"الحياة مخيفة أكثر من الموت"... نساء عراقيات في الموصل بين الانتحار والرغبة به

الجمعة 2 أكتوبر 202010:08 ص

هذا التحقيق أُنجز بدعم وإشراف من مؤسسة كانديد الألمانية.

دخلت آيدان (اسم مستعار) مع أختها التي ساعدتها على الجلوس، لم تشغل سوى نصف حَيّز من الكرسي. كتلة جسدية ذاب نصفها قبل ستة أشهر، فانحنى الظهر وتقارب التصاق الجسد بالوجه بعد تقلص حجم الرقبة. لم نحاول تخمين عمرها، لأننا لن نفلح، فملامح الوجه اختفت تماماً. أخبرتنا أن عمرها 34 عاماً.

آيدان، ربة بيت وأم لثلاثة أطفال، تقرأ ولا تكتب، سكبت زيت التدفئة على ملابسها ورأسها في حمام بيت أهلها، الواقع في الجانب الشرقي لمدينة الموصل، في حزيران/ يونيو الماضي. التقيناها في "مركز داري" المخصص للعلاج النفسي، في الجانب الغربي للمدينة. كانت تزوره صدفة في ذلك اليوم، جاءت إلى مستشفى حكومي قريب تبحث عن خدمة تجميل لحروق جسدها. لم تجد هناك عمليات ولا مستشفى للحروق، فالخدمات الصحية في الموصل شحيحة جداً، وسط دمار البنى التحتية للمؤسسات منذ ما يقارب الأربع سنوات، إثر العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الموصل، بعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي عليها لثلاث سنوات.

سألناها فيما إذا شعرت بالخوف لحظة إضرام النار في جسدها، فقالت: "كنت أرتجف مرعوبة، ولكن ما هو البديل؟ أردت الموت ووضع نهاية لكل الضغوط والقهر".

قرار الموت وإنهاء الحياة، قامت به آيدان خمس مرات خلال عشر سنوات، تنوعت بين محاولات الحرق وابتلاع شرائط الأدوية، بهدف إيقاف العنف من زوجها وإصرار أهلها على الطلاق.

سنوات العنف الجسدي والنفسي التي طالتها من الزوج الذي يدير فرناً للخبز، ووضعه المادي الذي تصفه الزوجة بالجيد، جعل أخاها يصر على طلاقها وتركها الأطفال، وهذا ما كانت تخشاه وترفضه. فعذر الأهل هو عدم القدرة المالية على تربية الصغار، وفكرة الطلاق والعيش مع أطفالها في بيت مستقل، حتى لو كان بجوار أهلها، مرفوضة تماماً في أعراف عشيرتها، هذا ما ذكرته أختها.

ذكرت آيدان أن زوجها يضربها لأنه لا يحبها، وهناك تدخلات في حياتهما من قبل والد الزوج.


الصورة لـ "آيدان" – سيدة موصلية أقدمت على الانتحار تحاول الحصول على خدمة العلاج النفسي  

مدينة الموصل هي مركز محافظة نينوى، تقع شمال العراق، وتبعد عن العاصمة بغداد قرابة 500 كم. يبلغ عدد سكان المحافظة أربعة ملايين نسمة، وتشكل النساء نصف العدد تقريباً، وتعرف المدينة بطابعها المحافظ وتنوعها الديني والقومي.

"كنت أرتجف مرعوبة، ولكن ما هو البديل؟ أردت الموت ووضع نهاية لكل الضغوط والقهر".

منذ أكثر من سنتين، جرت بعض محاولات الانتحار بشكل علني، وتكررت مشاهد النساء والفتيات وهن يرمين بأنفسهن من فوق الجسور في نهر دجلة. أبرزها حادثة انتحار فتاة من أعلى الجسر العتيق، في الثامن عشر من شهر أغسطس/آب 2019، والتي انتهت بموتها، وهو أمر يسميه أطباء علم النفس "السلوك الانتحاري".

أعمار المنتحرات تتراوح بين العشرين والخمسين، وغالباً ما تنتشر صورهن على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتم جلد الناجية معنوياً وتوصف غالباً بـ "الكافرة" و"المستهترة".

رصدنا العام الماضي، خلال متابعتنا للقضايا والحالات من خلال مصادر طبية وشهود عيان داخل المستشفيات، إضافة إلى متابعة الأخبار التي تُنشر عبر وسائل الإعلام، ثلاث حالات انتحار لنساءٍ حوامل، قمن بحرق وشنق أنفسهن، اثنتان منهن فارقتا الحياة، وحسب المصادر الطبية في المدينة، فإن العنف الأسري والحاجة المادية كانتا من أبرز الدوافع.

آخر المحاولات العلنية جاءت خلال شهر أغسطس/آب الماضي، عندما انتحرت سيدة أمام مبنى محافظة نينوى، بعد انتظارها أربع ساعات أمام البوابة، حيث أحرقت نفسها بالبنزين لتعبر عن يأسها من الاستجابة لإدخالها المبنى وتقديم شكواها. محافظ نينوى، نجم الجبوري، أعلن لاحقاً أن "السيدة تعاني من مشكلات نفسية، وأن هذه هي محاولتها الرابعة للانتحار". الموضوع لم يأخذ أكثر من حديث يوم على مواقع التواصل الاجتماعي، لينسى الأمر برمته صباح اليوم التالي.

سيدة تتسول- الجانب الشرقي (الأيسر) مدينة الموصل

حالات مخفية لا تُسجل

بحسب أرقام أوضحتها مفوضية حقوق الإنسان في محافظة نينوى حول حالات الانتحار، حيث تصاعدت من 22 حالة في العام 2018 إلى 45 حالة في العام 2019، بينها عشرون امرأة، مع وجود حالات غير مسجلة. هذه الأعداد يراها العاملون في مشاريع الدعم النفسي وبرامج حماية المرأة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، لا ترصد الواقع الحقيقي لحجم المشكلة وتفاقمها. 

علي الرسام، يعمل مديراً لستة مراكز مخصصة لرعاية المرأة التابعة لمنظمة "المسلة"، التي تقدم خدمات الدعم النفسي وخدمات إدارة الحالة للنساء والفتيات المعنفات، يقول في حديث خاص: "إن التعتيم الإعلامي وعدم إظهار الأرقام الحقيقية لحالات الانتحار في الموصل، يفضح الخلل في الأداء الحكومي، ويشير إلى النقص الحاد في توفير الفرص والخدمات للمواطنين، خصوصاً الصحية، وسط تزايد ملحوظ للعنف ضد النساء في المجتمع الموصلي، دون اتخاذ أية إجراءات لتقليله". 

وحول الأعداد المسجلة لدى بعض منظمات المجتمع المدني التي تمكنا من التواصل معها، يقول الرسام: "في العام 2019 وصلتنا 60 حالة انتحار، في ثلاثة مراكز فقط داخل المدينة، لنساء وفتيات تراوحت أعمارهن بين 15 و60 عاماً، تظهر على أجساد بعضهن الجروح الصعبة. وتنوعت الحالات بين محاولات جدية متكررة وبين تفكير ونوايا، وأحياناً كثيرة خطط لتنفيذ فكرة الانتحار".

تعمل غادة محمد (اسم مستعار) باحثة اجتماعية في عدد من المشاريع الدولية لحماية المرأة، تقول في حديث خاص: "خلال سنة واحدة كنت مسؤولة عن التعامل مع 30 شابة حاولن الانتحار، بينهن اثنتان تعرضتا للاغتصاب، وتتوزع الحالات بين جانبي المدينة الشرقي والغربي".

غالباً ما تتحفظ العائلات على كشف أسباب وفيات بناتها ونسائها، خوفاً من "العار الاجتماعي"، فيكون الانتحار موتاً غير معلن عنه، أو مسكوتاً عن دوافعه في مجتمع يصف نفسه بـ "المحافظ"، ويراها ميزة فيه دون غيره من المجتمعات. وأحياناً يأتي الانتحار للتغطية على الدافع الحقيقي، خاصة في حالات جرائم التحرش والاغتصاب أو الابتزاز الجنسي، وهذا ما لمسناه خلال المقابلات المتنوعة.

يقول محمود السبعاوي، وهو طبيب نفسي في منظمة "أطباء بلا حدود": "ما يقارب نصف الحالات التي تصل للطبيب أو المعالج النفسي ترفض الإفصاح عن قيامها بالانتحار، لأسباب تتعلق بأن الانتحار وصمة عار اجتماعية، وأحياناً تخشى النساء المساءلة القانونية للأطراف التي تدفعها للانتحار، فتتكتم على الأسباب خوفاً من سلطة العائلة أو الزوج".

حول تصاعد العنف ضد المرأة والدعاوى القانونية المقدمة، كشفت مفوضية حقوق الإنسان، ضمن كتاب رسمي وصلنا محفوظ في ملف التحرير، عن 296 حالة خلال العام 2019، ووصلت خلال الأشهر الستة الأوائل من هذا العام إلى 174 دعوى قانونية، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن النساء "غالباً لا يشتكين عندما يتعرضن للعنف، لاعتبارات اجتماعية".

خلال متابعتنا للقضايا والحالات من خلال مصادر طبية وشهود عيان داخل المستشفيات، رصدنا ثلاث حالات انتحار لنساءٍ حوامل، قمن بحرق وشنق أنفسهن، اثنتان منهن فارقتا الحياة، وحسب المصادر الطبية في الموصل، فإن العنف الأسري والحاجة المادية كانتا من أبرز الدوافع

سوق الشعارين – مركز مدينة الموصل - Laith [email protected]

أسوار عالية 

تباين عمراني وثقافي شاسع، ومادي أيضاً، ما بين جانبي المدينة الشرقي والغربي، اللذين يفصلهما نهر دجلة، فالغربي - يسمى الساحل الأيمن - لا يزال مدمراً بنسبة تتجاوز الـ 70%، ويعاني ساكنوه من الفقر. وبرغم الاختلاف، هناك تشابه كبير تلحظه عندما تسير في المناطق المختلفة، أسوار عالية لغالبية البيوت، تحجب الرؤية بشكل تام.

"اختلف الشكل الاجتماعي للمرأة والعائلة العراقية بالكامل، فيما لو تمت المقارنة بين فترة السبعينيات والتسعينيات. بدأ الأمر مع المد الديني في المنطقة، وانطلاق الحملة الإيمانية التي رعتها الدولة في العام 1993، فتغير شكل العلاقات بين فئات المجتمع، وتصاعدت موجة الحجاب واللبس الفضفاض للمرأة، وحضورها الدروس الدينية في الجوامع والمساجد. وسط تنامي الفقر وارتفاع عدد الأرامل والأيتام، جرّاء حرب الخليج الثانية 1991". هذا ما قاله الباحث الاجتماعي، أيوب سالم، في حديث خاص. 

وأضاف: "خلال فترة اللا دولة وانهيار منظومة الدولة المركزية في العام 2003، بدأت الجماعات الدينية المتطرفة تنشط في الموصل، وسط صراع سياسي بين المحافظة وبين المركز في بغداد. فتزايدت عمليات التفجير واستهداف المدنيين والعسكريين وتدمير البنى التحتية. ما أدى إلى عزل المرأة في المدينة، وسط انعزال الموصل بشكل كامل عن بقية المجتمعات العراقية. وفُرض الحجاب على النساء، حتى غير المسلمات منهن، وكثرت حالات الحرمان من التعليم وترك المرأة للعمل، لاسيّما بعد انتشار الأسلحة والانفلات الأمني التام، وصولاً إلى سقوط المدينة بالكامل في العام 2014 على يد عناصر داعش".

الخلاص من التنظيمات المتطرفة واستعادة الدولة العراقية السيطرة على أراضي الموصل في نهاية العام 2017 "لم ينهِ انغلاق المجتمع الموصلي وعزل المرأة، فآثار ما بعد الحرب، وترِكتها الثقيلة من الفقر والصدمات النفسية، إضافة للتحديات والقيود الدينية والاجتماعية والقبلية، كافية لاتخاذها قرار الانتحار صمتاً وأحياناً خوفاً"، بهذا ختم الباحث قوله.

تعددت الدوافع والموت واحد

التقينا عشر سيدات بأعمار متفاوتة ما بين 17 و60 عاماً، معظمهن لا يقرأن ولا يكتبن. بينهن سبع محاولات انتحار جدية متعددة الطرق والدوافع، واثنتان تفكران بالانتحار، وواحدة أخرى تخطط للأمر. بعضهن تجاوز الخمسين وما زلن يتعرضن للتعنيف والتجويع مع مسؤولية إعالة الأسرة، بوجود زوج عاطل عن العمل يعاني من أزمات نفسية. وتحدثنا مع شابات زُوِّجن وهن قاصرات أو أجبرن على الزواج من أولاد أعمامهن، وفق التقليد العشائري الذي يطلق عليه "النهوة"، إضافة لأخريات فقدن المعيل بعد موت الزوج أو قتله.

نسرين، فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، تقرأ بشكل بسيط، متزوجة منذ شهر آذار/ مارس الماضي، حامل. كانت قد أقدمت على الانتحار قبل ثلاثة أيام فقط من لقائنا بها في مركز للعلاج النفسي التابع لمنظمة داري الطبية وسط الموصل، بعد ابتلاعها شريط دواء كامل. أنقذها زوجها الشاب الذي يعمل بنّاءً. وهو عمل شاق يتطلب غيابه عن البيت طوال ساعات النهار. شاهدناه خائفاً وهو يقف قرب غرفة الطبيب، ومتحيراً يسأل الباحثة النفسية عن سبب انتحارها. بدأت نسرين منذ ثلاثة أشهر تشعر بالحزن والاكتئاب وفقدان الشهية والنوم طوال ساعات النهار، تقول: "الحياة مخيفة أكثر من الموت، الحياة أتعبتني. أريد الموت، أنا والطفل الذي في بطني، لأرتاح".

أخبرنا الطبيب الذي شخّص حالتها الصحية، أنها تعاني اكتئاباً حاداً لسبب غير معروف، فقد رفضت الحديث عن دوافعه. لكنها أخبرتنا بشكل خاص ومقتضب أنها لم تكن تريد الزواج، أرادت فقط البقاء قرب أمها، وأنها تشعر بالندم بسبب إقدامها على الانتحار، خاصة بعد أن رأت بكاء زوجها وهو ينقذها.

بعدها انتقلنا من مركز المدينة إلى منطقة عشوائية تسمى "حي الانتصار" في شرقي الموصل، لنتحدث إلى خالدة، وهي سيدة في الخمسين، تعيش في بيت طيني وتعمل خبازة لتعيل أسرتها المكونة من زوج لا يعمل؛ أجبرت على الزواج منه، وثلاث فتيات إحداهن ابنة أختها التي تعاني شللاً رباعياً.

جميع من تحدثنا إليهن لم يزرن طبيباً نفسياً، ولا مركزاً للدعم النفسي الاجتماعي، ولا يعرفن أين تتوفر مراكز هذه الخدمات. وبعضهن رفضن الفكرة لأسباب تتعلق بـ "الوصمة الاجتماعية" أو عدم الثقة بالطبيب

قامت خالدة (اسم مستعار) بأربع محاولات انتحار، أوقفتها إحدى جاراتها عن حرق نفسها ذات مرة، تعاني قلقاً نفسياً حاداً وفقداناً للثقة في النفس. كررت خلال حديثها عبارة "أشعر أنني ناقصة ولا أشبه الآخرين". تدهورت حالتها الصحية أكثر بعد وفاة طفلتها وأختها في العمليات العسكرية، إضافة لانتحار إحدى قريباتها أمام أنظارها. تقول عنها: "كانت شابة متزوجة حديثاً، شاهدتها تحترق ولم أستطع إنقاذها". وسبق لخالدة أن تناولت مضاداً للاكتئاب لا تعرف اسمه، قبل ثلاث سنوات، خلال موجة الحرب والنزوح، عندما كانت تسكن مخيمات إقليم كردستان، لكنها لم تراجع أي طبيب منذ عودتها إلى المدينة. هي تعاني من الكوابيس بشكل يومي، وتشعر أن أحداً يراقبها باستمرار، لذا فهي تلجأ في بعض الأحيان إلى رجل دين تسميه "السيد"، ليتلو عليها بعض الآيات القرآنية، بعد أن يضغط بقوة على عينيها. وتقول "لكني لم أتحسن".

جميع من تحدثنا إليهن لم يزرن طبيباً نفسياً، ولا مركزاً للدعم النفسي الاجتماعي، ولا يعرفن أين تتوفر مراكز هذه الخدمات. وبعضهن رفضن الفكرة لأسباب تتعلق بـ "الوصمة الاجتماعية" أو عدم الثقة بالطبيب.


 بوابة مدينة الطب – مركز مدينة الموصل -  Walid Al-Akidi @

ما فعلته الحرب

منظمة الصحة العالمية كانت قد أعلنت في مسح سابق لها حول الصحة النفسية للمواطنين في العراق، أن 16.5% من السكان فوق سن 15 عاماً يعانون من اضطرابات نفسية.

العمليات الإرهابية الطويلة التي استمرت في مدينة الموصل منذ العام 2005، وانتهت بالعمليات العسكرية لمواجهة داعش في 2017، كان لها تأثير واضح في تدهور الصحة النفسية لكافة الفئات بشكل عام، والمرأة على الخصوص.

التقينا باستشاري في الطب النفسي، رفض الكشف عن اسمه، كان من ضمن ثلاثة أطباء نفسيين فضلوا البقاء داخل المدينة، لتقديم الخدمات الصحية خلال تواجد تنظيم داعش. يقول: "لا يوجد انتحار متزايد، لكن توجد زيادة في السلوك الانتحاري، أي التهديد والتلويح بالانتحار، وهو سلوك اندفاعي ناتج عن المشكلات الاجتماعية والضغط العائلي، ويحدث غالباً بدون تخطيط مسبق، لكنه قد يؤدي للموت فعلاً". وأكد الاستشاري النفسي أن النساء أكثر جدية من الرجال في السلوك الانتحاري، وتنفيذ الانتحار، بعد التهديد والتلويح به، قد يقوم به الإنسان في أي مرحلة عمرية.

لكن بعض محاولات الانتحار التي التقيناها كانت ناتجة عن أمراض نفسية، مثل القلق والاكتئاب لأسباب تتعلق باليأس وفقدان الأمل وعدم وضوح الرؤية للمستقبل، لذا يقسّم الطبيب الاستشاري الإصابات النفسية لدى سكان الموصل إلى فئتين: الفئة الأولى هم ممن عانوا من الصدمات النفسية خلال فترة حكم داعش، إما بشكل عام كأحد أفراد المدينة، أو بشكل خاص بعد تعرضهم لعقوبة شديدة، أو لفقدان أحد أفراد عائلته على يد عناصر التنظيم. 

إضافة إلى "اضطرابات ما بعد الصدمة" الناتجة عن العمليات العسكرية، خصوصاً أن القتال كان شرساً داخل الأحياء السكنية. أما الفئة الثانية، فهم المصابون بـ "الاضطراب الذُهاني الحاد"، أو فقدان عقلي نتيجة انفعال قوي، جراء خوف أو صدمة شديدة ولم يتلقوا العلاج، فلم تكن تتوفر المراكز والأدوية في السنوات الثلاث لسيطرة داعش، أو خلال العمليات العسكرية.

يؤكد الطبيب بالقول: "أكبر نسبة للأمراض التي تعاني منها المراجعات للعيادة هي الاكتئاب والقلق، فالمرأة أكثر من يتأثر بعدم الاستقرار، وحريتها مقيدة مع البيت وأفراده، خاصة أن خياراتها بالمجتمع محدودة، ولا تملك فرص الخروج واللقاءات الاجتماعية مثل الرجل".

يشتكي بعض الأطباء النفسيين من عدم وجود مستشفى للأمراض العقلية، أو مأوى للحالات النفسية الحرجة لمن يحتاجون إلى المراقبة الطبية أو العناية لفترة طويلة، خاصة أن "استخدام الأدوية المضادة للاكتئاب تزيد من احتمالية الانتحار خلال الأسابيع الأولى"، يختم الاستشاري النفسي حديثه.

"لا يوجد انتحار متزايد، لكن توجد زيادة في السلوك الانتحاري، أي التهديد والتلويح بالانتحار، وهو سلوك اندفاعي ناتج عن المشكلات الاجتماعية والضغط العائلي، ويحدث غالباً بدون تخطيط مسبق، لكنه قد يؤدي للموت فعلاً"


 حي جامع خزام – الموصل القديمة تسكن العوائل في بيوت مهدمة والمنطقة لا تزال الجثث تحت ركامها

عندما يكون الفقر قاتلاً

ملامح من التقيناهن متشابهة برغم التفاوت الكبير في الأعمار، ألوان وجوه شاحبة تميل للصفرة، عيونهن لا تستقر عند النظر، تنتقل سريعة بين الجدران وأثاث الغرفة، دون النظر إلى الجالس أمامهن.

 جميعهن يرتدين عباءات سوداء تغطي كامل الجسد، وعلى رؤوسهن أغطية غامقة جداً يحاولن عصبها بقوة على الرأس. لكن نورا (اسم مستعار) كانت مختلفة قليلاً، نظراتها فيها لمعة خجولة، وخصلات شعرها الذهبية اللون واضحة من تحت الحجاب المزركش. عمرها 23 عاماً، تزوجت منذ سنة ونصف، لديها طفلة بعمر ثمانية أشهر، تسكن في منطقة عشوائية تعرف بـ"حي التنك"، أقصى الجانب الغربي للمدينة.

يُذكر أن نسبة الفقر في محافظة نينوى وصلت إلى 37.7% خلال هذا العام 2020.

حاولت الانتحار ثلاث مرات، مرتان شنقاً، ما دفع أهل زوجها إلى طردها من منزلهم. متزوجة من قريبها وهو شاب يصغرها بعامين، عاطل عن العمل منذ بداية الزواج، وينتمي لعائلة تصفها نورا بـ "الفقيرة جداً". وتضيف: "هو لطيف ولا يضربني لكني لم أختره، منذ الطفولة أخبروني أنه سيكون زوجي وهكذا تم الأمر". تقول ذلك وهي تحرك يدها اليسرى، كانت ترتدي خاتماً معدنياً رخيصاً.

ما يدفع نورا للانتحار هو العوز المادي، وأنها لا تملك ثمن شراء حليب للطفلة التي تعاني من "حساسية القمح"، وهذا يتطلب توفير عشرة دولارات أسبوعياً. تعاني بسببه من "اكتئاب متوسط" يجعلها تفقد السيطرة أحياناً على أفكارها، لدرجة أنها حاولت قتل الصغيرة عندما أفرطت بالبكاء بسبب الجوع والإسهال. يقول أخ نورا الذي يرافقها لمركز العلاج النفسي ويساندها: "فكرتُ في الانتحار عندما علمت أنها حاولتْ الموت، أخاف عليها لكني لا أملك طريقة لمساعدتها مادياً وهذا ما يؤلمني".

تواصلنا مع والدة نورا خلال الأسبوع الماضي، أخبرتنا أن حالتها الصحية تتراجع فهي فاقدة للشهية منذ أسبوع، وتوقفت عن تناول دواء الاكتئاب في الفترة الأخيرة. لا تفكر عائلتها بانفصال ابنتهم عن زوجها العاطل عن العمل، فهذا "مخالف لعاداتهم".

يذكر أن نسبة الفقر في محافظة نينوى وصلت إلى 37.7% خلال هذا العام 2020، بحسب إحصاءات وزارة التخطيط.

النظام الصحي وتفاقم الإصابات النفسية

قدرت نسبة دمار المؤسسات الصحية بـ 70% بحسب تقرير مفوضية حقوق الإنسان. وأن العدد الفعلي للمستشفيات الحكومية العامة لمحافظة نينوى أجمع هو 16 مستشفى، أما السعة السريرية فتكاد تكون الأخفض بين المحافظات، بما يقارب 1600 سريرٍ في المحافظة التي يصل عدد سكانها إلى أربعة ملايين نسمة تقريباً. وبحسب نقابة الأطباء، يبلغ عدد العيادات النفسية 17 عيادة فقط، 14 طبيباً منهم يعملون في المستشفيات الحكومية.

"الطب النفسي بشكل عام تدهور منذ منتصف التسعينيات، بسبب عدم اهتمام الحكومة وقلة ملاكات الطب النفسي. الكارثة الكبرى كانت بعد سنة 2003، حيث صاحبت عملية التغيير فوضى عارمة في إدارة المؤسسات الصحية، التي كان لها توجه واضح بنقل الخدمات من الموصل إلى مدن ومناطق أخرى". هذا ما قاله أحد الأطباء في حديث خاص رفض الكشف عن اسمه.

قمنا بجولة مستمرة داخل المدينة لزيارة بعض المستشفيات في مواقعها البديلة، بعد أن دمرت مواقعها الأصيلة. توجهنا من الجانب الغربي إلى "منطقة الرشيدية" الواقعة شمال الموصل، لزيارة مستشفى "ابن سينا التعليمي"، علمنا مسبقاً أنها تضم أكبر وحدة نفسية.

لافتة كبيرة تعلو المبنى بعنوان "مستشفى أمراض الحبل الشوكي"، لكنها في الواقع موقع بديل عن مستشفى ابن سينا التعليمي المدمر. توجهنا مباشرة للبحث عن ردهة الأمراض النفسية. لم نستدل عليها بسهولة، فالمكان تسوده الفوضى وانعدام النظام. سألنا بعض الأطباء والعاملين وأخبرونا بأنه "لا توجد ردهة خاصة بالأمراض النفسية، بل غرفة واحدة فقط داخل الوحدة الخاصة بأمراض الجهاز التنفسي".

وصلنا الممر الذي يضم على جانبيه ما يقارب عشر غرف مخصصة لأمراض الصدر والجهاز التنفسي، وغرفة واحدة حملت لافتة صغيرة كتب عليها (النفسية/ رجال).

حاولنا فتحها، علمنا أنها مغلقة ولا تحتوي غير سريرين للحالات الطارئة فقط، بحثنا عن غرفة أخرى تكون مخصصة للنساء فلم نجد، قيل لنا: "لا تتوفر غرفة للنساء حالياً، وكانت سابقاً موجودة لكنها استخدمت لأغراض أخرى".

رأينا رجلاً يرتدي "دشداشة" ينام على الأرض ويجاوره آخر يرتدي قميصاً وبنطلوناً، رجال آخرون يرتدون أزياء عربية يقفون أمام باب كتب عليه اسم منظمة دولية، قررنا الدخول لنجد الطبيب هناك.

"الطب النفسي بشكل عام تدهور منذ منتصف التسعينيات، بسبب عدم اهتمام الحكومة وقلة ملاكات الطب النفسي. الكارثة الكبرى كانت بعد سنة 2003، حيث صاحبت عملية التغيير فوضى عارمة في إدارة المؤسسات الصحية، التي كان لها توجه واضح بنقل الخدمات من الموصل إلى مدن ومناطق أخرى"

أوضح الدكتور محمد صالح القيسي، اختصاص الطب النفسي في مستشفى ابن سينا التعليمي الحكومي، أنه في "مدينة الموصل توجد ثلاثة مراكز نفسية، موزعة على مستشفيات "السلام"، "ابن سينا" و"الموصل العام"، يقتصر عملها على تقديم الخدمة الاستشارية الخارجية للمرضى". وبيّن أنه "لا يوجد في محافظة نينوى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية أو مركز صحي خاص بإيواء المرضى النفسيين المحتاجين للمراقبة والعلاج النفسي، متوسط أو طويل المدى".

يتابع القيسي: "لدينا ثمانية أطباء نفسيين، وعيادة استشارية مخصصة لوصف العلاج الدوائي. إضافة لجهاز الصدمات الكهربائية، عالمياً توقف استخدامه لكننا ما زلنا نستخدمه مع بعض المرضى من الطبقة الفقيرة، ممن لا يتمكنون من متابعة العلاج الدوائي المكلِف مادياً".

كما أنه لا تتوفر إمكانية الدخول والمبيت للمرضى بسبب عدم توفر خدمات الطعام والرعاية المستمرة لهم، ويعتمد الأطباء النفسيون على العلاج الدوائي بشكل أساسي، أما خدمة العلاج النفسي السلوكي عبر جلسات الدعم والاستماع وتغير السلوك من خلال الباحثين والمعالجين، فهي غير مفعلة في المراكز النفسية الحكومية بشكل عام.

يضيف القيسي: "المسمى الوظيفي موجود ضمن وزارة الصحة لكن فعلياً وعلى الواقع الخدمة غير مفعلة، والخلل هو في النظام الصحي المتبع".

 وحول عمل المستوصفات الطبية الصغيرة داخل الأحياء فيما إذا كانت تقدم خدمات الصحة النفسية للمواطنين أو تتبع بروتوكولاً خاصاً بإحالة المرضى والمصابين للمستشفيات، يقول القيسي: "لا يوجد طبيب مختص بمتابعة المرضى أو المواظبة على إحالتهم إلى المستشفيات، فالطبيب الواحد في المستوصفات الطبية يقدم خدمات عديدة، منها الصحة الإنجابية للحوامل، اللقاح، تخصص الأمراض الباطنية وغيرها".


 مركز العلاج النفسي- منظمة داري، الجانب الغربي (الأيمن) لمدينة الموصل  

 ارتفاع كلفة العلاج وانخفاض الإنفاق

حول توفر الأدوية للمرضى، يقول القيسي: "الأدوية لدينا محدودة وقليلة جداً، ما يقارب ستة أنواع فقط من الأدوية لأمراض الذهان والاكتئاب والقلق النفسي، من أصل لا يقل عن ستين نوعاً". وفي تقرير حكومي سابق، ذُكر أنه تم توفير 12% فقط من الأدوية الأساسية خلال العام 2018، من قبل وزارة الصحة العراقية، وانخفضت النسبة إلى 6% نهاية العام.

أسعار أدوية الأمراض النفسية والعصبية مرتفعة مادياً، يقول محمد سامي الذي يعمل صيدلانياً: "ما يصل العراق من هذه الأدوية إنتاج قديم، وقد لا تستوفي متطلبات التداول من حيث تسجيلها أو إخضاعها لفحوصات الرقابة الدوائية". ويقدر ثمن الوصفة الطبية التي يحررها الطبيب النفسي للمرة الواحدة بين "50 و300 دولار قابلة للزيادة"، وبعض الأمراض النفسية، مثل الفصام واضطراب ثنائي القطب، تتطلب أخذ الأدوية لمدة طويلة، وأحياناً كثيرة طوال العمر.

بحسب منظمة الصحة العالمية يعتبر الإنفاق الصحي للشخص الواحد في العراق هو الأقل في المنطقة، وقدر بـ 154 دولاراً في العام 2015.

أحمد حذيفة، طبيب في مركز داري للعلاج النفسي يقول: "في حالات الانتحار، نعتمد العلاج الدوائي وهو يلعب دوراً كبيراً، بشرط توفر جلسات العلاج والدعم النفسي للمريض على الأقل لثلاثة أشهر، وبعض المرضى يكونون بحاجة إلى جلسات مستمرة لفترة أطول".

جلسات العلاج النفسي التي لا يوفرها القطاع الحكومي تكون مكلفة مادياً في العيادات الخارجية، وأسعارها تصل إلى 75 دولاراً لمدة 40 دقيقة لكل جلسة.

 مستشفى ابن سينا – مركز مدينة الموصل - Walid [email protected] 

برامج الدعم النفسي

وسط غياب الخدمات الحكومية المقدمة للمرأة لفترة ما بعد داعش، حاولت منظمات المجتمع المدني سد النقص، عبر تقديم برامج ومشاريع خاصة بخدمات الدعم النفسي الاجتماعي، إضافة لبرامج الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي. 

وبحسب مخطط تابع للأمم المتحدة، والذي حصلنا على نسخة منه محفوظة في ملفّ التحرير، خاص بنوع الخدمات ومناطق توزيعها، تبين أن عدد المراكز التي تقدم هذا النوع من الخدمات وصل إلى 78 مركزاً للسنوات 2017 - 2019. وهي مراكز مؤقتة موزعة بين مركز المدينة وسهل نينوى، إضافة لمخيمات النازحين. هذه المراكز تقدم الخدمات للنساء بعد استقطابهن من خلال فتح ورش الخياطة والحلاقة والدورات المهنية، لتبدأ جلسات التوعية الخاصة بالحماية والإرشاد النفسي.

"أرسلت تقريراً طارئاً عن خطورة وضع الضحية النفسي والاجتماعي، لم أتسلم أي رد من المنظمة، وعلمت بعد أسبوعين بأنها رمت نفسها من فوق سطح المنزل بعد إضرام النار في جسدها"

اختيار العاملين والعاملات في برامج الدعم النفسي والاجتماعي أحياناً كثيرة لم يكن على أساس الخبرة والشهادة في مجال علم النفس أو الاجتماع، ولتطوير مهارات مقدمي الخدمات، تزودهم المنظمات بتدريبات خاصة بالتعامل مع الحالات النفسية بطريقة أولية - إسعافات أولية -، وتقديم الخدمات الأساسية بما يساعد على تحديد الحالة، فيما إذا كانت بحاجة لطبيب مختص أو جلسات دعم برفقة باحث نفسي. وحول خطط المنظمات للتعامل مع مشاريع الصحة النفسية في الموصل، يقول الاستشاري النفسي، الذي رفض الكشف عن اسمه: "خطط المنظمات جاءت سطحية وغير مهنية، فالتعاقد المالي مع طبيب يقدم خدمة الكشف للمرضى مرة كل أسبوع دون توفير الأدوية، إضافة لتوظيف أناس غير مختصين بالتعامل مع حالات نفسية معقدة من ضمنها الانتحار. وبالتالي، يصب المعالج تعبه النفسي على المريض، كل هذا يؤكد عدم تقييم المنظمات لحاجة المدينة الفعلية لخدمات الصحة النفسية". ويضيف: "عرضت على بعض المنظمات خطة عمل إنشاء مراكز استقبال للمرضى المصابين خلال العمليات العسكرية، بكادر محترف ومدرب طبياً، لتخفيف الاضطرابات والصدمات النفسية تحت المتابعة المستمرة، فرفضوا طبعاً".

تقول مها محمد (اسم مستعار)، خريجة هندسة، عملت باحثة اجتماعية مع عدة منظمات دولية: "الخدمات المقدمة محدودة ولا تغطي احتياجات النساء في الموصل، إضافة للروتين والاستجابة البطيئة للحالات الطارئة". وتحدثت الباحثة الاجتماعية حول حادثة انتحار زينب، وعمرها عشرون عاماً، إحدى المراجعات لمركز الدعم. كانت تشتكي من تعرضها لاستغلال جنسي واغتصاب من خالها، بعد أن توفي والداها جراء الحرب، وقـُتِل شقيقها على يد مجهول بحجة ولائه لتنظيم داعش، إضافة إلى تعرضها لابتزاز جنسي متكرر من بعض موظفي الدوائر الرسمية.

تقول الباحثة: "أرسلت تقريراً طارئاً عن خطورة وضع الضحية النفسي والاجتماعي، لم أتسلم أي رد من المنظمة، وعلمت بعد أسبوعين بأنها رمت نفسها من فوق سطح المنزل بعد إضرام النار في جسدها".

الباحثة الاجتماعية كشفت عن وجود كثيرات مشابهات لزينب خصوصاً في مناطق الجانب الغربي، وغالبيتهن يعانين من التشرد والفقر والاكتئاب. وفيما إذا كانت قد تلقت أية تدريبات خلال عملها السابق في مجال الدعم النفسي، تقول: "في بداياتي بهذا المجال، لم أتلقَ تدريبات من المنظمة، وفصلت من العمل لاعتراضي على تعامل الموظفات السلبي مع النساء المعنفات. لكن في تجربة عملي الثانية تلقيت تدريباً لخمسة أيام على يد موظفة غير متخصصة بالدعم النفسي، واضطررت إلى الاعتماد على المحاضرات ومتابعة مواقع الصحة العالمية لكسب مهارات طرق التعامل الصحيح مع حالات اضطراب ما بعد الصدمة والانتحار". 


الجسر العتيق – الجانب الغربي لمدينة الموصل -  Ali [email protected] 

بناء الإنسان وتقصير الدولة

يدق ارتفاع حالات انتحار النساء والفتيات في الموصل وتكرارها، ناقوس خطر، خصوصاً حين يعتبر الانتحار "الملاذ الوحيد للهرب من الألم وإنهاء المعاناة"، فلم تعد مسألة "تحريم الانتحار" تجدي نفعاً عند البعض، خاصة أولئك الذين يرونه فعلاً "ثورياً ضد المجتمع"، وليس "استسلاماً وضعفاً". هذا ما ذكرته لنا رانيا، وهي طالبة في جامعة الموصل، خلال لقائنا بها في أحد مراكز دعم النساء في جانب الموصل الشرقي. 

مع ارتفاع أعداد الأرامل والأيتام جراء الحروب في محافظة نينوى الذي وصل إلى 23 ألف يتيم، وزيادة أعداد المشردين والنازحين البالغ (328.212) بحسب منظمة الهجرة العالمية، لم يتم إعداد استراتيجية عمل خاصة بالمرأة وشؤونها بعد استعادة الدولة العراقية للموصل قبل أربع سنوات.

"قسم تمكين المرأة" في محافظة نينوى الذي يرتبط بدوره بدائرة تمكين المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، هو عبارة عن "كرفان" مقام فوق مجارٍ للمياه الآسنة. القسم الحديث مكون من ثلاث موظفات ويعمل بدون موازنة مالية، فموازنة العام الحالي لم تقرها وزارة المالية بعد، ومجلس المحافظة معلق عن العمل منذ تشرين أول/ أكتوبر العام الماضي، بعد تصويت مجلس النواب على حل مجالس المحافظات. 

خلال شهر آب/ أغسطس الماضي تم انتشال امرأة مشردة بعد أن حاولت الانتحار بواسطة حرق خيمتها مع طفلتيها. المرأة تعيش على ضفة النهر منذ ما يقارب السنة، تعتاش على بقايا الطعام الذي يهبه لها بعض رواد المكان، ممن يجلسون قرب حافة نهر دجلة لاحتساء الخمور.

مديرة قسم التمكين في المحافظة، رافعة قبلان، أوضحت أن المرأة ليست مجنونة لكنها ترفض مخاطبة أحد وعنيفة في ردة فعلها، تحاول ضرب وإيذاء من يقترب منها ومن طفلتيها. وتقول قبلان: "لم أجد مكاناً يستقبلها. لا يتوفر في المحافظة مستشفى مخصص للأمراض النفسية والعقلية الحرجة، ولا مأوى للتحفظ على المشردات أو المعنفات، لذا تم إرسالها إلى مخيم للنازحين بعد الاتفاق مع دائرة الهجرة والمهجرين".

خلال شهر آب/ أغسطس الماضي تم انتشال امرأة مشردة بعد أن حاولت الانتحار بواسطة حرق خيمتها مع طفلتيها. المرأة تعيش على ضفة النهر منذ ما يقارب السنة، تعتاش على بقايا الطعام الذي يهبه لها بعض رواد المكان

يقول علي الرسام، مدير لمراكز رعاية المرأة في منظمة "المسلة": "حماية المرأة من مسؤولية الدولة، وهي عنصر أساسي للوقاية من التفكير بالانتحار، فالمنظمات لا تستطيع توفيرها للنساء لفترة طويلة، خاصة من يتعرضن للتعنيف. فالمرأة تواجه العنف في المنزل والشارع وسط إهمال الحكومة لها، وبالتالي تكون خياراتها معدومة، فيأتي الانتحار حلاً". وتحدث حول استقبال مراكزهم وبشكل متكرر لنساء مشردات مع أطفالهن يعانين من حالات نفسية حرجة، بالمقابل يأتيهم الجواب من المؤسسات الحكومية: "لا يوجد مستشفى أو مأوى فيكون التشرد مصير النساء بهذه الحالة".

"الموصل بحاجة إلى استراتيجية عمل متكاملة تتضمن مركزاً للعلاج والإرشاد النفسي للتشافي من صدمات الحروب، مرتبط بوحدات وأقسام إضافية، منها قسم الحماية، قسم منع العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة للأقسام القانونية، حقوق الإنسان والرعاية الاجتماعية". بهذا يختم الرسام كلامه.

بعد تجوالنا الطويل في مركز المدينة شارفت الشمس على المغيب وسط نهر دجلة، ونحن نقف منذ ساعة كاملة في طابور مزدحم للسيارات التي تمر بحذر كبير فوق "الجسر الخامس"، بنصفه الأول المدمر خلال العمليات العسكرية قبل أربع سنوات، والنصف الثاني الذي رُقِّعَ بدل أن يعمَّر. فالموصل لا تزال تعاني من إهمال حكومي كبير وتلكؤ على مستوى البنى التحتية الأساسية وإعادة إعمارها، إضافة إلى المشاكل الإدارية للمحافظة الناتجة عن الفساد والصراعات السياسية، ما نتج عنه تغيير ثلاثة محافظين للمدينة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

الجسر الخامس – الجانب الغربي لمدينة الموصل Ali [email protected] 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard