كيف (لا) نكتب عن معرض جورجيا أوكيف في باريس

الاثنين 15 نوفمبر 202109:59 ص

نـ(أ)ـواجه أزمة في كل مرة نرى أنفسنا أمام معرض استرجاعي لفنان/ة ما أو معرض يحوي أعماله/ها، الأزمة (أحدى معاني كلمة نقد هو أزمة) ببساطة كيف نكتب عن "الكل"؟ وهل ما نراه معلقاً على الجدران البيضاء في المعرض أو المتحف هو "الكل" فعلاً؟ الإجابة الأسهل هي:

لا، نعلم أن ما أمامنا ليس كل الأعمال، هذا إن لم نأخذ بعين الاعتبار، النصوص والتخطيطات والمحاولات الأولى، ناهيك عن سيرة حياة الفنان/ة نفسه/ها، وتاريخه/ها الشخصي، أين عاش(ت)؟ من تزوج (ت)؟ ما الكتب التي كانت متوافرة حينها وأين يمكن وضعه/ها في تاريخ الفن؟ يمكن القول إن هناك يقيناً بنقص ما، هذا الفقدان ذاتي أو في مفهوم "الكل" نفسه، ما يهدد إدراكنا و تذوقنا لما نشاهده، نقص/ فقدان/ ضياع، يتحرك بيننا وبين ما نراه، يُختزل أحياناً حين نقف أمام لوحة ونقول: "أنا لا أعرف" أو "مثير للاهتمام".

أزمة مزدوجة

تتعمق الأزمة حين "نعمل" على إنجاز مقال أو نص عن معرض استرجاعي يحتفي بفنان أو فنانة، كحالة المعرض الذي يقام حالياً في مركز جورج بومبيدو في باريس، عن الرسامة الأمريكية جورجيا أوكيف (1887-1986(، الذي بداية لا يحوي "الكلّ"، الشأن الذي يؤكده بروشور المعرض، فهو محاولة للإضاءة على تجربتها الفنية وتحولاتها الجمالية التي امتدت حوالي نصف قرن.

لكن، ولنضع أنفسنا هنا مكان القارئ: ما الذي يهم من سيقرأ أو يشاهد اللوحات عبر شاشاته إن لم يكن فناناً مهتماً بالنسوية الأمريكية وتجلياتها الفنية؟ هل سيلمع في رأسه شيء ما حين نخبره عن رحلتها في القطار من شيكاجو إلى نيو مكسيكو، وتعرفها على الصحراء الأمريكية؟ أو كيف صوّرها زوجها منسق المعارض عارية أمام لوحاتها؟ وهل سيتحرك كيانه إن علم أن أول معرض لها كان دون إذنها؟

نواجه أزمة في كل مرة نرى أنفسنا أمام معرض استرجاعي لفنان/ة ما أو معرض يحوي أعماله/ها، الأزمة  ببساطة كيف نكتب عن "الكل"؟ وهل ما نراه معلقاً على الجدران البيضاء في المعرض أو المتحف هو "الكل" فعلاً؟

كل هذه المعلومات تقع خارج "إطار اللوحة"، ذاك الفاصل بين داخل العمل الفني وخارجه والذي شغل فلاسفة اليونان بزخرفته، ورأوا أنه يزيح النظر عما داخل الإطار، أي العمل الفني. لكن إن أردنا أن نعرّف أحدهم على "الكل"، فلا بد من التقاط الزمن وتدفقه حول اللوحة، أو يمكن تفادي كل ذلك، والاكتفاء بالحديث عما داخل الإطار، والغوص في تأويلات وتأملات ذاتية ونقدية، تكتسب قيمتها من بلاغتها، خصوصاً أن اللوحة لن تكون مرئية أمام القارئ، بل حذلقة الكلمات هو ما سيتم التركيز عليه.

هل يقرأ أحدا فعلاً المقدمة التقليدية: "تشهد مدينة باريس معرضاً استرجاعياً لجورجيا أوكيف... الخ"، أم يكفي وضع رابط المعرض لقراءة المعلومات والتحليلات والنصوص، لكن حتى هذه المقدمة قراءتها جزء من المعرض، ما الذي يعنيه أن تستضيف باريس معرضاً لفنانة أمريكية في مركز بومبيدو المهدد بالإغلاق، والذي سبق له أن أقام معارض مشابهة للويز بورجوا ومنى حاطوم وغيرهن.

يعجز المقال الذي وصل تعداد كلماته الآن إلى 403 عن الإحاطة بـ"الكل"، ويتجنب الحدث نفسه (المعرض)، ناهيك أن المكتوب هنا، ليس إلا اختياراً لـما يعرفه الكاتب (أو يدّعي أنه يعرفه)، مرصوفاً في جمل تحاول رسم السياق أمام قارئ بالعربية في مكان ما، قد يقوده الحظ أو الاهتمام إلى الاطلاع على مقال عن فنانة أمريكية نسوية، تلتقط حداثة نيويورك وصحراء أمريكا في لوحاتها، ناهيك أن هذا القارئ المتخيل، إن لم يبحث، أو "يهتمّ" فعلاً، سيطلع فقط على كولاج اللوحات التي أثارت اهتمام الكاتب الشخصي، بدوافع عبثية أحياناً، وتعاضدية أحياناً أخرى، أي اللوحات المختارة تخاطب ما يعرفه الذي يوقع هذا المقال باسمه، كتلك المعنونة بـ"رأس خاروف"، و"حوض" و"حوض من بعيد"، والتي تمثل أجزاء من هياكل عظمية لحيوانات ميتة في الصحراء تحاكي تجارب بعض السورياليين.

يمكن أيضاً إكساب المقال بعض الحيوية و"السكسنة"، كالحديث عن الورود في لوحات أوكيف، وعلاقتها مع المهبل وكيفية تمثيل شفاهه وتنويعاتها، وتحولات الجسد بصورته المفاهيمية، في هذه المقاربة رهان على اللوحة ومقدرتها على تفعيل مخيلة القارئ عبر المقارنة مع أعضاء الجسد، دون ذكر لتاريخ الورود النسوية التي تحاول إعادة تشكيل العالم وموتيفاته.

هناك معرض جميل في باريس عن فنانة أمريكية زاره الكثيرون، إن أردت أن تعرف عنها أكثر ابحث عن اسمها في جوجل، وحمّل كاتالوج المعرض وتصفّحه، لأن من زاروا المعرض،  لم يكتشفوا سراً فنياً لم يكن معروفاً لأحد، بل "اطّلعوا" على ما هو موجود أصلاً

نهاية ساخرة وحتمية

هناك شبه يقين بالعجز/ السخرية حين الكتابة عن المعارض، بل إن نهاية المقال لا تراجيدية، أي أن كاتب المقال والمعرض كلاهما محكومان بنهاية مُحركها مزاج القارئ، الذي يقرر أن "ينهي" تصفحه بلمسة سريعة على الشاشة، سواء كان مهتماً أو مختصاً، أو حتى فناناً، فهناك "ذاتية" حين تلقي هذا النوع من المقالات، من هذا "العمّار" الذي يتأمل باريس برومانسية كل مرة يصعد فيها درج مركز بومبيدو، متجهاً نحو صالة المعارض غير الدائمة، ليخبرني عن تاريخ الفن والتشكيل، وهو لا يفعل شيئاً سوى الحذلقة؟ أيضاً، من هذه "الأوكيف" التي تسترخي في شقتها في نيويورك، ثم منزلها في الصحراء، لترسم ناطحات السحاب والتراب والعظام؟

من هؤلاء أمام لوحتي هذه التي يوماً ما ستكون جزءاً من معرض مستقبلي سيشاهده برجوازيو الفن في دمشق أو القاهرة أو بيروت؟ بل يظهر هنا التعالي الذاتي، فالكاتب لم يتعب نفسه ويقارن مثلاً بين جماليات الصحراء الأمريكية وتلك العربية؟ أو تجليات "الجيف" بين موتين وشمس واحدة بين الشرق والغرب، كما لم يقارن بين حداثتين وناطحات سحاب أيضاً تختلفان بين الشرق الغرب، تبدو هذه المقارنة شيقة لكن ستحول اللوحات هنا إلى دلائل إثنوجرافية أكثر منها أعمال فنية ورؤية جمالية، ناهيك عن اتهامات الاستشراق التي قد تطال هذه المقارنات.

لم نكتب عن "الكُل" ولا "القِطعة"، ولا المعرض ولا تجربة زيارته، وتُرك القارئ أمام عجز الكاتب الذاتي (أو ربما الموضوعي) عن كتابة تغطية صحفية ثقافية عن معرض كآلاف المعارض أنحاء العالم، يحوي لوحات مرتبة زمنياً بجانب بعضها البعض، يتدفق الناس في الصالة بصورة دقيقة لمشاهدتها، الإعجاب بها، ثم شراء الكتالوج، ليأتي صحفي يجمع الصور من الإنترنت ثم يكتب شيئاً نظرياً يتخلل الصور، ثم Voila... هذه تغطية صحفية، سيمر عليها القارئ لتختفي بعدها دون أثر.

اقترب عدد الكلمات من 800، لابد من نهاية، حكمة أو عبرة ما تبرر كل ما كتب سابقاً، عبارة شعرية أو سلسلة من المقارنات تكشف نهاية عن سبب الكتابة بهذا الشكل، وعدم تناول المعرض بـ"كل" تفاصيله، أرنب يخرج نهاية من قبعة الساحر ليكشف الخلطة السرية لهذا "المقال". للأسف لا يوجد.

يمكن القول، هناك معرض جميل في باريس عن فنانة أمريكية زاره الكثيرون، إن أردت أن تعرف عنها أكثر ابحث عن اسمها في جوجل (أو اضغط الرابط في أعلى المقال)، وحمّل كاتالوج المعرض وتصفّحه، لأن من زاروا المعرض، توجهوا لشرب القهوة بعد الانتهاء، ولم يكتشفوا سراً فنياً لم يكن معروفاً لأحد، بل "اطّلعوا" على ما هو موجود أصلاً، وتناسى كل الحذلقات السابقة عن الكلّ والقطعة، إن أعجبتك لوحة، احتفظ بها أو انشرها على جدارك على فيسبوك، فلا حقوق نشر عليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard