"ما مصوتينش" يتصدّر الترند المغربي... لماذا يقاطع مغاربة الانتخابات؟

الاثنين 6 سبتمبر 202104:12 م

"فقدنا الثقة". بهاتين الكلمتين فسّر حمزة (شاب مغربي)، رفضه التصويت لأي حزب في الانتخابات البرلمانية والبلدية التي يشهدها المغرب في الثامن من أيلول/ سبتمبر الجاري.

وقال لرصيف22: "إن وعود الأحزاب في المغرب تتبخر فور وصولها إلى الحكومة، أو البرلمان، ما يعني أنها لا تملك برامج سياسية حقيقية".

تدخل الحملة الانتخابية أسبوعها الثاني، استعداداً ليوم الاقتراع الذي من المنتظر أن يفرز حكومة جديدة، بعد نهاية ولاية الائتلاف الحالي بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وبالتزامن معها يتصدر وسم #ما مصوتينش الترند المغربي، على موقع تويتر، في حملة معاكسة تعبر عن الاستياء من الوضع السياسي والاجتماعي داخل البلاد.

"ما مصوتينش" عبارة في اللهجة المغربية تعني "لن نصوت"، تدعو إلى مقاطعة الانتخابات عبر تداولها ضمن منشورات يسائل من خلالها الناشطون الأحزابَ والسلطة، عما جناه الشعب خلال ما يزيد عن 55 سنة، منذ أول انتخابات تشريعية عام 1963، وينتقدون أساليب عنوانها المال والشهرة، تعتمدها، حسب تعبيرهم، معظم حملات الأحزاب، من أجل استمالة مرشحين وناخبين.

#ما مصوتينش... حملة إلكترونية في المغرب تدعو إلى مقاطعة انتخابات 8 أيلول/ سبتمبر، وسط استياء من الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد.

في هذا السياق، قال حسن، عبر حسابه على موقع تويتر: إن "تصدُّر هاشتاج ‎#ما مصوتينش للترند المغربي، يعني بوضوح أن الغالبية لا ترضخ للبروباغاندا التي يحاول السياسيون جرَّنا إليها، وأن فئة مهمة من الشعب المغربي فقدت الثقة بالأحزاب". ‏

أما عبد الإله، فغرد قائلاً: "سأشارك في الانتخابات من دون أي تردد"، بعد "أن يصبح لصوتي قيمة، يَختار حكومة تَحْكُم فعلاً، وبرلماناً يُشرّع، ومجالس محلية وجماعية تُدبّر"، كما أشار آخرون إلى وجود حاكمين لا يُنتخبَون، ومنتخبين لا يحكمون.


وأعلن حزب النهج الديمقراطي (يساري)، وجماعة العدل والإحسان (الإسلامية)، استمرار مقاطعتهما الانتخابات التي "تسير في منحى تنازلي بشكل كبير، سواء من حيث وظائفها، أو من حيث الإقبال، أو حتى رهان الدولة عليها"، حسب القيادي في جماعة العدل والإحسان حسن بناجح.

وعدّ حزب النهج الديمقراطي، في بلاغ له، أن عمل الحكومة في المغرب مجرد "تطبيق لبرامج مستوحاة من اختيارات وسياسات حُدّدت بشكل مسبق"، مشيراً إلى أنها "خاضعة لنفوذ مستشاري الملك الذين يشكلون الحكومة الحقيقية، ويسهرون على بلورة القرارات الأساسية، ومتابعة تنفيذها".

انتخابات "غير نزيهة"

يرى الكاتب الوطني لشبيبة النهج الديمقراطي إبراهيم النافعي، أن الانتخابات في المغرب "غير نزيهة". ويقول لرصيف22، معدّداً دوافع مقاطعة حزبه الاستحقاقات: "ما دام الدستور قد تمت صياغته من طرف لجنة عيّنها الملك، وما دامت السلطة محتكَرة من طرف المؤسسة الملكية، فإن القوانين المنظِّمة للانتخابات غير ديمقراطية، شكلاً ومضموناً".

وبسبب أن هذه القوانين معدّة من أجل التحكم بالخريطة الانتخابية، حسب النافعي، فهذه الاستحقاقات "لا تفرز تمثيلية حقيقية للشعب المغربي"، مشيراً إلى أنه يتم الإشراف عليها من قبل وزارة الداخلية، ويقول إن الأخيرة "متورطة في تزوير عدد من المحطات الانتخابية، والتحكم بها".

وتتهم أحزاب سياسية، من بينها حزب الاستقلال، وحزب العدالة والتنمية الذي تولى رئاسة الحكومة لولايتين منذ 2011، وزارة الداخلية بعدم الحياد، والتحكم بعمليات انتخابية سابقة، وهو ما تنفيه الجهة المعنية.

ويلفت القيادي في شبيبة النهج الديمقراطي إلى أن هذه الانتخابات "تجري في سياق يشهد تراجعاً خطيراً على مستوى الحريات"، متسائلاً: "كيف يمكن أن تكون هذه الانتخابات مدخلاً إلى الدولة الديمقراطية، في الوقت الذي يوجد فيه معتقلون سياسيون، وصحافيون، وتضييقٌ مستمر على التنظيمات السياسية والحقوقية والنقابية في البلاد؟".

"كما لا يمكن الحديث عن وجود إرادة حقيقية للتغيير في المغرب، في ظل تغوّل الدولة البوليسية، وغياب الديمقراطية"، ويضيف النافعي "إنهم لا يريدون من هذه الانتخابات إلا البحث عن الشرعية المفقودة، من أجل استمرار سياسات الفساد، والاستبداد، وتفقير المواطنين".

هل من جدوى للمقاطعة؟

حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي قاطع هو أيضاً الانتخابات المغربية مدة 30 عاماً، قبل أن يشارك فيها للمرة الأولى عام 2007، ضمن تحالف اليسار الديمقراطي الذي كان يضم إلى جانب الطليعة، كلا من المؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحد الذي قاطع مع حزب الطليعة انتخابات 2011، بالتزامن مع ثورات الربيع العربي.

ثم عادت الأحزاب اليسارية الثلاثة إلى المشاركة مجدداً في انتخابات 2016 من داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي التي تضم في الانتخابات الأخيرة حزبين فقط، بعد أن فضّل الاشتراكي الموحد "الانشقاق"، والمشاركة منفرداً في استحقاقات 2021.

لا يتفق حزب الطليعة، اليوم، مع خيار مقاطعة الاستحقاقات التشريعية والبلدية، ويوضح الكاتب الوطني للشبيبة الطليعية عبد العاطي ربيعة هذا الموقف، بالقول في حديث مع رصيف22، إن "المقاطعة لا تجدي نفعاً، لأنها لم تعد تحدث أي تغيير، خصوصاً في ظل تراجع النضال الشعبي".

ويرى ربيعة الذي يشغل في الوقت نفسه، منصب المنسق العام لشبيبة فيدرالية اليسار الديمقراطي، أنه من دون ربط المقاطعة بنضال جماهيري واسع، لا يمكن أن تؤدي إلى أي شيء إيجابي، عكس المشاركة التي تربط، حسب تعبيره، "بين النضال الميداني، والنضال من داخل المؤسسات".

وعدّد القيادي اليساري نماذج تعكس الربط بين التدافع داخل المؤسسات الحكومية، والحضور في الشارع المغربي، ذكر منها: المشاركة في حراك 20 شباط/ فبراير، والاحتجاجات الشعبية في الريف، وفي مدينتي جرادة وزاكورة، ومطالبات فيدرالية اليسار الديمقراطي بالعفو العام عن المعتقلين السياسيين، من خلال نوابها داخل البرلمان المغربي.

ويشدد عبد العاطي ربيعة، وكيل إحدى اللوائح التشريعية لفيدرالية اليسار الديمقراطي (تحالف يساري معارض)، على أن دعوات المقاطعة "لا تخدم إلا الفئة المتنفذة في الدولة، والأحزاب الإدارية، ولوبيّات الفساد التي تصل بطريقة أو بأخرى، من خلال مقاطعة فئة واسعة من المغاربة للانتخابات".


"لن نشارك في الجريمة"، يقول القيادي في شبيبة حزب النهج الديمقراطي إبراهيم النافعي، الذي يرى من جهته أن المؤسسات المنبثقة عن الاستحقاقات الانتخابية، "صُممت لإعطاء الشرعية للحكم الفردي المطلق للملك، وتطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية تضرب حق الشعب في العيش الكريم، وتخدم مصالح كتلة طبقية معينة".

ويرى النافعي أن المقاطعة "سلاح يستعمله المغاربة من أجل دق ناقوس الخطر، ورفع شارة الإنذار في وجه الدولة، تعبيراً عن رفض أداء الحكومات المتعاقبة التي لا تنفذ إلا سياسات المخزن (النظام الحاكم)". وهذا الأخير، يضيف المتحدث، "لا يهمه من يتصدر الانتخابات، لأن الأحزاب التي تفوز بها، جميعها لن تخدم مصالح الشعب في ظل الشروط الحالية".

كما تكمن الجدوى من هذا الخيار الذي تتبناه جماعة العدل والإحسان، التي توصف بأنها "أكبر" تنظيم إسلامي في المغرب (على الرغم من عدم توافر معطيات دقيقة حول الموضوع)، إلى جانب حزب النهج الديمقراطي اليساري، في كون المقاطعة "تدميراً للهدف الذي يهم الدولة من الانتخابات، وهو نسبة المشاركة" حسب المتحدث ذاته، مشيراً إلى أن "البديل هو الضغط من خلال الاحتجاج في الشارع، من دون منح النظام الشرعية الشعبية لسياساته".

رأي المجتمع... في أرقام

في غياب المعطيات الرسمية حول نوايا التصويت، ومنع استطلاعات الرأي الخاصة بالسياسة من طرف السلطات، فإن استقراء مزاج الناخبين يظهر عبر "استطلاعات رأي" غير رسمية، لا تعكس بالضرورة واقع نوايا التصويت.

هكذا ظهر بعضٌ من نبض الشارع، في عمليات تصويتٍ أطلقها مؤثرون على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وتقارير لمنابر إعلامية استجوبت المواطنين في الشارع، من أجل معرفة رأي المجتمع حول خياري المشاركة أو مقاطعة الانتخابات.

بين من يراها بلا جدوى، ومن يعدّها ناقوس خطر... تنظيمات سياسية، وفئة واسعة من المغاربة، يختارون مقاطعة الانتخابات القادمة: "فقدنا الثقة، ولن نشارك في الجريمة".

وفي استطلاع أعلنه المدوّن مصطفى الفكاك، المعروف باسم "سوينغا"، لدى من يتابعون صفحاته في الشبكات الاجتماعية، شارك فيه أكثر من 125 ألفاً و900 شخص، تجاوزت نسبة المؤيدين لمقاطعة الانتخابات 85 بالمئة، مقابل 14 بالمئة فضلوا التصويت في 8 أيلول/ سبتمبر.

كما بلغت نسبة الذين "لا يثقون بالأحزاب المغربية"، من المشاركين في استطلاع رأي للممثلة المغربية مريم باكوش، على تطبيق إنستغرام، 91 بالمئة، مقابل نسبة 9 بالمئة فقط، اختارت المشاركة في التصويت في الاستحقاقات القادمة.

كما أظهرت تقارير تستجوب "رأي الشارع"، أجرتها منابر إعلامية، رغبة معظم المُستجوَبين في مقاطعة استحقاقات 8 أيلول/ سبتمبر، معبّرين عن انعدام ثقتهم بالأحزاب السياسية في المغرب، و"ضجرهم من وعود الحملات الانتخابية التي لا تتحقق، وغياب برامج مقنعة للمواطنين".

وكانت وزارة الداخلية المغربية قد أعلنت في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، مشاركة ستة ملايين و751 ألف مغربي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، من أصل 15 مليوناً و700 ألف مغربي مسجلين على اللوائح الانتخابية، لتكون نسبة المشاركة 43 بالمئة.

أما عند حساب الكتلة الناخبة الحقيقية في البلاد، فإن نسبة المشاركة في استحقاقات 2016، لم تتجاوز 26 بالمئة، لأن عدد المغاربة الذين كان يحق لهم التصويت، آنذاك، حسب المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية)، يتجاوز 23 مليون مواطن، ما يعني أن نسبة المقاطعة تجاوزت الـ70 بالمئة.

يُذكر أن المغرب يحتل المركز الـ96 عالمياً من بين 167 دولة، وفق المؤشر العالمي للديمقراطية لسنة 2020، الذي صنّفه ضمن خانة "الأنظمة الهجينة"، وهي الأنظمة السياسية التي تعتمد على إجراء الانتخابات كأحد مظاهر الديمقراطية، مع استمرار الممارسات السلطوية في الوقت ذاته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard