الزمن إلى الماضي، الماضي البعيد.

البداية

تعود النشأة الأولى لأسواق البلدة القديمة بحسب ما أورد مركز المعلومات الفلسطيني "وفا" إلى العصر المملوكي عام 1336، وكان أول من بدأ التعمير فيها الأمير سيف الدين تكنز الناصري، وهو نائب سلطان الدولة المملوكية الناصر محمد بن قلاوون عن القدس وبلاد الشام.

بدأ سيف الدين بإنشاء أول زاوية تسويقية في البلدة القديمة عُرفت باسم "سوق خان الزيت"، ثم "سوق القطانين" في العام نفسه، وأسواق أخرى أُسست في زمن العثمانيين الذي حكموا بلاد الشام بعد المماليك، مثل "سوق العطارين"، و"سوق الخواجات" و"سوق أفتيموس"، وغيرها من الأسواق التي احتضنتها "البلدة القديمة" في مدينة القدس المحتلة.

وقد صمدت هذه الأسواق عبر الزمن وعاصرت عدة إمبراطوريات تنازعت على فلسطين، كما لعبت دوراً بارِزاً خلال أحداث انتفاضة البُراق عام 1929، وخلال الثورة الفلسطينية الكُبْرى بين عامي 1936 و 1938، وانطلقت من ساحاتها التظاهرات وتعرضت للإغلاق واعتقال مرتاديها وسقوط الشهداء فيها، لأن البلدة القديمة متصلة بالحرم القدسي الشريف.

يفكر مهدي في إغلاق محله، وسبقه آخرون إلى إغلاق محالّهم، والذي لم يفعل تراوده الفكرة، لقد بدأ تجار البلدة القديمة يلمسون سياسة إسرائيل في إفراغ القدس من أهلها

للمسجد الأقصى الكبير 14 باباً، منها باب "القطانين" حيث يفصل بين المسجد الأقصى وبين سوق "القطانين" وهو أحد أسواق البلدة القديمة، وباب "السلسلة"، الذي يفصل بين المسجد وبين ممر طويل يؤدي لعدة تفرعات كمداخل لأسواق البلدة القديمة، أي أن زيارة الأقصى تتطلب العبور داخل أسواق البلدة القديمة.

وقد بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتضييق على التجار هناك بعدة قرارات جائرة تهدف إلى إفراغ القدس من سكانها الأصليين عبر بوابة سوق البلدة القديمة، وقد استطاعت إجهاض الحركة نوعاً ما في هذا السوق.

ماذا فعلت إسرائيل؟

قال المدير العام للغرفة التجارية الصناعية العربية في مدينة القدس السيد لؤي الحسيني: "بدأت المشاكل الأولى منذ 20 عاماً (أي خلال انتفاضة الأقصى عام 2000) أي منذ أن منع الاحتلال الاسرائيلي سكان قطاع غزة والضفة الغربية من زيارة القدس، عقب العمليات الفدائية التي كانت تقودها غزة، وما زالوا ممنوعين حتى اليوم، وهم شريحة تمثل 40 % من زبائن السوق في البلدة القديمة".

وينقسم زبائن السوق 40% من الضفة الغربية وقطاع غزة، و40% من الوفود السياحية من خارج فلسطين، و20% من فلسطينيي 1948.

ويضيف: "كانت الطامة الكبرى لتجار البلدة القديمة بعد منع زوار غزة والضفة الغربية، هو فيروس كورونا وما تبعه من إجراءات، إذ أُغلقت المحلات في السوق طوال عام 2020، ممَّا منع وصول الوفود الأجنبية والمصلين لتفادي انتشار الفيروس".

ولفت الحسيني إلى أن منع الوفود الأجنبية له تبعاته أيضاً على الفنادق والمطاعم، إذ إن جميع خدماتهما من منتجات سوق البلدة القديمة، "لأن القطاعات كلها متصلة بعضها ببعض من ناحية تأثير القطاع السياحي على السوق".

وتابع: "جاء انقطاع الزبائن سلبياً بحق تجار القدس منذ 2020، السنة التي أُغلقت فيها محلاتهم، وسبّبت لهم عجزاً عن تعويض خسارتهم من ضرائب دفعوها عن سنة كاملة، بعدما مُنعوا من أن يُمارِسوا عملهم خلالها".

هذه الضرائب الباهظة، بحسب الحسيني، تُعادل الدخل السنوي للتُّجار، إذ تغرّمهم السلطات الإسرائيلية مبلغاً يعادل 35 ألف شيكل سنوياً (10 آلاف دولار أمريكي) عن كل محل مساحته 100 متر مربع.

ورأى الحسيني أن تلك الضرائب والإجراءات تأتي في سياق "سياسة إفراغ القدس من سكانها الأصليين".

لم تنته لوائح الاحتلال عند هذا الحد، فهناك أيضاً التراكمات والالتزامات الأخرى على المقدسي، كإجباره على دفع ضريبة على منزله السكني تفوق عشر مرات الضريبة على محله التجاري، بالإضافة إلى عدم تمكنه من العمل خلال أزمة الكورونا لجني ما يدفعه عن هذه الالتزامات، مما دفع العديد من التجار لإغلاق محلاتهم خوفاً من فرض عليهم ضرائب أخرى عن سنة 2021. وقد تم إغلاق ما يُقارب 400 محل من أصل 1200 في السوق".

الخوف من الضرائب

يبيع التاجر بلال مهدي القماش بأنواعه، فمحله الأثري والصغير عمره أكثر من 100 عام، جمع فيه القماش الدمشقي والتركي والإيطالي والهندي والمصري، فعند مجيء سائح ديني من الأردن للقدس مثلاً، فإنه يتسوق من البلدة القديمة كأنه تسوق من 10 بلدان عربية وإقليمية على الأقل.

رزقُ مهدي مرتبط بالزوار العرب والأجانب الذين يقصدون المدينة المقدسة لأداء طقوسهم الدينية، ويقيمون فيها لأسابيع. ومع انعدام العامل السياحي بسبب الإغلاق الشامل للقدس بسبب فيروس كورونا في مارس/آذار عام 2020، تراجعت تجارته كثيراً، وهو على أبواب إغلاق محله إذا ظل الوضع الراهن مستمراً.

سبق مهدي كثيرون إلى الإغلاق الفعلي لمحالّهم، بعد أن صمدت لأكثر من قرن، خوفاً من فرض ضرائب جديدة، كأن أصحابها يودعون حبيباً فارقهم للأبد، منها محالّ التحف الشرقية والحلويات العربية، ومحالّ البخور والعطور الحضرمية اليمنية ومحالّ التوابل الهندية والفارسية وغيرها.

وهذا معرض "بنكهة مقدسية" المتخصص في صنع وبيع المخبوزات الفلسطينية كالمناقيش والكعك المقدسي الشهير والفطائر وكعك "السميت التركي"، أغلق لفترة قصيرة، وكانت مخبوزاته تصل لكل فلسطين، خاصة لمواطنين رغبوا في زيارة القدس وحرموا منها.

وكان جرحى الحروب ومسيرات العودة يعودون إلى أهاليهم بغزة من العلاج في المشافي المقدسية أو الضفة الغربية، حاملين الكثير من مخبوزات المدينة، وهي أشهر ما يميزها في السياحة الداخلية.

بعد صمود سوق القدس أكثر من قرن، يشعر تجار البلدة القديمة هذه الأيام كأنهم يودّعون حبيباً فارقهم إلى الأبد

وأوضح صاحب معرض "بنكهة مقدسية" لرصيف22 أن الضرائب أرهقت التجار، فقد كانوا يجنون في السنوات الطبيعية 25% أرباحاً من قيمة الضرائب، أي أنهم عندما يدفعون ضرائب بقيمة عشرة آلاف دولار، فإن العائد آخر السنة 12500 دولار، فصافي الأرباح يكون 2500 دولار فقط خلال سنة كاملة من العمل، ولكن مؤخراً دفعوا ضرائب عن أرباح أربع سنوات، ولم يستطيعوا ادخار أرباح تُذكر بسبب الإغلاق الشامل الذي سببه فايروس كورونا.

وبعد انقطاع زبائن قطاع غزة والضفة الغربية، بسبب أعمالهم الفدائية، وكذلك بعد انقطاع الوفود السياحية بسبب كورونا، وكلاهما يمثلان 40% من اقتصاد سوق البلدة القديمة، أصبح العجز لدى زبائن السوق 80%، فمن يُنقذ ما تبقى من محالّ لم تُغلق بعد في البلدة القديمة؟

ثمة تجار يشير إلى أن بعض الأمل معقود على (عرب 48) لإنقاذ ما تبقى من حركة في السوق، لأنهم يمثلون 20% من الزبائن.

وأكد رئيس غرفة التجارة العربية في القدس لؤي الحسيني أن فلسطينيي الأراضي المحتلة (عرب 48) المسموح لهم بزيارة القدس بسبب الجنسية الإسرائيلية التي يحملونها، لم يُقصِّروا طوال هذه الأعوام التي شهدت انقطاعاً تاماً لزبائن الضفة الغربية وقطاع غزة، بل دعموا الاقتصاد هناك عن طريق المساعدات وكثرة المشتريات، خوفاً من تهويد عاصمتهم المحتلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard