عندما أسقط المغاربة إمبراطورية البرتغال

الاثنين 30 أغسطس 202101:37 م

عندما احتل البرتغاليون مدينة سبتة، سنة 1415، سعوا بعدها إلى احتلال بقية بلاد المغرب، والتوغل في دول جنوب الصحراء، ومنها إلى قلب القارة الإفريقية. إلا أن السحر انقلب على الساحر، واندحرت جيوش البرتغال في معركة وادي المخازن، التي تشتهر أيضاً باسم "معركة الملوك الثلاثة"، ولتنهار في أعقابها إمبراطورية البرتغال. فما هي قصة المعركة التي غيرت مجريات التاريخ، وأعطت المغرب سمعة المملكة القوية التي يُهاب جانبها من القوى الأوروبية، إلى أن انهزّت أمام الفرنسيين، في منتصف القرن التاسع عشر؟

أحلاف ومؤامرات

في آب/ أغسطس الحالي، انقضت 443 سنة على معركة وادي المخازن، التي شهدتها ضواحي مدينة القصر الكبير، في شمال المغرب. معركة حاسمة أنهت أطماع الأوروبيين، في التوسع في بلاد المسلمين، حمل فيها جيش أوروبي برعاية الفاتيكان صليباً، وهو ينزل أرضاً أراد الهيمنة عليها، بعد أن قضى على الوجود الإسلامي في الأندلس.

بعد وفاة محمد الشيخ، مؤسس الدولة السعدية، اعتلى نجله عبد الله الغالب بالله عرش الحكم من بعده، إلى أن وافته المنية سنة 1574، ليبايَع ابنه محمد، الذي لقّب نفسه بـ"المتوكل على الله"، حسب ما جاء في كتاب "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، لكاتبه المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري.

غيّرت معركة الملوك الثلاثة وجه التاريخ في المغرب. أسقط السعديون إمبراطورية البرتغال وضمنوا للبلاد هيبة امتدت لقرون. فما هي قصة المعركة التاريخية؟

وذكر المؤلف أن المتوكل بالله كان فظاً مستبداً ظالماً، بادر إلى قتل اثنين من إخوته، وأمر بسجن ثالث، ما نتج عنه كره الرعية له، خصوصاً أنه كان من المفترض أن ينتقل الحكم إلى أكبر الأشراف السعديين، من بعد الغالب بالله، وهو عم المتوكل، عبد الملك، الذي أضمر المتوكل الفتك به، إلى جانب عمه المنصور أحمد الذهبي.

مخططات المتوكل بالله دفعت عمَّيه، عبد الملك والمنصور الذهبي، إلى الفرار في اتجاه دولة العثمانيين، والاستنجاد بالسلطان سليم، لنصرتهما في نزاعهما على الحكم ضد ابن أخيهما.

استمهلهما السلطان العثماني إلى حين الإطاحة بالحفصيين، وضم تونس إلى الأراضي العثمانية، ليأمر بعدها حاكم الجزائر، التي كانت بدورها تحت وصاية عرشه، بإرسال خمسة آلاف جندي تركي، لنصرة عبد الملك الملقب بـ"المعتصم بالله"، وشقيقه المنصور الذهبي، لاستعادة الحكم من ابن أخيهما المتوكل بالله، والملقب أيضاً بـ"المسلوخ"، وهو ما تأتى لهما بعد دخولهما مدينة فاس التي كانت مركز حكم السعديين.

اختار المتوكل بعدها الفرار إلى منطقة سوس، ورد على عمَّيه بدخول مدينة مراكش، مدعّماً بجيش نجح في جمعه، بعد تقديمه وعوداً إلى بعض قبائل سوس، قبل إجلائه عن المدينة ذاتها، على يد عمه أحمد المنصور الذهبي.

اختار المتوكل، بعد طرده من مدينة مراكش، الفرار إلى مدينة سبتة، ومنها إلى مدينة طنجة، ليختار طريقاً آخر في سعيه للعودة إلى سدة الحكم.

استنجد هذه المرة، حسب كتاب "وداي المخازن معركة الملوك الثلاثة"، بملك البرتغال حينها "دون سيبستيان"، بعد فشله في إقناع خاله فيليب الثاني، ملك إسبانيا، بنصرته في نزاعه على المُلك، مع عمه عبد الملك.

كانت الفرصة مواتية لملك البرتغال، الذي سعى إلى محو صورة الوهن والضعف التي وصمت فترة حكم والده يوحنا الثالث، الذي انسحب في عهده البرتغاليون من آسفي، وآزمور، وأصيلا، وغيرها، ساعياً إلى إعلاء شأنه بين ملوك أوروبا كاملة.

كان سبستيان حاقداً على المغرب، وعلى الإسلام الذي يدين به أهله، وجاءته الفرصة على طبق من ذهب، بعد أن استنصره المتوكل المخلوع من حكم المغرب، مقابل أن يتنازل له عن سواحل البلاد جميعها.

حرب "صليبية"

لا يمكن وصف الحملة التي شنها الملك سيبستيان على المغرب، بعد الاتفاق مع الملك المخلوع المتوكل بالله، إلا بالحرب الصليبية الثانية.

فالملك سيبستيان، الذي أغراه عرض المتوكل بالله، بادر إلى طلب المساعدة من خاله فيليب الثاني، الذي أمده بعشرين ألف جندي، وهو عدد يفوق عدد جنود البرتغال الذين استعان بهم سيبستيان نفسه، والذين لم يتجاوز عددهم 12 ألف جندي، في الوقت الذي أمدّ الألمان، حسب كتاب "وادي المخازن معركة الملوك الثلاثة"، الملك البرتغالي بثلاثة آلاف جندي، ومثلهم من الإيطاليين، وأربعة آلاف جندي بعث بهم بابا روما، معززين بألفٍ وخمسمئة فرس، و12 مدفعاً.

في التاسع من تموز/ يوليو 1578، رست سفن البرتغال في مدينة طنجة بقيادة الملك دون سيبستيان، الذي لقيَ في استقباله المتوكل بالله "المسلوخ"، قبل الانتقال برفقته، بيوم واحد، إلى مدينة أصيلة التي نصحه خاله فيليب الثاني، ملك إسبانيا، بدخولها، لأنها كانت تعدل حسب رأيه مراسي المغرب جميعها.

وذكر أبو القاضي، في كتاب "المنتقي المقصور"، أن عدد جنود الجيش البرتغالي بلغ 125 ألف جندي، في الوقت الذي قدّر أبو عبد الله محمد العربي الفاسي، في "مرآة المحاسن"، عددهم بـ120 ألف جندي، مدججين بمدافع وبنادق، بينما قللت الرواية الأوروبية من عدد الجنود الذين رافقوا الملك سيبستيان، إلى ما مجموعه 16 ألف جندي، بين راجلٍ وفارس.


مجريات المعركة كما تخيلها رسام في كتاب برتغالي يعود إلى عام 1629

في المقابل، ضم الجيش المغربي بقيادة عبد الملك المعتصم بالله، 40 ألف جندي يتفوقون في الخيل على البرتغاليين، ومدافعهم عددها 34 مدفعاً فقط، كانوا حسب كتاب "وادي المخازن معركة الملوك الثلاثة"، لشوقي أبو خليل، يخوضون المعركة بروح معنوية عالية، وهم يعلمون أن سقوط المغرب يعني سقوط بقية البقاع الإسلامية المحيطة، وهم لم ينسوا بعد تجرعهم مرارة سقوط غرناطة، ومحاكم التفتيش التي تلتها.

الحرب خديعة

اختار عبد الملك المعتصم بالله، أن يعسكر في القصر الكبير، ويجعلها مقراً لقيادته، وهو يراقب تحركات جيش سيبستيان، قبل أن يبعث إليه برسالة استفزازية، أشار فيها إلى أنه قطع لملاقاته مسافة طويلة، واستفزه بسؤاله، حسب ما جاء في مجموعة من المراجع: "فهلا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي؟".

تلقى سيبستيان نصائح من مستشاريه، ومن المتوكل بالله حليفه، بعدم الانسياق وراء استفزازات المعتصم بالله، للبقاء قريباً من أصيلا، ومن المؤن، والعتاد، والبحر، إلا أن غروره، وحماسته للحرب، وثقته بجنده، وبالعدة التي عنده، وبالمدافع التي سيخوض بها المعركة، دفعته كلها إلى تجاهل نصائح المقربين منه، وإلى شد الرحال إلى الضفة الشمالية لوادي المخازن، التي بلغها في الثاني من تموز/ يوليو 1578، ليعبر في اليوم التالي جسر الوادي، ويخيّم قبالة الجيش المغربي الذي كان في انتظاره.

وتحت جنح الليل، أمر المعتصم بالله شقيقه المنصور الذهبي بنسف جسر وادي المخازن، إتماماً للخطة التي وضعها، بما أن الوادي لا معبر له سوى الجسر المشار إليه، وهكذا تسنى له عزل عدوه عن أسطوله البحري، في شاطئ مدينة أصيلا، واستدراج سيبستيان إلى ساحة معركة يعرفها جيداً.

مات خلال معركة "وادي المخازن" ثلاثة ملوك، وصعد نجم أحمد المنصور الذهبي الذي حصل على لقبه بسبب الثروة التي راكمها المغرب في عهده. بالمقابل انهار حكم البرتغال لصالح إسبانيا التي استولت على جزء كبير من أراضيها

اختار سيبستيان أن يجعل مدفعيته في مقدمة جيشه، وفي الوسط أربع كتائب رئيسية تحيط به، والفرسان على الجانبين مع حراسة خلفية، في الوقت الذي جعل فيه المعتصم بالله مدفعيته في المقدمة، وتليها مباشرة صفوف الرماة والمشاة، وفي الوسط القيادة، وعلى الجانبين رماةٌ، وفرسانٌ، والقوى الشعبية المتطوعة، مع كوكبة احتياطية من الفرسان قرر أن تنقض على البرتغاليين، في الوقت المناسب الذي يختاره هو بنفسه.

وحتى وإن أنهك المرض المعتصم بالله، فقد خرج خاطباً في جيشه، محفزاً إياهم. وحذا الرهبان والقساوسة الذين رافقوا جيش سيبستيان وأوروبا، حذو المعتصم بالله، وهم يحفزون الجنود الأوروبيين، ويذكّرونهم بوعد البابا لهم، بأن كل من سيموت في المعركة، سيكون "شهيداً"، وسيتم العفو عن خطاياه كلها.

شبح الموت ثم النصر

خرج المعتصم بالله، على الرغم من مرضه، لرد الهجوم الأول، ورفع حماسة جيشه، قبل أن يغالبه المرض، ويعود إلى خيمته، التي لفظ فيها بعد دقائق فقط، أنفاسه، منهكاً بالمرض. إلا أنه، وقبل ذلك، أشار على حاجبه رضوان العلج، وعلى أخيه المنصور الذهبي، بعدم إشاعة خبر وفاته، ما دفع الحاجب إلى نقل أوامر باسم السلطان الميت، إلى الجنود وقادة الجيش.

في الوقت نفسه، صعد نجم المنصور الذهبي الذي تولى مهمة قيادة الجيش، وقرر أن ينتهج الحيلة، فاتجه بجيش إلى حيث بارود البرتغاليين، وأوقدوا النار فيه، قبل الهجوم على الرماة.

تلقى سيبستيان نصائح من مستشاريه، ومن المتوكل بالله حليفه، بعدم الانسياق وراء استفزازات المعتصم بالله، للبقاء قريباً من أصيلا، ومن المؤن، والعتاد، والبحر، إلا أن غروره، وحماسته للحرب، وثقته بجنده، جعلته يخسر المعركة

كانت ضربة قوية، أدت إلى تفكك الجيش البرتغالي الذي ولى الأدبار، وفر العديد من جنود الملك سباستيان، قاصدين قنطرة وادي المخازن، معتقدين أنها ما تزال قائمة، ليفاجَأوا بأنها دُمرت. هكذا ارتمى العديد من الجنود في النهر، فغرق من غرق، وأُسر من أُسر، وقُتل من قُتل.

وحتى من نجا منهم، ونجح في عبور الوادي، لقيَ بعض الغرناطيين الحاقدين الذين طُردوا من مدينتهم، بعد محاكم التفتيش، وهم يحملون المناجل، والعصيّ، ففتكوا بكل من يغادر النهر.

وهلك سيبستيان وسط المعركة، برفقة بعضٍ من جنده المحيطين به، في الوقت الذي سعى فيه المتوكل بالله إلى الفرار شمالاً، فوقع غريقاً، قبل العثور على جثته، التي سُلخت، ومنها جاءت كنيته "المسلوخ"، وطيف به في أرجاء المغرب، حتى تمزق جسده، وتفسخ.

غيّرت خريطة العالم القديم

تُسمى معركة وادي المخازن أيضاً بمعركة الملوك الثلاثة، لأنها شهدت وفاة ثلاثة ملوك، هم عبد الملك المعتصم بالله، الذي توفي جراء المرض الذي ألم به قبلها، إلى جانب ابن أخيه المتوكل بالله الذي نُكل به، وسلخت جثته، وملك البرتغال سيبستيان الذي افتدى كاردينال مدينة سبتة ريكي جثته بمبلغ مالي كبير، لنقله إلى مدينته، قبل نقله ثانيةً إلى مدينة لشبونة.

وشهدت المعركة أيضاً بروز ملك رابع، هو المنصور الذهبي، الذي بويع بعد نهايتها سلطاناً على المغرب، ولُقّب بالذهبي، لأن عصره كان عصر ثراء كبير، وازدهرت فيه تجارة الذهب مع بلاد السودان (شرق إفريقيا حالياً).

نتج عن معركة وادي المخازن مخلفات عدة ، ساهمت في تغيير أشياء عديدة في المغرب، وفي شبه الجزيرة الإيبيرية.

في المغرب، وبعدما اعتلى المنصور الذهبي العرش، خلفاً لشقيقه، بادر إلى الكتابة إلى السلطان مراد خان الثالث العثماني، وإلى سائر ملوك المسلمين المجاورين للمغرب، لتتقاطر عليه بعد ذلك التهاني، والزيارات الرسمية، من وفود عربية وأوروبية، أبرزها من إسبانيا وفرنسا.

وفي البرتغال، نتج عن وفاة سيبستيان تراجع قوتها بين دول أوروبا، وهو ما سينتج عنه لاحقاً ضمها إلى الأراضي الإسبانية سنة 1580، من قِبل خاله الملك فيليب الثاني.

ووصف المؤرخ البرتغالي لويس ماريا هزيمة جيش بلاده في معركة وادي المخازن، قائلاً: "هو العصر النحس، البالغ النحس، الذي انتهت فيه مدة الصولة، والظفر، والنجاح، وانقضت فيه أيام العناية من البرتغال، وانطفأ مصباحهم بين الأجناس، وزال رونقهم، وذهبت النخوة والقوة منهم، وخلفها الفشل، وانقطع الرجاء، واضمحل الغنى والربح، وذلك هو العصر الذي هلك فيه سيبستيان، في القصر الكبير من بلاد المغرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard