"حياتي كل يوم في خطر هنا"... كيف يعيش ذوو الإعاقة في ظل الانهيار في لبنان؟

السبت 30 أكتوبر 202112:55 م
Read in English:

My Life Is in Danger Every Day Here... The Lives of People with Disabilities in Lebanon

في وقت يتجادل فيه اللبنانيون ويتقاتلون في ما بينهم حول كلّ شيء، ويستثير رؤساء الأحزاب الغرائز البغيضة ويعيدون رسم خطوط التماس بين المناطق، دقّت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، جرس الإنذار من مخاطر الفقر الذي وصل إليه اللبنانيون، وحجم المشاكل المعيشية والاجتماعية، في بلد منهك اقتصادياً ومنقسم سياسياً ومشلول على كافة المستويات.

إذ كشفت دراسة بعنوان "الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان: واقع أليم وآفاق مبهَمة أعدتها الإسكوا، عن تفاقم الفقر في لبنان "إلى حدّ هائل" في غضون عام واحد فقط، مشيرة إلى أن الفقر أصبح يطال 74% تقريباً من مجموع سكان البلاد، وأن نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد تصل إلى 82% من السكان، إذا تم أخذ أبعاد أوسع في الاعتبار، مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة.

ولعل أكثر الفئات المتضرّرة من انهيار لبنان الاقتصادي هي فئة ذوي الإعاقة التي تفاقمت التحديات التي تواجiها في هذه الظروف الصعبة، وكأن الإهمال المتراكم الذي حكم أداء السلطة في إدارة ملف المعوّقين لا يكفيها.

أصبح الفقر يطال 74% من مجموع سكان لبنان، ووصلت نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد إلى 82% من السكان

شهادات موجعة

تخبرنا سرنار حيدر (36 سنة) المصابة منذ 21 عاماً بشلل رباعي، عن التحديات التي تواجهها مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان.

وهي التي عاشت 14 سنة حياة طبيعية قبل أن تُصاب بورم في النخاع الشوكي؛ وتؤدي محاولة استئصاله إلى شللها بشكل شبه كامل.

تُرجّح سرنار أنّ الحالة التي هي فيها اليوم هي نتيجة خطأ طبيّ، وتقول: "أنا ما كان مفروض إنشلّ، أنا عملت العملية لحتّى الورم ما يؤدي إلى شللي. لكننا في لبنان... وإلى الآن ما عندي معلومات كافية عن وضعي".

سرنار قبل وبعد العمليّة

تخبرنا سرنار أنها لولا دعم أخيها الموجود في الخارج لكانت حياتها في خطر. "أنام على فرشة هواء، وعلى الهواء أن يُضخّ في هذه الفرشة 24/24 وإن توقّف الضخ قد أصاب بتقرحات جلدية تؤدي إلى التهابات حادة".

"ندفع فاتورة كهرباء وفاتورة موتور ورغم ذلك تبقى ساعات الانقطاع طويلة. أنا محظوظة لأنّ أخي المغترب اشترى لي لوحة تعمل على الطاقة الشمسية، تؤمن ضخ الهواء في فرشتي بشكل دائم. لكنيّ أفكّر بمن إمكانياتهم وظروفهم لا تسمح بتأمين هذا (البديل عن البديل). أي مخاطر يا تُرى بانتظارهم؟".

وتضيف سرنار: "في ظل الأزمة الحالية، ومع انقطاع الدواء وانهيار القطاع الاستشفائي ومع غياب أيّ تقديمات استشفائية أو دوائية أو مادية من الدولة اللبنانية، حياتي كل يوم في خطر هنا".

وتروي سنا مراد (اسم مستعار)، المصابة بضمور عضلي وفشل رئوي والتي تعيش على جهاز التنفس الصناعي، أنّها تضطر إلى تشغيل جهاز التنفس بنفسها بشكل يدويّ كي تبقى على قيد الحياة.

"في ظل الأزمة الحالية، ومع انقطاع الدواء وانهيار القطاع الاستشفائي ومع غياب أيّ تقديمات استشفائية أو دوائية أو مادية من الدولة اللبنانية، حياتي كل يوم في خطر هنا"

"أنا وأخي على جهازيْ التنفس، واشتركنا بموتورين كي نضمن عدم انقطاع الكهرباء عن أجهزتنا، ومع ذلك بقينا نواجه مشكلة الانقطاع. فتبرّع لنا معارفنا بلوحة طاقة شمسية. وعندما ظننّا أن المشكلة حُلّت، بدأت تواجهنا عقبات من مالكة البناية ومن وزارة الطاقة (من طلب تراخيص وغيرها) وكأنا قضيتنا ليست قضية حياة أو موت".

مؤسسات الرعاية تئن

وبدوره يضيء مدير "جمعية أصدقاء المعوقين" الدكتور رولان لحود، على التحديات التي تواجه مؤسسات الرعاية، فالانهيار الاقتصادي أرخى بثقله على كاهل المؤسسات والأزمة الاقتصادية أثّرت على كل جوانب تشغيلها، من رواتب الموظفين الذين يكادون يتحولون بدورهم إلى حالات اجتماعية، وصولاً إلى أزمة المحروقات التي أثّرت على كلفة النقل وكلفة تشغيل المولد وصولاً إلى أزمة الكهرباء والإنترنت.

يقول لحود: "نهتمّ بـ160 تلميذاً، يشكون من أنماط مختلفة من تأخر عقلي، بسيط ومتوسط إلى شديد، كلّهم على حساب وزارة الشؤون الاجتماعية. والوزارة لم تدفع مستحقاتنا المالية منذ أكثر من 20 شهر. كما أنّ البدلات التي تدفعها وزارة الشؤون لمؤسسات الرعاية تأخذ بالحسبان غلاء المعيشة الذي وصلنا إليه في العام 2011".

والمطلوب اليوم، بحسب لحود، رفع الكلفة اليومية المدرجة للتلميذ في العقود المدرجة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تراوحت وفقاً لموازنة لغلاء المعيشة 2011 من 19 ألف ليرة لذوي الحاجات الطفيفة إلى 40 ألف ليرة لذوي الحاجات الحادة، مشيراً إلى أننا "نتمنى أن ترتفع الكلفة اليومية وفقاً لموازنة 2020-2022 من 100 ألف إلى 150 أقلّه عن كل تلميذ".

جمعية اصدقاء المعاقين

ويخبرنا رئيس الاتحاد الوطني للإعاقة العقلية، الدكتور موسى شرف الدين، عن المصاعب الكارثية التي تواجه ذوي الإعاقة في الظروف الحالية، في ظل غياب أي اهتمام من الدولة وعدم سعيها إلى تحقيق دمج حقيقي لهم في المجتمع.

"أنا وأخي على جهازيْ التنفس، واشتركنا بموتورين كي نضمن عدم انقطاع الكهرباء عن أجهزتنا، ومع ذلك بقينا نواجه مشكلة الانقطاع. فتبرّع لنا معارفنا بلوحة طاقة شمسية. وعندما ظننّا أن المشكلة حُلّت، بدأت تواجهنا عقبات من مالكة البناية ومن وزارة الطاقة (من طلب تراخيص وغيرها) وكأنا قضيتنا ليست قضية حياة أو موت"

ويشدد على ضرورة دفع مستحقات الجمعيات وإعادة النظر في الكلفة اليومية التي تغطيها وزارة الشؤون، والتي توازي اليوم 300 ألف ليرة لبنانية وفقاً لسعر صرف الدولار.

كما المطلوب متابعة العمل مع وزارتي العمل والداخلية لإعفاء الأسر التي لديها أطفال من ذوي الإعاقة من رسوم إقامة العاملات المنزليات وإجازات العمل، لأنه لا يمكن لهذه العائلات الاستغناء عن خدمات هؤلاء العاملات.

ويلفت شرف الدين إلى ضرورة إدراج كل الأشخاص وذويهم ضمن لوائح البطاقة التمويلية وتعديل أحكامها، لأن عائلة ذوي الأشخاص تستعين بعاملة توفر الخدمة لأبنائهم، إضافة إلى المسارعة في توفير المستلزمات الطبية التي يحتاجها ذوي الإعاقة.

وعود وزارة الشؤون الاجتماعية

تواصلنا مع المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية، القاضي عبدالله أحمد، للوقوف على خطط الوزارة المتعلقة بذوي الإعاقة في ظل الأزمة الحالية.

فأخبرنا أحمد أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية هي اليوم بصدد وضع خطة شاملة تضمن اندماج ذوي الإعاقة بالمجتمع، وذلك بناءً على دراسات وتوصيات المنظمات الدولية المختلفة التي تتعاون معها الوزارة.

ومن أبرز سمات هذه الخطة، تحديث الوزارة لقاعدة بياناتها الخاصة بذوي الإعاقة، والعمل على إصدار "بطاقة المعوّق الممغنطة" التي تمكّن الوزارة من تتبّع وضع ذوي الإعاقة الصحي، تحديد العلاجات المطلوبة لكل حالة بحالتها والأدوية التي يحتاجها الأشخاص لتساعدهم على تأمينها.

وبالنسبة لقضية التأخر في دفع وزارة الشؤون الاجتماعية مستحقات الجمعيات التي ترعى حقوق ذوي الإعاقة المختلفة، فقد أكّد أحمد أنّ قضية دفع المستحقات عالقة عند وزارة المالية، وأنه يتابع موضوع دفعها من خلال التواصل الدائم مع الوزارة المعنية. كما يجري البحث حالياً، من خلال ما أكده أحمد، بتقديم سلفة للجمعيات عن العام 2021 تغطي نسبة 60% من تكاليفها السنوية دعماً لها وتعزيزاً لاستمراريتها.

وعن المشاكل الاستشفائية التي تواجه ذوي الإعاقة، امتناع عدد كبير من المستشفيات عن الاعتراف ببطاقة الإعاقة التي تعطيها وزارة الشؤون الاجتماعية للأشخاص المعوقين، والتي تكفل تسديد الجهات الضامنة لفارق الفواتير الاستشفائية، قال أحمد إن وزارة الشؤون الاجتماعية على علم بهذه المشاكل، وأنّه يتابعها شخصياً مع وزير الصحة الحالي الدكتور فراس أبيض، الذي أبدى تجاوباً كبيراً مع قضايا ذوي الإعاقة المختلفة.

وبالنسبة لمشكلة المازوت والمحروقات التي تواجه المؤسسات، فقد استبعد أحمد أن تكون وزارة الطاقة بصدد تغطية النفقات المترتبة على الجمعيات والمعلمين. "هي أزمة على الجميع"، يؤكد أحمد.

وفيما يتعلق برفع الكلفة اليومية المدرجة للتلميذ في مؤسسات الرعاية، أكّد أحمد أنها مطلب محق، وأنّ الوزارة بصدد رفعها لكن الإمكانيات محدودة.

وختم المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية القاضي عبدالله أحمد حديثه بالقول: "لتتمكن وزارة الشؤون الاجتماعية من دعم ذوي الإعاقة والمؤسسات التي ترعاهم هي بحاجة لزيادة في موازنتها. ومن دون حصولنا على هذه الزيادة، لن نتمكن من تقديم ما يلزم من دعم".

هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard