"أقدم على الانتحار في الحمام"... إلى أين يأخذنا التنمر على الآخرين؟

الجمعة 13 مارس 202005:23 م

"لم أكن أتصوّر في يوم من الأيام أنَّ ابني قد يفكر بالانتحار جراء التنمّر الذي يعاني منه في الحي والعائلة، حيث ينعتونه  بالأبرص"، تقول سناء مترجي، اسم مستعار (39 سنة)، ربة بيت، وأم لطفلين.

وتروي مترجي أنها وجدت تيم ابنها الأصغر (10 سنوات) ذات مرة، وفي يده شفرة تستخدم للحلاقة، وهو مقدم على الانتحار داخل الحمام، تقول: "لولا حضوري في الوقت المناسب لكنت قد وجدته جثة هامدة".

"بعد ذلك اليوم، أعيش حالة قلق ورعب، خوفاً على ابني من إقدامه مرة ثانية على الانتحار، وفي الفصل يتهرَّب رفاقه منه، ويرفضون الجلوس بجانبه خوفاً من العدوى، وفي العائلة ينعتونه بالمبراص، وفي الحي يتهربون من اللعب معه، كل ذلك جعل تيم شخصاً حزيناً وانطوائيا، خائفا من نظرة الآخرين، واحتقارهم، وفي بعض الأحيان سبابهم"، توضح مترجي لرصيف22.

"يشعرونني بأنني مخيفة وقبيحة"

منال الحوري (27 سنة) من الدار البيضاء، مقيمة في كندا، ونظراً لتشوهات وجهها، كانت ضحية معاملة سيئة من الكثيرين، الذين كانوا يطلقون عليها ألقاباً مؤذية مثل "محروقة الوجه" و"المشوهة".

"كان يكفي أن أنظر إلى المرآة لأرى حجم التشوهات التي تعرض لها وجهي، بعد انفجار طنجرة الذي تسبب باحتراق جزء كبير من وجهي، وتشوهه، لم أكن في حاجة إلى كل ذلك التنمر الذي تعرضت له من آخرين" تقول منال.

"كانوا يشعرونني بأن تلك الشعيرات الموجودة على ذراعي، وساقي، ووجهي تعيبني، وتنتقص من أنوثتي، وكانوا يحسسونني أن الفتيات الشعرانيات غير جميلات وغير نظيفات"

"نحن المشوهون"، تضيف منال، "كما يصفنا الآخرون، نعتبر أنفسنا مجرد أشباح، أو أننا حاملون لعدوى أو فيروس خطير، يتهرب الناس من معاشرتنا، حتى أن فتاة في وضعي يستحيل أن تتزوّج أو تجد رجلاً بسهولة، وإن وجدته ستواجه رفضاً قاطعاً من أسرته والمحيطين به، مثل ما حصل مع عائلة خطيبي السابق، كنت أتعرض يومياً للسخرية، والاحتقار من طرفهم".

وتتحدث منال عن تأثرها بردود أفعال الناس على حرق وجهها، حتى بعد عمليات التجميل التي أجرتها، تقول لرصيف22: "اليوم وبعد إجرائي للكثير من عمليات التجميل، وبالرغم من عودة وجهي إلى طبيعته، لازلت متأثرة نفسياً بما كنت أتعرض له، كانوا يشعرونني بأنني إنسانة مخيفة، قبيحة، إنسانة من الدرجة الثالثة، لا شيء كان يهمهم، لا مستواي التعليمي ولا الاجتماعي ولا الأخلاقي، كل ما كان يهمهم هو تشوهي، لازلت متأثرة بذلك، بالرغم من عودتي إلى شكلي الطبيعي، أميل إلى العزلة، ولا أحب التجمعات، فقدت الثقة في الجميع، حتى بالأقرب".

"أنا الأفضل والبقية هوامش"

يبقى التنمر والاستهزاء من الآخرين في نظر الباحث في علم النفس الاجتماعي، مصطفى الشكدالي، أزمة نفسية، أو كما يسميها المغاربة" الحكرة" والتوغل وعدم الإيمان بالكرامة والإنسانية، وتداول مثل هذه الأوصاف والنعوت التمييزية والعنصرية، بحسب حديث الشكدالي لرصيف22: "هو دليل على الإقصاء المجتمعي للآخر، وتفضيل الأنا، ما يدل على أن هناك أزمة نفسية متوارثة، وللتنشئة الاجتماعية دور في ذلك، تجعل من الشخص يعتبر نفسه الأحسن، والبقية مجرد هوامش غير نافعين أو ناقصين".

منال هي واحدة من 54,4 بالمائة من النساء اللواتي يتعرضن للعنف في المغرب، حسب ما كشفت عنه العام الماضي وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، عن النتائج الأولوية للبحث الوطني الثاني حول انتشار العنف ضد النساء.

وجاء العنف النفسي، بحسب نتائج ذات البحث الذي شاركت فيه 13 ألف و543 امرأة من جميع أنحاء المغرب، تتراوح أعمارهن ما بين 18 و64 سنة، على رأس قائمة أشكال العنف التي يمكن أن تتعرض له النساء في المغرب، وينتشر العنف النفسي مقارنة بأشكال العنف الأخرى.

"يسبونني لجسدي المشعر"

"كنتُ في الخامسة عشر حينما رفض أبناء وبنات خالي أخذي معهم إلى الشاطئ، بحجة أنني شعرانية لا أستطيع أن ألبس المايو، وطلبوا مني أن أنزع شعر يدي وساقي الذي يشبه الرجال، حينها يمكنني أن أذهب معهم. أمضيت الوقت كله أبكي ومنذ ذلك الحين وأنا افتقد الإحساس بالحب والاحترام".

"كان ابني قبل أن ينتحر في الحمام يخبرني في الهاتف عن تأثره ببعض الكلمات التي كان يسمعها من بعض أفراد عائلة أبيه يصفونه بابن العاهرة، ويعيره زملاؤه بابن السكير"

نشأت فتيحة الزياني (34 سنة) في بيت عائلي كبير مقسم إلى أسر صغيرة، تضم بنات وأبناء الأخوال، تقول لرصيف22: "صحيح كوني نشأت في بيت عائلي كبير الذي من المفروض أن تشعر واحدة مثلي فيه بالأمان، إلا أنني دائماً ما كنت أشعر بالدونية، ولم أكن أحظى في بيتي بالإعجاب كوني فتاة شعرانية، كانوا يشعرونني بأن تلك الشعيرات الموجودة على ذراعي وساقي ووجهي تعيبني وتنتقص من أنوثتي ونعومتي، وكانوا يحسسونني أن الفتيات الشعرانيات غير جميلات وغير نظيفات. مرة يصفونني بالقردة ومرة بالمعزة، ومرات بكوني أشبه الرجال ولا أملك شيئاً من نعومة وأنوثة النساء".

فتيحة التي تعمل اليوم في شركة خاصة، تملك جمالاً طبيعياً، وبشرة قمحية صافية، لا زالت تتذكر حجم السخرية التي كانت تتعرض لها من قبل أبناء أخوالها في التجمعات العائلية، وكم كان ذلك يؤثر على نفسيتها، ما أفقدها في ذلك الوقت الثقة في نفسها، وتحولت بمرور الوقت لفتاة انطوائية، وخجولة من نفسها وجسمها.

يعلق مصطفى الشكدالي، إن التنمر كيفما كان، أسري أو مدرسي، فهو نتاج ثقافة الآباء والأمهات في التربية السليمة، إضافة إلى المجتمع الذي لازال متشبعاً بـ"سلوكيات منحرفة، ومظاهر الإقصاء".

ويرى الشكدالي أن تأثير التنمّر يمكن أن يتمدد، "وهذا ما اكتشفناه من خلال هذه الحالات، حيث تشعر الضحية بالنقص والفشل والدونية".

ويختم الشكدالي حديثه قائلاً: "هنا على الجميع، من الأسرة والمدرسة والحي، أن يشتركوا للتوعية والإرشاد، والقيام بأنشطة وبرامج هدفها الإشراك والتفاعل الجماعي بين أفراد المجتمع، مع نبذ كل مظاهر الإقصاء مهما كانت مبرراته وأسسه، حتى نستطيع أن نصنع أرضية سليمة لإنتاج إنسان سليم، وليس جيلاً معطوباً يعاني أمراضاً نفسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard