حادثة "صفع مؤخرة" شابة في طنجة... شجرة تخفي غابة الذكورية السامة

الأحد 26 سبتمبر 202104:33 م

"فيديو مثيرٌ للقرف، وللرغبة في الصراخ والحقد، يذكّرني بحادثة مماثلة وقعتُ ضحيتها". بهذه العبارات التي تلفظُ مشاعر السخط، تُعلّقُ إيمان أبحري، طالبة جامعية مغربية مقيمة في إسطنبول، في حديث مع رصيف22، على فيديو تحرش شاب بفتاة، في أحد الشوارع في طنجة، قام برفع تنورتها، خلسةً، ثم وضع يده على جزء حميمي من جسدها، ضاحكاً، في ما يُشبه مشهداً سينمائياً بطولياً.

حادثة التحرش التي أثارت منذ يومين موجة من السخط، والصدمة، على مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت النقاش حول غياب الأمان في الفضاءات العامة، والتحرش، والاعتداء الجنسي على النساء، وتوثيقه، لخلق الإثارة، والضحك، والاستهزاء.

اعتقال المتحرّش

مباشرةً بعد انتشار الفيديو، عشية الثلاثاء 14 أيلول/ سبتمبر الجاري، دخلت المديرية العامة للأمن الوطني على الخط؛ إذ أعلنت أن عناصر الشرطة في ولاية أمن مدينة طنجة، أوقفت القاصر الذي يبلغ من العمر 15 سنة، للاشتباه بتورطه في المشاركة بالإخلال العلني بالحياء، والتحرش الجنسي.

وجاء في بلاغ رسمي، أن "مصالح الأمن الوطني كانت قد تفاعلت، بسرعة، وجدية كبيرة، مع مقطع فيديو تم تداوله عبر تطبيقات التراسل الفوري، يوثّق لإقدام جانح، على تجريد فتاة من ملابسها، والتحرش بها جسدياً، في الشارع العام، فيما تكلّف شخص آخر بتوثيق هذه الأفعال، ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات التراسل الفوري".

"وأنا أتسوّق، أحسست بيد تتلمس مؤخرتي، بطريقة آلمتني، فالتفتُّ مباشرةً خلفي، وأنا أزيل بعنفٍ اليد الممدودة إلى جسدي"

البلاغُ أضاف أنه "أظهرت الأبحاث والتحريات التي باشرتها مصالح الأمن، أن هذه الواقعة تم تسجيلها في منطقة "بوخالف"، في مدينة طنجة، وأن عمليات التشخيص أسفرت عن تحديد هوية المشتبه به الرئيسي، الذي يوجد حالياً في حالة فرار، بينما تم توقيف القاصر الذي يشتبه في مشاركته في ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية، وتوثيقها في شريط مصوّر، ونشره بواسطة الأنظمة المعلوماتية".

وقد تم، حسب البلاغ، "إخضاع المشتبه به القاصر، لإجراءات البحث القضائي الذي تشرف عليه النيابة العامة المختصة، للكشف عن الظروف والملابسات الحقيقية المحيطة جميعها، في ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية، بينما تتواصل الأبحاث والتحريات، لتوقيف المشتبه به الرئيسي المتورط في هذه القضية".

مقابل ذلك، نشرت بعض المواقع المغربية، أن الشابة ضحية التحرش الجنسي، هي طالبة مغربية تبلغ من العمر 19 سنة، قدِمت إلى مدينة طنجة، لمتابعة دراستها، وقد تقدّمت بشكوى لدى المصالح المعنية، بعدما تم الاستماع إليها من طرف عناصر الشرطة، قبل أن تقرر التخلي عنها، من دون ذكر الأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وفي حين انتقدها بعض رواد المواقع الإلكترونية، نساء ورجالاً، دافع آخرون عن قرارها، قائلين إن لها أسبابها الخاصة.

"كرهتُ المغرب بسبب التحرش"

حادثةُ الشابة، ليست حالة معزولة، ولكنها ظاهرة تتكرر على ألسن الكثيرات من الشابات والنساء المغربيات، اللواتي كلما تفجرت قصة مماثلة، تجرَّأن وحكين تجاربهن في التعرض للتحرش، والاعتداء الجنسي، في مختلف الفضاءات العمومية.

إيمان أبحري، وهي تتقاسم مع رصيف22، أسوء تجاربها التي كانت بمثابة "السخط الأخير" الذي دفعها للتشبث بفكرة متابعة الدراسة الجامعية خارج المغرب، في تركيا، متأكدة من أن هذه الأخيرة ستُعيد إليها "حريتها المسلوبة" في المغرب.

تحكي إيمان، ذات الـ22 سنة، أن حادثة الشابة في طنجة، ذكّرتها بما تعرضت له ذات يوم، خلال تسوّقها في فضاء عام مكتظ بالباعة والمارة. تقول إيمان: "أتذكر أنه كان يوماً قبل عيد الفطر، وقبل أن أخرج من البيت، قررتُ ارتداء جلبابي، لتجنب أي سلوك مشين، وأنا أستحضر كعادتي معاناتي كل يوم في الشارع".

تُضيف إيمان، بحنق واستياء: "وأنا أتسوّق، أحسست بيد تتلمس مؤخرتي، بطريقة آلمتني، فالتفتُّ مباشرةً خلفي، وأنا أزيل بعنفٍ اليد الممدودة إلى جسدي، لأجد من رأيته حينها وحشاً قذراً، ينظر إليَّ، ويسبّني بأقبح الكلمات".

وتتابعُ إيمان كلامها: "كنت مصدومة جداً مما حدث، ورفعتُ صوتي، وهممتُ من أجل أن أضربه، لكنه تقدّم نحوي محاولاً هو الآخر ضربي، ودفعي بعنف، وهو يصرخ بأن الجلباب الذي أرتديه يصفني، ويكشف جسدي، إلى أن تجمهر الناس، ثم صرتُ مركز عيون المارة، الذين دعوني لتجاهل الحدث، ومسامحة ذلك المتحرش، بعدما ارتفعت الأصوات، وطغى السبّ والشتم".

لم تكن إيمان، حينها، قادرة على تبرير تعرضها للعنف، والاعتداء، بعدما شعرت بأن الجميع لم يعاتبوا المتحرش، واكتفوا بتفريق المتجمهرين، وطلب منها أحد المارة إخلاء المكان، والذهاب إلى حال سبيلها.

تصفُ إيمان شعورها آنذاك، بـ"الاشمئزاز والقرف"، وقد كانت في حاجة إلى البكاء، كما تحكي، لأنها شعرت بالاستفزاز والعجز، وهو إحساس تعلّق عليه واصفة إياه بـ"القاتل"، وتضيف: "تشعرين بالظلم والمرارة، وتضطرين إلى تقبل فكرة أن حقك لن تنزعيه، لأننا في مجتمع هلكَنا بذكوريته المسمومة".

بالنسبة إلى إيمان، خيار الهجرة إلى تركيا، فرضته ظروف موضوعية، وهي متابعة الدراسة، ولكنه كذلك ينسجمُ مع رغبتها في الاستقرار في بلد لا تتعرض فيه النساء للتحرش وللاعتداء، وقد كانت الوجهة إسطنبول، حيثُ "الأمان والحرية"، كما تقول.

وعلى إيقاع صوت جوليا بطرس، مردّدةً "أنا بتنفس حرية، ما تقطع عني الهوا"، تستعيدُ إيمان ابتسامتها، وتضيف: "أنا بتنفس حرية، أنا الآن حرّة في إسطنبول، أحس بفارق ملحوظ بين المغرب وتركيا، ففي المغرب كنت أرتدي ما أشاء، لكنني لم أكن أشعر بالأمان، والآن أنا أرتدي ما أختاره، وأشعر بالأمان، وبراحة كبيرة، قبل الخروج من منزلي".

تقول إيمان، إنها استطاعت أن تستعيد حريتها وإحساسها بالأمن المفقود في المغرب، موضحةً أنه في المغرب، "كنتُ أستعد نفسياً، كل يوم، لمواجهة تعليقات الذكور، واستفزازاتهم، بخصوص لباسي. كنت أعيش عذاباً وحرباً، يومياً، إلى درجة كنت أتمنى معها لو يخلو يومي من حادثة تحرش".

تعليقاتٌ تدين لباس النساء

"لباسها فاضح وكاشف"، و"لباسها مثير جداً"، و"لباسها ضد الحياء العام"، و"تستحق الضرب والسبّ والاعتداء؛ هذه عينة من التعليقات على حادثة طنجة، التي زادت الطين بلة، وفتحت النقاش حول حرية اللباس على مصراعيه، وعاد الجدل مجدداً حول أجساد النساء، وعدم التساهل مع المتحرش.

تحكي إيمان، وهي تأسف لمستوى هذا النقاش، وتقول: "الذين يلومون لباس النساء، غارقون في الجهل، وليس من حق أحد الحكم على لباسنا. نرتدي ما نريد، والمجرم يجب أن يتلقى العقوبة، ليكون عبرة للآخرين"، متسائلةً: "لماذا هذه الوصاية على أجسادنا؟ ولماذا لا يفقد الرجل حريته في ما يرتدي، بينما نحن نواجه هذه الحروب كلها؟".

في المغرب كنت أرتدي ما أشاء، لكنني لم أكن أشعر بالأمان، والآن أنا أرتدي ما أختاره، وأشعر بالأمان، وبراحة كبيرة، قبل الخروج من منزلي

وفي هذا السياق، ترى خديجة خفيض، ناشطة حقوقية ومدافعة عن حقوق الإنسان، أن "التعليقات التي تعاطفت مع الشاب، ودعت إلى معاقبة الشابة، بسبب لباسها، مخيفة جداً، ومقلقة، وتدعو إلى التطبيع مع العنف ضد النساء، وتبريره، ثم التعايش معه، كما لو أنه حادث عادي".

وتضيف خفيض، في تصريح لرصيف22، أنه "يجب أن ننطلق من الاعتراف بأننا في صدد ظاهرة التحرش، والاعتداء على النساء، تؤكدها الكثير من الدراسات"، موضحةً أنه في مشروع "سمعي صوتك" (أسمعي صوتكِ بالدارجة المغربية)، الذي تنسقُه، "حذَّرنا من التطبيع مع العنف، والتعايش مع هذه الظواهر، لأن نسبة كبيرة من الضحايا، لا تلجأ إلى الأمن، لأسباب كثيرة، منها طول الإجراءات من جهة، وتجنب الفضيحة من جهة ثانية".

وتدعو خفيض إلى معاقبة من يبرّر العنف، لأنه بالنسبة إليها، "كما يعاقب القانون الأشخاص الذين يشيدون بالأعمال الإرهابية، ويشيدون بأعمال العنف، يجب كذلك أن يعاقب القانون الجنائي من يشيد بالعنف ضد المرأة، ومن يدعو إلى الاعتداء على أي امرأة ترتدي لباساً يراه غير مقبول".

قانون محاربة العنف ضد النساء

لا تكاد تطفو ظاهرة تحرش على النقاش العمومي في المغرب، إلا ويصاحبه الجدل حول تفعيل القانون الذي يردع المعتدي على المرأة، في حين يبقى النقاش حول التبليغ من طرف النساء مُعلّقاً، ولا يجد الكثير من الآذان المصغية.

وفي هذا الصدد، توضح خفيض: "ينصّ القانون الجنائي على معاقبة أفعال التحرش، أو محاولة التحرش، في حق كل طفل أو طفلة، بعقوبة السجن مدةً تتراوح بين سنتين، وخمس سنوات، وتتضاعف العقوبة في حالة اقتران التحرش بالعنف، فيُحكم على الجاني بالسجن من عشر سنوات إلى 20 سنة".

مقابل ذلك، تؤكد الفاعلة الحقوقية أن انعدام الوعي مستفحل بشكل كبير، لأن "لدينا أفراد يؤمنون بسلطتهم، وسلطة المجتمع على جسد المرأة، بالإضافة إلى النظرة الجنسية التحقيرية، ويرون أن لباس المرأة فاضح ومستفز، لذلك يجب أن تُعاقَب بطريقتهم الخاصة، وكأنهم ينصّبون أنفسهم قضاةً، ومحاكم على أجساد النساء"، توضح المتحدثة بأسف شديد.

وشددت منسقة مشروع "سمعي صوتك"، على أن المقاربة القانونية لتجريم التحرش موجودة، لكنها "لا تحقق الحماية الفعلية للنساء، لمجموعة من الأسباب، منها ما هو مرتبط بالنص القانوني نفسه، أي صعوبة الإثبات مثلاً، ومنها ما هو مرتبط بعدم وعي الضحايا بحقهن في المتابعة، وتقديم الشكاوى، وهنا دور الإعلام، إذ لا بد من توعية النساء باللجوء إلى القانون، ومتابعة المتحرش".

الدعوةُ إلى تكسير حواجز الصمت، تجاه ظواهر التحرش والاعتداء، هو في صميم عمل مشروع "سمعي صوتك"، الذي يعرّف النساء بحقهن في التبليغ عن العنف، وتجاوز صعوبة تقبل المجتمع رفع شكاوى ضد المتحرشين.

مقابل ذلك، دعت الفاعلة الحقوقية إلى "تعديل القوانين، وتجويدها، لتذهب في اتجاه الحماية الفعلية الزجرية للنساء، وترسيخ الوعي بالتربية والتثقيف الجنسيين"، مشدّدةً على أن "جسد المرأة ملك لها، ولا حق لأي أحد في لمسه".

غياب الأمن وانتشار الظلامية

دعواتٌ ونداءات كثيرة تحشد أصوات الجمعيات النسائية والحقوقية، من أجل تأمين الفضاءات العامة، وحماية وجود النساء فيها، ومعاقبة المتحرش والمعتدي.

وتستنكر فاعلات حقوقيات، تنامي ظواهر التحرش، والاعتداء على النساء، في مغرب القرن 21، وهو المغرب نفسه الذي عُرف بتلاقح ثقافاته، وقيم التسامح والتعايش بين مواطنيه، وتوافد السياح على مدنه.

وفي هذا السياق، تؤكدُ منسقة جمعية شابات من أجل الديمقراطية بشرة الشتواني، أن "الباحثين في علم الاجتماع، يقولون إن المدن الساحلية تكون أكثر انفتاحاً من المدن الداخلية، بحكم أنها مدن ترسو عليها بواخر أخرى، وتالياً ثقافات أخرى، ما يعني أن هناك تلاقحاً للثقافات والتسامح، وهذا ما كان يُعرف في مدينة طنجة، لكن فجأة صرنا نرى أن أفرادها يتكلمون بخطاب ظلامي ماضوي، مع ارتفاع نسب التحرش بالنساء".

تستنكر فاعلات حقوقيات، تنامي ظواهر التحرش، والاعتداء على النساء، في مغرب القرن 21، وهو المغرب نفسه الذي عُرف بتلاقح ثقافاته، وقيم التسامح والتعايش بين مواطنيه، وتوافد السياح على مدنه

وأضافت الشتواني، في تصريح لرصيف22، أن هذه الظاهرة بدأت تتزايد منذ سنة 2015، خصوصاً في مدن منفتحة، مؤكدةً أنه "خلال السنوات العشر الأخيرة، دخل المغرب في سرداب ظلامي كبير، وتصريحات حكومية رجعية من رئيس الحكومة السابق بنكيران، إلى آخر ما حدث، وهو إلغاء الموافقة على التعدد الزوجي، والتراجع عن مكتسبات حققتها الحركة النسائية، والتي كنا ننوّه بها بتفاؤل".

وبنَفَس حقوقي نسائي، يحمّل المسؤولية المباشرة لحزب سياسي إسلامي، تلفت المتحدثة إلى أنه خلال السنوات الأخيرة، تغيَّر المغرب، إذ صارت لغتنا لا تشبهنا كمغاربة، حتى الطقس الاحتفالي الأمازيغي المختلط، لم يعد كما كان بعدما منعت النساء من الرقص، بسبب تزايد خطاب العورة تحت يافطة الإسلام".

وبذلك علّلت الفاعلة الحقوقية السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية، في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، بكون "الشعب المغربي أسقط الحزب الإسلامي في الانتخابات، وهذه رسالة التقطناها من أجل تكثيف الترافع، لإزالة الثقافة المظلمة التي عمّت المغرب منذ عشرات سنوات"، داعيةً إلى "تظافر جهود المجتمع المدني، لإخراج المغرب من سراديب الظلام".

وحول تأمين الفضاءات، قالت المتحدثة: "سنة 2015، أطلقنا حملة "بحالي بحالك"، أي مثلي مثلك بالمغربية، من أجل الولوج الآمن إلى الفضاءات العمومية. حذّرنا من تفاقم الظاهرة، وكنا نطالب بوجود فضاءات آمنة للنساء والأطفال، وللتنوع المجتمعي في المغرب".

واستحضرت المتحدثة أشهر حادثة اعتداء في المغرب؛ ما عُرف بـ"فتاتي إنزكان"، التي تعرضت خلالها شابتان ترتديان تنورتين، خلال شهر رمضان سنة 2015، إلى اعتداء من طرف أحد الباعة المتجولين، موضحةً أنه "بعد اعتقالهما، برّأتهما المحكمة، بعد مرافعات بطولية لمجموعة من المحامين، لأن الأصل هو تحرش البائع، وليس لباس الفتاتين".

مقابل ذلك، شدّدت الشتواني على الوعي، باتّباع المسطرة القانونية، بالنسبة إلى النساء اللواتي يتعرضن للعنف، داعيةً إلى عدم الخوف من الحديث عن الموضوع، بالقول: "شخصياً، إذا تعرضت لحالة مماثلة، سأتقاسمها مع الناس، وأسلك المسطرة القانونية إلى آخر رمق، ولن أخجل من قول إنني تعرضت للتحرش، سواء ارتديتُ تنورةً، أو سروالاً، لأن لباسي اختياري، ولي الحرية كاملة، بضمانات قانونية تحميني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard