غدر وبلطجة وانتحار... المشهد الأخير من الانتخابات المغربية

الثلاثاء 28 سبتمبر 202112:32 م

"أعلِنُ للرأي العام، عن اعتزالي العمل السياسي بصفة نهائية، لاعتبارات سيعرفها الجميع (...)، وأتأسف للغدر الذي صدر من جهة وضعتُ ثقتي فيها"؛ كانت هذه آخر رسالة "الغدر" التي خطّها الفاعل والمرشحُ السياسي لرئاسة جهة كلميم وادنون، عبد الوهاب بلفقيه، أياماً قليلة قبل وفاته بطلق ناري، قالت النيابة العامة إنه حادث انتحار. لكنه مثَّل حدة الصراع السياسي وتبعاته، بعد نهاية الانتخابات المغربية.

صراعات وبلطجة

صراعاتٌ حادّة على رئاسة مجلس الجهة الجنوبي، لم تمهل بلفقيه وقتاً، ليكشف عن ملابسات اعتزاله العمل السياسي، وعن الجهة التي زعم أنها "غدرت" به. لكن المعلوم أنه دخل في أزمة نفسية، بعدما سُحبت منه تزكية الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي، لتمثيل الحزب في اختيار رئيس الجهة. فقد بُسطت للرجل السجادات الحمراء، ليلتحق بالحزب، أسابيع قليلة قبل الاستحقاقات الانتخابية، قبل أن يتخلى عنه.

في يوم "الثلاثاء الأسود" (21 أيلول/ سبتمبر)، بتعبير أنصار الراحل؛ وهو اليوم الذي كانت تجري خلاله جلسة انتخاب رئيس الجهة، تداولَ عدد من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، خبر تعرّض بلفقيه لطلق ناري بواسطة بندقية، نُقل بعدها إلى مستشفى كلميم العسكري، مُرجِّحين فرضية تعرضه للاغتيال، بالنظر إلى محاولات القتل التي سبق أن تعرّض لها، وفقاً لروايات بعض الناشطين.

وبذلك، أمرت النيابة العامة بفتح تحقيق في وفاة السياسي، انتهى بترجيح كفة فرضية الانتحار، ليُنهي بذلك الوكيل العام لملك لدى محكمة الاستئناف في كلميم، مسطرة التحقيق، ويؤكد انتحار بلفقيه، جرّاء إطلاق النار على نفسه من بندقية صيد تعود ملكيتها له، ليُحفظ ملف التحقيق.

"أتأسف للغدر الذي صدر من جهة وضعتُ ثقتي فيها"؛ كانت هذه آخر رسالة لسياسي مغربي "انتخر"، بعد أيام قليلة من الانتخابات. مرحلة التحالفات أظهرت العنف السياسي

وجاء في بلاغ النيابة العامة، الذي حصل رصيف22 على نسخة منه، أن "نتائج الأبحاث والخبرات المنجَزة، حول ظروف وفاة الهالك، والذي تم خلالها الاستماع إلى أفراد عائلته، وعمّاله المنزليين، وكذا إجراء تشريح طبي وخبرة بالستية، على السلاح المحجوز في مكان الحادث، بالإضافة إلى خبرة جينية حول العينات التي تم أخذها في عين المكان، خلصت إلى أن الهالك دخل إلى منزله نحو الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الثلاثاء 21 أيلول/ سبتمبر 2021، حيث بقي وحده في غرفته، ولم يغادرها إلى حين سماع صوت طلق ناري. وفور ذلك، دخل بعض أفراد عائلته إلى غرفته، ليجدوه ملقىً على ظهره، والدماء تسيل من بطنه، وإلى جانبه بندقية صيد".

وكشف البلاغ ذاته، أن "أفراد العائلة يؤكدون أن الهالك كان لا يزال على قيد الحياة، وقت دخولهم إلى غرفته، وأنه طلب منهم عدم نقله إلى المستشفى، وتركه في منزله"، كما أن "حراس المنزل لم يلاحظوا أي حركة غير عادية، ليلة الواقعة، ولم يلج إلى المنزل أي شخص من الغرباء".

"بلطجيّة" وعنف سياسي

الحادث كشف عن الكثير من السلوكيات العنيفة التي يشهدها المشهد السياسي المغربي، لكنها لا تظهر في شكلها الفاضح، إلا خلال حملة الانتخابات، بين ضرب واختطاف وتهديد بالقتل. وإن كان ما يرصده المتتبعون للشأن السياسي، في العادة، خلال الحملات الانتخابية، متعلق أساساً بممارسة العنف على الناخبين، للضغط عليهم، أو ترغيبهم للتصويت لصالح حزب معين، فإن حدث موت عبد الوهاب بلفقيه كان مفصلياً في إعادة فتح النقاش حول الصراع، والاقتتال الدموي على المقاعد والمناصب، وأفول الفعل السياسي في المغرب.

وفي هذا الصدد، يقول محمد الطالبي، باحث في التواصل السياسي، إن ما تمت "متابعته مباشرة بعد نتائج انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر، من مشاهد تناقلها رواد فضاءات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإخبارية، من استعمال المال لاستمالة الناخبين، ونسف جلسات تشكيل المجالس المنتخبة، والتهديد، والترغيب، والترهيب، هي كلها مؤشرات يمكن أن تكون دالّةً عن الرجوع إلى ما قبل دستور 2011، وما راكمته بلادنا في مسارها، لترسيخ الخيار الديمقراطي، وتعزيز الممارسة الفُضلى في العملية السياسية".

وأوضح الطالبي، في تصريح لرصيف22، أن "الجو العام والمناخ الذي لازم الانتخابات الأخيرة، وتنديد بعض الأطياف السياسية بالاستعمال المكثف للمال في العملية الانتخابية، بالإضافة إلى ما رصدته عدسات الصحافيين في جلسات انتخاب المجالس المنتخبة، وما تناقله رواد فضاءات التواصل الاجتماعية كلها، مؤشرات لا يمكن أن نقفز عليها هكذا، وكأن شيئاً لم يحدث، بل لا بد من التأكيد على أن هذه المشاهد هي إرهاصات أولية لمخرجات العملية الانتخابية لـ8 أيلول/ سبتمبر".

من جهته، يرى المحلل السياسي محمد شقير، أنه من الصعب وصف ما يحدث في المشهد السياسي المغربي، بـ"موت السياسة"، عادّاً أن وفاة المرشح بلفقيه، حدثٌ مثل بقية أحداث العنف الطبيعية التي حدثت في انتخابات سابقة، مُشدداً على أن هذه الوقائع "ترجعُ أولاً إلى عدم النضج السياسي لبعض المرشحين، وثانياً للتكالب على المناصب، نظراً إلى أن التنافس يكون عنيفاً، ويكون الجانب الشخصي طاغياً عليه".

فوضى، وبلطجة، وتهديد بالقتل والتصفية الجسدية، مقابل التزكية، والحصول على مسؤوليات؛ أبرز النعوت التي طغت على انتخاب رؤساء المجالس الجماعية في المغرب

وفي تصريح لرصيف22، علّق شقير على حادث "انتحار" بلفقيه، بالقول إن "حادثة بلفقيه فيها جانب قَبَلِيٌّ، وجانب شخصي، وآخر قانوني، بحكم أن هذا الشخص كانت عنده مشكلات حزبية، وبعد ترحاله السياسي من حزب الاتحاد الاشتراكي، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، لم ينضبط في مسألة التحالف، فتمَّ حرمانه من التزكية لرئاسة الجهة".

ولم يقبل المرشح، حسب المحلل السياسي، بالهزيمة، وعدّها مسألة شخصية. وبذلك، فهذا "الانتحار" ليس "على المستوى السياسي، ولكن على المستويين الشخصي والقَبَلي، لأن منطقة الجنوب فيها تنافس قَبَلي يطغى على الجوانب الأخرى".

وشدد المتحدث على عدم تعميم هذه الواقعة "المعزولة والشخصية"، حسب وصفه، على المشهد السياسي في المغرب، مؤكداً أن "انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر، كانت الأكثر وضوحاً على مستوى الخريطة السياسية، واحتُرم فيها التحالف على المستوى الجهوي، والمحلي، والوطني، وهو ما سيعيد الثقة في العمل السياسي".

مرّشحون "مفسدون"، وثقة في "مهب الريح"

تنديداتٌ المتتبعين للشأن السياسي، ولما أفرزته صناديق اقتراع الثامن من أيلول/ سبتمبر الجاري، لم تشمل العملية الانتخابية في حدّ ذاتها، بل وضعت الكثير من المنتخبين في قفص الاتهام، وعنوانها الأبرز "شبهات الفساد".

وسجل بيان صحافي، نشره فرع منظمة "الشفافية الدولية" (ترانسبرانسي)، في المغرب: "منح تزكيات من طرف العديد من الأحزاب، والمصادقة عليها من طرف السلطات، لمنتخبين سابقين متورطين في قضايا الفساد، وتبديد الأموال العامة التي ارتُكبت في أثناء ممارستهم عملهم، ومنهم من تمت متابعته قضائياً، وصدرت في حقه أحكام".

وندَّدت المنظمة، بما أسمته "الاستعمال المكثف للمال، من أجل شراء الأصوات، وإعداد لوائح الترشيحات، وتشكيل المكاتب المسيرة للمجالس المنتخبة"، مؤكدةً أن هذه "الممارسات، من شأنها تقويض ثقة المواطنين، وإضعاف المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات".

وبذلك، دعت الهيئة الدولية السلطات القضائية في المغرب، إلى "الإسراع في البت في ملفات الفساد المعروضة على أنظار المحاكم التي يتابَع فيها مسؤولون منتخبون، وفتح تحقيقات في الخروقات التي شابت العملية الانتخابية".

وفي هذا السياق، أوضح الطالبي أن ما حدث خلال تشكيل مجالس الجماعات الترابية، "يجعل المواطن أمام رجوع كتيبة من المتَابَعِين في ملفات فساد، لتدبير الشأن العام، مما ينسف الكثير من الجهود التي بُذلت لتكريس المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري ثابت من الممكن أن تُشوّش عليه مخرجات انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر".

وأشار المتحدث إلى أن "استمرار ظهور مشاهد يلتقطها الرأي العام الوطني، ويجعلها مادة للسخرية، في فضاءات التواصل الاجتماعية، يجعلنا أمام مؤشرات -وإن كان من الممكن ألا نعدّها ظاهرة ثابتة وعامة للقياس- على أننا أمام تراجع عن مكتسبات تحققت في الفترات التي تلت الدستور الجديد، ما يُسَائِل أيضاً الظروف التي مرت فيها الانتخابات الأخيرة، وتجعل ثقة الرأي العام، كونها صانعةً لتوجهات المرحلة المقبلة، مهزوزة تترنح في دائرة الشك واللا يقين، بمخرجات العملية الانتخابية".

وفي السياق ذاته، قال الطالبي إن "انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر، بما رافقها من تناقضات الإغراء المالي، وتغوّله على المحدّد السياسي، والمنطلق الديمقراطي، تجعلنا أمام مؤشر سلبي يمكن أن يٌقوّض رهاناتنا الكبرى، وهي الديمقراطية والتنمية".

تهديد منتخبات؟

فوضى، وبلطجة، وتهديد بالقتل، والتصفية الجسدية، مقابل التزكية، والحصول على مسؤوليات، هي أبرز النعوت التي طغت على متابعة جلسات انتخاب رؤساء الكثير من المجالس الجماعية في المغرب، آخرها المجلس الجماعي لمدينة الرباط، الذي تم تأجيل انتخاب رئيسه، بعد نشوب فوضى واتهامات بالتهديد الجسدي.

وطالت "سكاكين" التهديد والعنف، نسيمة شوقي، المنتخبة عن حزب 'التجمع الوطني للأحرار"، حسب زعمها، بعدما تلقت اتصالاً هاتفياً من مقرّب من الحزب المنافس، "يتضمن تهديدات جسدية، ولفظية، ومحاولة للرشوة"، لتسحب دعمها للمرشحة لرئاسة المجلس الجماعي عن حزبها. هذا الأمر نفاه الحزب المنافس، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي قال أعضاء فيه، إن الاتهامات كانت لتأجيل الجلسة. وهو ما يعني الضغط على من خرجوا عن الصف، للعودة إلى الإجماع على المرشح، وإفشال التصويت، لصالح مرشح الاتحاد.

وكثيراً ما تشهد جلسات انتخاب أعضاء مجالس الجماعات (البلديات)، والجهات، تقديم رشوات، و"اختطاف" منتخبين، أو احتجازهم في أماكن مجهولة، قبل أيام من التصويت لصالح الرئيس "المنتظر".

وفي صدد عملية التصويت لتشكيل مجلس العاصمة الرباط، قالت رئيسة شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع، نجية تزروت: "نحن في الفدرالية، نددنا بشدة بالإقصاء والتمييز الممنهجَيْن، في حق النساء المرشحات للانتخاب، ورؤساء الجهات ورئيساتها، وأعضاء مكاتب مجالس الجماعات، وعضواتها، وعددناه جريمة قانونية في حق الديمقراطية، وضرباً سافراً للمسار النضالي للحركة النسائية المغربية، وتعطيلاً للدستور، واغتيالاً لمبدأ المناصفة في رئاسة الجماعات، وانتخاب نواب الرئيس ونائباته، وعنفاً سياسياً مبنياً على النوع".

وأضافت تزورت، في تصريح لصريف22: "نحن كحركة نسائية، ننتفض ضد هده المهزلة التي طغى عليها منطق الذكورية في توزيع المقاعد، إلى حد التهديد، والبلطجة، والمس بالسلامة الجسدية، وتمريغ كرامة النساء المنتخبات، كما حصل في بعض المدن".

وبذلك، تُحمّل الفاعلة الحقوقية، "الأحزاب السياسية الفائزة في انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر، مسؤوليتها التاريخية، لكونها لم تقدم لوائح تضم نساء وكيلات لوائح، بل تحايلت، خلال التحالفات، على القوانين، لإقصاء النساء من الترشيح، وحرمانهن من الحقوق التي تمنحها لهن القوانين المُنَظِّمة للجماعات الترابية".

وأسفت المتحدثة، لما يقع في المشهد السياسي، قائلةً: "كنا نطالبُ بالمناصفة، وأصبحنا اليوم نطالب باحترام القوانين، واقتراحات الأحزاب في تمثيلية النساء في هذه المجالس بنسبة الثلث، فحسب، وهي التي لم تحتَرم كذلك"، متسائلةً باستنكار شديد: "أين نحن من تفعيل الدستور، والتنزيل السليم لمقتضياته؟ وأين نحن من تنزيل النموذج التنموي؟ وأي مغرب نريد؟". فهل يستمر العنف السياسي بوصلةً لتشكيل التحالفات السياسية، ولو على حساب كرامة البعض... وأرواح آخرين؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard