أديب نوبل يقدّم شهادته على اغتيال المهدي بن بركة

الأربعاء 15 سبتمبر 202102:46 م

بغموض يتلاءم مع حادثة اختطاف واغتيال السياسي المغربي البارز المهدي بن بركة بضواحي باريس، جاءت رواية "عشب الليالي" للروائي الفرنسي الحاصل على نوبل عام 2014، باتريك موديانو، لتقف بجوار الكثير من التحقيقات الأمنية والاستقصائية، حول الحادث الذي ما يزال مشتعلاً، رغم مرور ما يقارب من 56 عاماً على وقوعه، حيث اغتيل بن بركة في 29 تشرين الأول/أكتوبر عام 1965، دون أثر لجثته حتى الآن.

المهدي بن بركة، المولود بالرباط، في كانون الثاني/يناير عام 1920، صاحب رحلة نضالية كبيرة ومؤثرة في تاريخ المغرب الحديث، رغم حياته القصيرة؛ فهو مؤسس اليسار المغربي الحديث، وكان أشهر معارض اشتراكي للملك الحسن الثاني.

في عام 1945 أصبح بن بركة رئيساً لحزب الاستقلال المغربي، وهو الحزب الأكبر في المغرب الذي قاد الحركة النضالية من أجل الاستقلال وتحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي، قبل أن يتركه ليؤسس ويرأس حزب "الاتحاد الوطني للقوى الشعبية".

تعرض بن بركة للاعتقال عدة مرات، وصدر ضده الكثير من الأحكام، من بينها حكم بالإعدام، حيث اتُّهم بالمشاركة في ما سُمي بـ"مؤامرة اغتيال الملك". كان بن بركة محاصراً من جانب السلطات المغربية، وكذلك السلطة الفرنسية، التي أدركت مدى خطورته على المسار الاستعماري الفرنسي للمغرب.

في 29 من تشرين الأول/أكتوبر عام 1965، اختفى المهدي بن بركة في باريس، ولم يُعثر له على أثر حتى الآن، فثمة تكتم من جانب الأطراف المشاركة في الجريمة، في الإدلاء بأي تفاصيل مهمة، بخلاف الرواية الرسمية المتفق عليها.

وتقول الرواية الرسمية إنه في صباح اليوم السابق ذكره، حين كان بن بركة على موعد مع أحد المخرجين الفرنسيين، لإعداد فيلم حول حركات التحرر، أمام مطعم "ليب"، بقلب العاصمة الفرنسية، قاده شرطيان فرنسيان إلى سيارة تابعة للشرطة. وأمام المحكمة، اعترف الشرطيان أنهما خطفا بن بركة بالاتفاق مع المخابرات المغربية، واتخذاه إلى فيلا بضواحي باريس، وهناك توفي جراء التعذيب الذي ناله أثناء التحقيق معه.

وقت حادثة اغتيال بن بركة كان موديانو في العشرين من عمره، يعيش حياةً بوهيمية، يقضي وقته، في التجول في شوارع وأزقة باريس، ولم يكن قد كتب بعد روايته الأولى "ساحة النجمة".

موديانو المتروك أبداً للحياة من قبل والديه، والذي عايش صراعات هائلة حول هويته، الباحث عن ذاته وسط أهوال باريس الستينيات، وصخبها، وعتمتها، ساقته الأقدار إلى معايشة أشخاص ينتمون إلى عالم مشبوه، وكان هو آنذاك يقوم بدور "المشاهد الليلي"، لكن ذاكرته دون أن يدري، قد أصبحت مكدسة بهؤلاء الأشخاص وتلك الذكريات السوداء، وكان عليه أن يتخلص من كل ذلك عبر كتابته الروائية، القائمة بالأساس على فن الذاكرة، الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصياناً على الفهم.

كتب موديانو "عشب الليالي" كمن يزيح حجراً ثقيلاً عن صدره، وفي الوقت نفسه، كان يهدف من خلالها إلى إحياء الأشخاص والأماكن، وتقديم وثيقة تاريخية عن باريس الستينيات وفي قلبها حادثة اغتيال بن بركة التي خلفت ضجة سياسية هائلة.

"كانت باريس في سنوات ستينيات القرن العشرين، خطيرة للغاية، مظلمة ومضطربة. لم أكن قد بلغت 21 عاماً، وكنت حينها أعيش إلى حد ما، حياةَ مهاجر سرّي عابر في باريس، وأرافق أناساً يرتبطون بشكل غير مباشر بعالم مشبوه، وأتردد على أمكنة غريبة، وكانت توجد هنا وهناك مؤشرات على ما سيصبح لاحقاً معروفاً بقضية بن بركة".

"كنت أتردد على أمكنة غريبة، وكانت توجد هنا وهناك مؤشرات على ما سيصبح لاحقاً معروفاً بقضية بن بركة"

مزج موديانو في "عشب الليالي" بين الأحداث الواقعية، والسيرة الذاتية، متخفياً، وراء الراوي العجوز "جون"، الذي تؤرقه ذكريات شبابه، ليستيقظ في منتصف الليل، متصفحاً مفكرته التي تطفو على صفحاتها أسماء الأماكن والأشخاص المريبين الذين تورطوا في قضية اغتيال بن بركة.

وبحسب المحرر الثقافي لجريدة اللوموند الفرنسية "كان موديانو على معرفة بأحد الأشخاص، الذين كانوا على علاقة وطيدة بملف قضية بن بركة". ويظهر هذا الشخص في الرواية باسم "لانغلي"، وهو محقق أمني بقسم شرطة جيسفر، كان قد أجرى تحقيقاً مع "جون"، حول علاقته بـ"دومينيك روجي" المتورطة في قضية بن بركة، مع عصابة "فندق أونيك".

هذا قبل أن يمنحه ملفاً، تحوي صفحاته تفاصيل الحادث، كان قد احتفظ به، بعد تقاعده عن العمل: "حسناً... حينما تقاعدت عن العمل، احتفظت بملفين أو ثلاثة من باب الذكرى.. ومن بين هذه الملفات، هناك ملف أولئك الذين بسببهم تم استجوابك في مكتبي، بمركز جيسفر".

أثناء تصفحه الملف، يعثر جون على ملفات الحالة المدنية لأشخاص "عصابة مونبارناس" كما أطلق عليهم: أغاموري، الغالي، جناح المغرب، الحي الجامعي، من مواليد السادس من حزيران 1938 بفاس. يدعي أنه "طالب"، وعضو في مصالح الأمن المغربي، ويشير اسمه، بحسب بعض المصادر، إلى الطالب تهامي الزموري، الذي كان يُرافق المهدي بن بركة وقت اختطافه.

يليه: سفارة المغرب... جورج ب.، المدعو روشار، شعر كستنائي متوسط الطول، أنف مستقيم، ندوب كبيرة، وهو جورج بوشيش المتهم بقتل بن بركة في بعض الروايات؛ بول شاستانيي. القامة متر و80 سنتيمتراً، لديه سيارة لانسيا؛ مارسيانو جيرار، للإشارة ثمة ندبة بطول سنتيمترين على الحاجب الأيسر. وهو يتصفح "الملف" كان قلب جون يرجف خوفاً من أن يُقابله اسم "داني"، حبيبته التي قادته إلى هذا العالم المشبوه.

كان جون قد تعرف على داني، الشخصية الغامضة التي تتخفى تحت الكثير من الأسماء، في الحي الجامعي، حيث قدمت نفسها كطالبة، تقيم في جناح الولايات المتحدة، وهي بدورها قد عرفته على الشخصيات المشبوهة السابق ذكرها، والتي يقيم بعضها بفندق "أونيك" بشارع مونبارناس بباريس، حيث كانوا يجتمعون، في صالة الاستقبال بالفندق، بمقهى ضوء القمر أو مقهى 66 "ينحنون على الشخص المدعو جورج ب، منصتين لكل ما يقوله. ومن هيئتهم يبدون وكأنهم في غمرة التخطيط لحرب. وكان فيلتز وجيرار مارسيانو قد أكدا لي بصوت خفيض، أن فندق أونيك يخضع للمراقبة والحماية في نفس الآن من طرف مفتشي الفرقة الدولية".

بحسب المحرر الثقافي لجريدة اللوموند الفرنسية كان موديانو على معرفة بأحد الأشخاص، الذين كانوا على علاقة وطيدة بملف قضية بن بركة

يكتشف جون من خلال الملف، أن داني لم تكن من مواليد الدار البيضاء، ولم تكن في يوم ما طالبة، بل كانت سجينة لمدة تقارب العام، بعد ضبطها متلبسة، وهي تسرق بعض الأشياء من محلات وسط العاصمة؛ "لم تكوني من مواليد الدار البيضاء، كما أخبرتني ذات مساء ونحن نتحدث بشأن أغاموري وبعض رواد فندق أونيك الذين تربطهم علاقة وثيقة بالمغرب. لقد ولدت ببساطة في باريس خلال الحرب، سنتان قبل تاريخ مولدي".

يقرأ جون أسفل الصفحات التي تحتوي على تقارير الحالة المدنية: قذيفتان أصابتا الضحية، إحداهما أطلقت على مسافة تماس... العبوتان الفارغتان اللتان تطابقان الطلقتين تم العثور عليهما. حارس مركز 46 هنري الرابع".

وخلال متابعته، يُصدم جون حين يكتشف الاتهام الموجه لـداني، بإطلاقها الرصاص على الضحية، فيستعيد حواراً بينهما في محطة القطار: ماذا تفعل حين تعرف أنني متهمة بقتل شخص؟ - لا أفعل شيئاً. ثم أخبرتها: هناك غالباً طلقات طائشة... نعم حادث... لقد انطلق الرصاص من تلقاء ذاته".

تفاصيل الحادث هي الأكثر وضوحاً في الملف، الذي صار ملكاً لجون، حيث يتخفف موديانو هنا في سرده من الغموض والمسحة الضبابية التي تغلف الرواية. فقبل منتصف الليل، سمع حارس البناية رقم 46، رصيف هنري الرابع، طلقتي رصاص، وبعدها بدقيقتين، شاهد رجلين وامرأتين يغادرون الشقة، وبعد ذلك فتاة شابة، هي داني، قدم بشأنها علامة خاصة، أثناء التحقيقات.

بعد مرور حوالي ساعة، حل أربعة أشخاص، حاملين شخصاً، اقتادوه إلى سيارة مركونة أمام مبنى. كان الحارس يجهل أن الرجل ميت. أحد الذين يُمسكون به أخبره ببساطة بأن هذا الشخص شعر بتوعك، وبأنهم يحملونه إلى مستشفى لاريبوازيير. كان المستشفى بعيداً في الجهة الأخرى من باريس.

"وحسب المعلومات التي جمعها لانغلي، فقد تم اقتياد الميت إلى منزله، حتى يموت هناك بشكل رسمي، موتاً جميلاً، دون أن يعلم أي أحد أبداً أن الحادث، وقع في شقة في الطابق الأرضي من البناية رقم 46 برصيف هنري الرابع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard