الـ"أنا لا أعرف "... لحظة انعدام اليقين

الأربعاء 15 سبتمبر 202106:59 م

"ها، ها، ليس بهذه السرعة يا صديقي الرائع: يجب عليك استهلاك غابات من الأقلام، وفدادين من الكانفاس، قبل أن تصل إلى هناك. بالطبع! بالطبع! إنكم تقدمون مظهر الحياة، بيد أنكم لا تعبّرون عن وفرتها التي تفيض على الجانبين، وهو حتى ما يمكن أن يكون الروح إذ تعوم كالسحابة فوق طوق الجسد".

المقطع السابق من القصة القصيرة "التحفة غير المعروفة" لبلزاك، الصادرة عام 1831، ترجمها للعربيّة المصري ماهر البطوطي. لن نشير إلى الفدادين والغابات التي لا ذكر لها النص الأصلي، ما يهمنا هو عبارة "Je ne sais quoi" الفرنسيّة، التي من المفترض أن تكون قبل كلمة الروح، والتي تظهر في النص الأصلي، كعلامة على عدم المعرفة، أو العجز عن التعبير، لتكون العبارة "ربما هذه التي (أنا لا أعرف) ماهيتها هي الروح"، في إحالة إلى ما تنقص اللوحات التي ينجزها الفنانون.

هذه الـ"أنا لا أعرف"، محط اهتمام الباحث الفرنسي بينجامان ريادو في كتابه الذي يحمل ذات الاسم، هذا التعبير، الذي لم نجد مقابلاً له في اللغة العربيّة، يحيل إلى معنى واحد، هو عدة كلمات اجتمعت لتشكل "كلمة"، هي ربما، وإن أردنا أن ننحتها عربيّاً في المعجم كـ"جملة"، قد تكون على الشكل التالي:

"أنا في هذه اللحظة، وبينما أحدق في هذا الذي أمامي أو أستعيد طيفه، شخصاً أو وجهاً أو لوحة، أقول علناً إني عاجز، لغةً وعقلاً، عن وصف ما يمتلكه، والذي حرّك في روحي هذا التصريح بأني لا أعرف داخله ولا داخلي".

اللامعرفة، أين محطها بالذات؟ هل نحن أمام عجز لغويّ أم عقلاني؟ أي، هل لا أمتلك اللغة الكافية لأصف هذا الأمر، أم هذا الأمر ذاته تعجز اللغة عنه؟ أين النقصان بدقة؟ داخلي، أم في اللغة نفسها، أم في الموضوع؟

تنتمي العبارة لغوياً إلى ما يسمى Adynaton، تعبير بلاغي يدل على الاستحالة المطلقة، كالقول "لن تبلغ السماء طولاً" أو "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري"، لكنها في السياق الفرنسي، تحيل إلى ما حاولنا نحته سابقاً، عبارة تنطق للتعبير عما لا نعرفه ولن نعرفه، ضمن سياق ديني وجمالي.

فأن يعرف أحدهم الشيء يعني أنه "أدركه بعلمه" (لسان العرب)، واستحالة ذلك تعني أنه "أدرك جهله به وبذاته"، نتحرك هنا ضمن التركيب الفرنسي فقط، ونحافظ على ضمير "أنا" بالعربيّة، لأن "لا أنا، ولا أنت، ولا المبصر في منامه، ندري ما الخيالات المترائية عند مفترق قريب، بعيد، عائم على صفحة السراب"، (بسام حجار).

هناك سحر ما في عبارة "أنا لا أعرف"، فالحبيب مثلاً، لا يعلم بدقة ما الذي يجذبه إلى المحبوب، هو يدرك تفاصيله ويفك شيفرات كليّاته، لكن هناك ما يجهله فيه، كاشفاً عجزه عن فهم نفسه وفهم موضوع شغفها، ويعبّر عن ذلك بصيغة مُضارعة تستمر في الزمن، حتى لو غاب موضوع الجهل مرئياً، إلا أنه حاضر فوق الزمن ، فـ"أنا لا أعرفه... وكأني قبل ولادته أعرفه"، مظفر النواب.

هناك ملامح إذن من "معرفة" سابقة، ولنكون أدق، هناك يقين بأن هنا "شيئاً" يتحرك، وأنا لا ولن أعرفه، أتلمس فقط أعراضه مصادفةً.

هذا المجهول في "الدواخل"، داخلي وداخل ما أراه، يُقلقني، هذا التصريح اللغوي، يرسم حداً بين ما يمكن إدراكه وما لا يمكن معرفته، هو الفصل واليقين في ذات الوقت، لكن، هذه اللامعرفة، أين محطها بالذات؟ هل نحن أمام عجز لغويّ أم عقلاني؟ أي، هل لا أمتلك اللغة الكافية لأصف هذا الأمر، أم هذا الأمر ذاته تعجز اللغة عنه؟ أين النقصان بدقة؟ داخلي، أم في اللغة نفسها، أم في الموضوع؟

الخوف من القناع

يحيلنا التعبير السابق إلى دواخل الموجودات، ما يتحرك فيها ونعجز عن وصفه، كوننا لا نتملك العلم الكافي عنه، وهو بالضبط شأن "الروح"، تلك التي لا تحتكر فقط في الخطاب الديني، فهناك روح العمل الفني وروح الأشياء، تلك التي نتلمس لطائفها، تلويحاً وفيضاً، فكل ما نعجز عن قوله يوصف به هذا "الداخل"، لكن، وهنا الإشكالي، إن لم نكن روحانيين، أو نرفض التسليم بأننا "لا نعلم".

أن يعرف أحدهم الشيء يعني أنه "أدركه بعلمه" (لسان العرب)، واستحالة ذلك تعني أنه "أدرك جهله به وبذاته"

فنحن أمام مشكلة في الإدراك، فكل ما نراه، تمثيل لشيء ما، وجه الحبيب يحضر في الأوجه كلها (بول إيلوار)، جسد ميت في لوحة مهما اشتدت واقعيته، يبقى تمثيلاً تنقصه الروح، إلا في بعض اللوحات، تلك التي تحوي ما لا أعرفه، كلوحة "رأس يوحنا" لمايكل أنجلو.

لكن إن كان كل ما نراه تمثيلاً، وضمنه ما نعجز عن فهمه/ معرفته، أي هناك قناع، فهل أنا أجهل تفسير القناع، أم أجهل ما وراءه؟ فهذا الذي لا أعرفه والذي يتجاوز "التشكيل" والشكل"، والذي يمتلك خاصية تقع وراء بلاستيكيّة المرئي، ما اسمه، كيف أصفه، هل يمكن التقاطه، أعلم أنه في "الداخل"، لكن، كيف أخرجه للعلن، لغةً ورسماً وصوتاً؟

ندرك بعد الحيرة أن هناك دواخل تخاطب بعضها البعض، دواخل كما في تمثال لعليّ شريّ، لا نعرف مصدرها، لكن نتلمس فيضها أبيض، أو دواخل تتقلص سواداً، كما في "ملك الثقوب" لخالد ضوا، نتلصص على ذاك الداخل عبر لانهائية الفتحات في الجسد الفنيّة، لكن هذه الدواخل نعجز عنها كوننا لا نمتلك سوى عدداً ضئيلاً من الفتحات، خمس فقط، لا تتسع كي تدخلها "روح" خارجيّة، بل تكفي فقط لحركة نسيمها.

إحدى تنويعات معاني كلمة "Persona" هي القناع والشخص، لكنها تعني أيضاً الذئب (هوبز)، هناك إذن ما هو حيواني ومرعب وراء القناع/ الشخص، أي أعلم أن ما أراه أمامي قناعاً، وأعلم أني أجهل ما وراءه، فأصرح بعجزي، ربما خوفاً من وحش داخله، أو وحش داخل "أناي" التي لا أعرفها كلياً.

إذن هناك شيء ما، لا يقين حوله، ولا يمكن ترويضه كلياً، لكنه موجود في "الداخل"، نيتشه نفسه يشير إلى ذلك في "إرادة القوّة"، فلابد من Je ne sais quoi، كي ندرك الجمال والقيمة في الأشياء. لكن، ربما هناك غول لا يمكن ترويضه، يفضحني وأفضحه في الآخر، فأكتفي بـ"أنا لا أعرف"، ستراً ولجاماً لنفسي وما فيها، فـ"الفهم، تقطيع للصورة، وفكاً لضمير المتكلم أنا-Je من حيث هو عضو الإنكار البديع"، (رولان بارت)، بالتالي، إنكار الفهم، و العجز عن التقطيع، تثبيت للأنا، وخوف من نكرانها، فربما وراءها، ذئب، أو هاوية، أو عدم.

في لعنة المضارعة

لفظ "أنا لا أعرف"، تعبير شغفي، تلبية لرغبة داخليّة/حركة هدفها التواصل، لابد من التصريح عما يدور في الداخل "الآن" دون حاجة لتأكيده أو نفيه من قبل الآخر، فما أعجز عن التعبير عنه مستمر في الزمن، أي الآن، ولاحقاً أنا عاجز أمامه، وكأننا أمام سحر ما بثّه ما أراه، سحر حرك "الروح" ولجم اللسان والعقل نافياً القدرة على التعبير بدقة. هذا الخارجي المرئي، يحوي ما مسّني دون أن "أراه".

لفظ "أنا لا أعرف"، تعبير شغفي، تلبية لرغبة داخليّة/حركة هدفها التواصل، لابد من التصريح عما يدور في الداخل "الآن" دون حاجة لتأكيده أو نفيه من قبل الآخر، فما أعجز عن التعبير عنه مستمر في الزمن، أي الآن، ولاحقاً أنا عاجز أمامه

العجز عن القول، يمتد إلى العجز عن نقل "المعرفة"، فأنا لا أعرف، تعطل التواصل، وتنفي المحاورة، وتفعّل المغايبة، حيث أبتعد أنا ومن أمامي، شخص أو غرض، عن موضوعـ(نا) كوننا نجهله، وكلما ازدادت محاولات وصفنا له وتحديد حوافه ازددنا غياباً، وكأننا ندرك عجزنا عن الوعي بما يحصل.لكن أين تحدث هذه الحركة/ المسّ، في العقل؟ في الجسد؟

هل هناك فراغ يتحرك فيه شيء لا نعرفه في داخلنا بسبب ما نراه، أي سائل من السوائل الأربعة يغلظ أو يميع إلى حد أنه يهدد التوازن الداخلي، ناهيك أن المس يضرب العقل وقدرته، وكأننا أمام حضور يزيغ البصر عنه ويعجز عن تشكيله، ذاك الذي لا يمكن وصفه، نستطيع فقط الاعتراف بأننا لا نعرف أمام حضوره.

"لا أعرف"، لا تدعو إلى الاستزادة، هي آخر لفظة قبل الصمم، لحظة اليقين بضرورة الصمت، والمثال القرآني شديد الوضوح في ذلك، حين سُئل محمد بن عبد الله عن الروح، بقي" متكئاً على العسيب". صمت ولم "يتحرك"، حافظ على قناع "السكون"، ثم نطق الجواب الشهير بأن "علمها من عند ربه".

"لا أعرف"، لا تدعو إلى الاستزادة، هي آخر لفظة قبل الصمم، لحظة اليقين بضرورة الصمت، والمثال القرآني شديد الوضوح في ذلك، حين سُئل محمد بن عبد الله عن الروح، بقي" متكئاً على العسيب". صمت ولم "يتحرك"، حافظ على قناع "السكون"، ثم نطق الجواب الشهير بأن "علمها من عند ربه"

الحنين إلى "لحظة" الحركة

هناك إذن "حركة" تحدث داخل موضوع التحديق، حركة "أنا لا أعرفها" محطها فراغه الداخلي، حركة يظهر صداها خارجاً، كوني قادراً على فك تشفير ظاهرها دون تلمس الأصل، أي أنا قادر على ترتيب العلامات لأضبط أناي أمام الموضوع جزئياً، لكن لم العجز عن التفسير والاستطراد حول ذاك الذي لا أعرفه، والأهم، هل هناك رابط أو علاقة بين كل أولئك الذين يمتلكون ما لا أعرفه، لوحة، وحامل RPG، وحبيب، ومنحوتة، وقناع، ووحش بلا وجه !

إن افترضنا أن كل ما يحصل ويجري في هذا الكون "سكون"، حسب بعض غلاة المتكلمين، والأشياء، داخلها وخارجها ساكن، إلى أن تحين لحظة "حركة"، لحظة واحدة فقط تفعل ما "لا أعرف"، هذا يفترض وجود سلسلة من "السكنات" التي إن ظهرت "تحرك" سكون "الداخل"، أي، ربما هناك لحظة جماليّة/ روحية.

تحرك فينا ما لا نعرف، حركة، تكشف عن فقدان أتفاداه وأراوغه، ربما، فقدان لغة لم أعد استطيع استخدامها، "أو ليست النقطة الأكثر حساسية في هذا الحداد ماثلة في أن أفقد لغة ما"، يشير بارت هنا إلى فقدان لغة "المحب"، تلك التي ربما فقدت منذ لحظة التفاحة وقضمها أول مرة، حركة أولى، افتتحت أبديةً من السكون، وفقدان للغة الأصل التي لا تحوي "لا أعرف"، هذه الحركة الأولى، فتحت باب المُغايبة والحداد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard