"المُقَدَّمْ"... عون السلطة والمخبر والعالم بخبايا البيوت المغربية

الاثنين 31 مايو 202111:09 ص

"لْمقدم سيأخذ اللعنة". كانت هذه آخر جملة نطق بها المُضيف الذي التمّ حوله تسعة ضيوف آخرين في مناسبة عائلية في إحدى المناطق التابعة لإقليم أزيلال (وسط المغرب)، وهو يسرد قصة محاولته ترميم جزء من بيته المتهالك ليلقى الكثير من المتاعب بسبب المقدّم الذي يعمل عوناً لوزارة الداخلية.

قبل أن ينتقل الحديث إلى مواضيع أخرى، تحوّل "المجمع" فجأة إلى ساحة لرجم المقدّم الذي وعلى الرغم من أن وظيفته تقع في أسفل هرم السلطة، إلا أنها تثير هلع كثيرين من نفوذها، وقدرتها على الوصول إلى ما لا يصل إليه الغير. كلامه ليس استثناء، بل هو شبه قاعدة في جل قرى ومدن المملكة. فعلى الرغم من أنهم ليسوا موظفين في الدولة، لكنهم موجودون في "قلب" منظومة الداخلية والاستخبارات في المغرب.

عيون المخزن التي "لا تنام"

تنتشر الكثير من القصص في الأوساط الشعبية قائلةً إن "المقدّمين" ساهموا في إحباط عمليات إرهابية، وهذا قد لا يكون كذباً بالمطلق. فهم عين السلطة التي لا تنام، وحاضرون في كل مكان: من المقاهي إلى المتاجر إلى الأسواق... ويستمدون معلوماتهم من التجار، وحرّاس السيارات، والنادلين، ونواطير العمارات، وأحياناً من المتسولين. وبهذا، فكل غريب عن الحي، أو كل قاطن فيه تغيّر سلوكه يصبح في "رادارات" المقدّم الذي لا يتردد في إبلاغ رؤسائه عنه، الذين يُعلمون بدورهم أجهزة الاستعلامات العامة، والمخابرات التي قد تعثر على صيد ثمين بفضل "جندي الخفاء".

يمارس أعوان السلطة كل المهام، المعلومة منها، والمجهولة. فمجال نشاطهم أوسع من كل وظيفة يتخيّلها العقل. هم مكلّفون بمراقبة البناء العشوائي، والأسواق، وإرشاد الدوريات الأمنية، ومراقبة المساجد، وتبليغ المواطنين بالاستدعاء إلى الإدارات العمومية، وتسجيل المواطنين في قوائم الانتخابات، وتسجيل حالات الولادات والوفيات، وتعقّب المناضلين، والتجمعات الجماهيرية، والحركات الطلابية، ولقاءات الأحزاب والمنظمات اليسارية والإسلامية، بالإضافة إلى تقديم التقارير عن عواقب الكوارث الطبيعية، والعمل داخل الإدارات، ومراقبة الشواطئ، والتعاون مع المخابرات، وتسليم شهادات عما إذا كان الفرد لا يزال حياً، وهي "شهادة الحياة"!

إنهم المصدر الرئيسي للمعلومة التي تصل إلى رجال السلطة المحلية، إن لم نقل الحجر الأساس الذي تقوم عليه وزارة الداخلية. المقدم عين المخزن المغربي التي لا تنام

إنهم "عين السلطة التي لا تنام"، كما يصفهم الجميع وإن بتوجّس وحيطة كبيرين. ويمكن لعون السلطة أن يعمل "على مدار الساعة، وفي كل أيام الأسبوع، من دون يوم راحة، ما عدا إجازة سنوية لا تتعدى 15 يوماً، وأُلغيت هذه السنة بسبب ظروف جائحة كورونا"، كما يخبرنا أحدهم.

لكن وعلى الرغم من أن دورهم محوري في منظومة الدولة، إلا أنهم ليسوا موظفين، ولا قانون ينظّم عملهم، لتصبح وظيفتهم هجينة. "على الرغم مما وصلت إليه الاكتشافات العلمية الحديثة، لا تزال بنية عمل النظام السياسي المغربي، أو ما يعرف بالمخزن، موضوع انتقاد الكثيرين". بهذه الكلمات استهلّ الكاتب الوطني لشبيبة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي عبد العاطي أربيعة، حديثه إلى رصيف22، وقال إن هذا النظام: "هَنْدَس شكلاً غريباً من الأنظمة السياسية التي تأبى التطور، منها اعتماده على أعوان السلطة الذين أصبحوا بدورهم ضمن بنية السلطة، وعليهم مراقبة كل صغيرة وكبيرة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول ما يحدث داخل مجالهم الجغرافي، ونقلها إلى رجال السلطة الذين يشتغلون تحت إمرتهم".

وأضاف أربيعة أنه "على الرغم من كونهم المصدر الرئيسي للمعلومة التي تصل إلى رجال السلطة المحلية، إن لم نقل الحجر الأساس الذي تقوم عليه وزارة الداخلية، إلا أن مهامهم، وفي غياب أي قانون يؤطّر عملهم، تظل مبهمة، ومجالات تدخلّهم غير معروفة، ما يجعل أدوارهم لا تخضع لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يجعل علاقتهم بالمواطنين تطرح الكثير من الأسئلة".

عنف المقهور على المقهور

صور أعوان سلطة يعنّفون أساتذة خرجوا للتظاهر قبل أشهر، أثارت الكثير من الغضب في أوساط المغاربة. ويرى الباحث في تحليل الخطاب في جامعة ابن طفيل في القنيطرة أيوب الظهراوي، أن أعوان السلطة أقرب "مستخدمي" وزارة الداخلية إلى المجتمع، غير أن "المقدّمين" ينتمون إلى بنية إدارية تقليدية ارتبطت بالهيكلية التي سنّها الاحتلال الفرنسي، إذ كانوا عينه على الحركة الوطنية.

وقال الظهراوي في لقائه مع رصيف22 إن العنف الذي يمارسه أعوان السلطة على المتظاهرين أو في الشارع العام أحياناً، يعود إلى رغبة دفينة في خروج عون السلطة من وضعية المقهور، إلى وضعية القاهر. وقال بتعبير أدق: "إنه تنفيس عن الإحساس بالغبن، لكنه تنفيس في اتجاه آخر. تنفيس عن العنف بالعنف. ولهذه الفرضية ما يدعمها في التحليل النفسي، إذ إن أعوان السلطة ينفّسون عن كبتهم المرتبط بـ"دُونيتهم" داخل هرم السلطة، فتصبح أي فرصة للانتقال إلى موقع المتسلِّط تنفيساً لهم. إنهم ينتقمون من مرؤوسيهم حين يشرعون في سبّ المواطنين، وفي الاعتداء عليهم جسدياً، لأنهم غير قادرين على مجابهة استغلال رؤسائهم لهم".

والمثير في الأمر بحسب الباحث، هو أن أعوان السلطة يستعملون في الغالب "الشتائم نفسها التي يستعملها رؤساؤهم، ويتكلمون بطريقتهم، كأن الأمر سلوك باسم الموقع لا الشخص. بالإضافة إلى ذلك يشتغل أعوان السلطة ساعات طوال، تتوزع بين الأعمال المكتبية، والجولات في الأحياء والأسواق، نهاراً وليلاً، الأمر الذي يرهقهم جسدياً ونفسياً. هذا الإرهاق ينتج عنه بالضرورة سلوك عنيف في أغلب المواقف".

ورفض الظهراوي تبرير العنف المادي، وغير المادي. بل عدّ عنف أعوان السلطة "غير مشروع في كل الأحوال"، لأنهم ليسوا موظفي وزارةٍ مفوّضٍ لها ممارسة العنف المشروع، ولا يحق لهم الانتقال من وظيفة نقل المعلومات، إلى وظيفة التنفيذ تحت أي ظرف.

وضع إداري غريب يزيد من تعقيد علاقة هؤلاء الأجراء لوزارة الداخلية بالمجتمع. فالدولة ترفض الاعتراف بالمقدّمين قانونياً، إذ لا زالت وزارة الداخلية تصر على إقصائهم من الوظيفة العمومية، وترفض إدماجهم فيها بأي شكل من الأشكال، لكنها بالمقابل متشبثة بهم، وتلحّ على الاستمرار في الاعتماد عليهم، وتمنحهم مكاتب داخل إداراتها.

عطب تاريخي

لكن ما السر في هذه الازدواجية الغريبة؟ حملنا الأسئلة إلى الباحث في التاريخ يوسف المساتي، الذي أفاد أن "التنظيم الإداري المحلي، كان يقوم على الباشوات في المدن (كلمة باشا تركية دخلت المغرب في الفترة السعدية في القرنين 16 و17م)، والقُوَّاد في البوادي، وكانت مهامهم تتمثل في تدبير المجال المسند إليهم من طرف السلطان، وفي الوقت نفسه تمثيل السكّان لدى المخزن أو السلطان. وكان ثمة جهاز إداري من الشيوخ أو المساعدين يتم النظر إليه على أنه بمثابة بنية اجتماعية أكثر منها سياسية، كما ذهب إلى ذلك المفكر عبد الله العروي، وهي ظاهرة عُرفت باسم القَايْدِيَّة، إذ إنها كانت تعبيراً عن قوّة العلاقات العائلية داخل القبيلة، وتفرّعات علاقاتها".

استعاد المقدّم (شيخ الحارة) هيبته وسمعته في المغرب حين  وجد نفسه، من دون سابق إخطار، وجهاً لوجه مع عموم المواطنين، وحلقة وصل بينهم وبين السلطات. إنه الرجل الذي يعلم بكل خبايا البيوت المغربية

وأضاف المساتي أن القوّاد والباشوات، اعتمدوا على جهاز إداري، وأعوان (الشيوخ والمقدّمين) انصبّت مجالات عملهم على تأطير الحياة اليومية للسكان: "ففي البوادي كان عليهم ضبط الأسواق الأسبوعية وتأطيرها، ومواسم الأولياء والشرفاء، وتحديد أوقات الحرث والحصاد. كما كان عليهم تنظيم الاستفادة من المياه، والمراعي الجماعية، بالإضافة إلى وظائف أخرى. ونظراً لطبيعة هذه المهام، فقد كان من الطبيعي، أن يتم اختيارهم من العناصر القريبة للسكّان، بمباركة الجماعة وشيوخها، أو سكّان الحُومَة (الحي). فطبيعة المهام كانت تفترض القرب والتراضي. ويمكن القول عموماً إنهم كانوا أقرب إلى وسطاء بين القوّاد والباشوات منهم إلى موظفين لديهم منصب إداري".

وبحسب المتحدث، فإن المغرب سارع إلى تنظيم السلطة الإدارية، مباشرة بعد إعلان فرنسا عن استقلال المغرب في 2 آذار/ مارس 1956، إذ صَدرت أولى القوانين المنظمة للسلطات المحلية في 20 آذار/ مارس 1956 (18 يوماً بعد الاستقلال)، ونُشر في الجريدة الرسمية في 6 نيسان/ أبريل 1956 نص قانون يقول في فصله السابع: "يساعد القوّاد في القيام بمهمتهم شيوخ، ويساعدهم خلفاء عند الاقتضاء، ويُعيّن هؤلاء الخلفاء ويعزلون بقرار يصدر من وزير الداخلية. أما الشيوخ فيُعيّنون ويُعزلون بقرار يصدره عامل الإقليم باقتراح من القوّاد".

مهنة شبح

وخلص المساتي إلى كون ظهير (مرسوم ملكي) 20 آذار/ مارس 1956، لم يحدد وظيفة أعوان السلطة أي "المقدّمين"، وهو ما ينطبق على القوانين التي سُنّت لاحقاً. وقد تناولت القوانين الصادرة بعدها، مسألة الأجور والتعويضات الممنوحة لهذه الفئة، من دون أن تتطرق إلى تحديد طبيعة مهامهم. وبحسب وثيقة لم يتسنَّ لرصيف22 الاطلاع عليها، أو التأكد من صحّتها ترجع إلى سنة 1959، فقد كُلِّف المقدّمون في الأحياء والدواوير "برصد كل ما يتصل بحياة السكان وأنشطتهم وتبليغها للقائد".

لكن الأكيد أن أعوان السلطة من المقدّمين ينقسمون إلى نوعين بحسب أنظمة وزارة الداخلية المغربية: أعوان سلطة حضريون، وآخرون قرويون. بالنسبة إلى الذين يعملون في المجال الحضري، فهم يتقاضون راتباً قدره 3200 درهم (360 دولاراً). أما المقدّم في القرى، فيتقاضى راتباً قدره ألفا درهم (حوالى 230 دولاراً). لكنهم بالمقابل محرومون من نظام التغطية الصحية (الحماية الصحية)، كما لا يحصلون على التعويضات العائلية عن الأبناء، ولا يستفيدون من التقاعد. وتؤدى أجور هؤلاء من الميزانية العامة، عن طريق صندوق خاص تابع للعمالة (مؤسسة حكومية تابعة لوزارة الداخلية).

يُعيّن عون السلطة عن طريق قرار من العامل (رئيس العمالة)، ويستمد هذا الأخير سلطته من ظهير شريف، وذلك باقتراح من القائد أو الباشا.

أما في حالة وجود أي مخالفة، أو إخلال بالواجب المهني، فإن عون السلطة يُعرض أمام مجلس تأديبي يترأسه رئيس قسم الشؤون الداخلية، ويكون شكلياً، لأن القرار يكون قد اتُّخذ مسبقاً، بناءً على تقرير ينجزه القائد أو الباشا أو الخليفة عن عون السلطة، فيما لا يُعتدّ بكلام المقدّم، أو الشيخ في هذا المجلس.

أما عن الترقية؛ فيمكن للمقدّم أن يترقّى إلى رتبة شيخ، بعد عشر سنوات من الخدمة، لكن وزارة الداخلية لا تُرقّي الشيخ إلى رتبة خليفة قائد، لأنها تلجأ إلى الموظفين، "في حين أننا أحق بهذه الرتبة"، يقول عون سلطة رفض الكشف عن اسمه لرصيف22.

جائحة كورونا: ما بين البغض و"الهيبة"

كان لجائحة كورونا في المغرب دور أساسي لاستعادة هيبة وسمعة المقدّم الذي وجد نفسه، من دون سابق إخطار، وجهاً لوجه مع عموم المواطنين، وحلقة وصل بينهم وبين السلطات بشكل عام، ما جعل منه "الاستثناء" في أزمة استثنائية. إذ لا حركة ولا سكون، إلا بمباركة من مقدّم الحي أو القرية، الذي بيده أن يمنح الرخصة "الذهبية" التي تسمح بالتنقل بحرية خلال فترة الحجر المنزلي.

يجزم الباحث في القانون أشرف بولمقوس أن هذا الجهاز "لا يحظى بسمعة جيدة، ومرتبط بعدد من الأمور السلبية أبرزها: تضييقه على الحريات، وخرقه للحقوق، من خلال صفع وركل المواطنين، كما شاهدنا ذلك عبر المقاطع الموثقة خلال جائحة كورونا. وهو ما ليس منافيا للدستور وحسب، بل يعاقَبُ عليه وفق مقتضيات القانون الجنائي من خلال المواد 225، 232". لكن يظهر أيضاً وضعهم الهش لأنهم يوضعون في واجهة المواجهة مع المجتمع.

وأضاف بولمقوس أنه: "تُوجّه أصابع الاتهام لأعوان السلطة على أنهم نقطة التماسّ والعنصر الذي له احتكاك مباشر بالمواطنين. ومن خروقات أعوان السلطة ما هو موثق بالصوت والصورة، علماً أنه ليس المظهر الوحيد للخروج عن القانون في تدبير الجائحة، بل إن السلطة التقديرية التي مُنحت لرجال السلطة وأعوانها، فتحت الباب أمام مظاهر أخرى للشطط والفساد، كالرشوة مقابل رخص التنقل وغيرها".

وأضاف المتحدث: "الأخطر، هو الهامش الواسع المخوّل لأعوان السلطة، في إطار تدبير الجائحة والضبط، الذي سمح لهم في العديد من الحالات أن ينفردوا بمهام ذات طبيعة تشريعية. بالإضافة إلى التحكم في طريقة تنفيذها، وإن كان في ذلك مساس بكرامة المواطن، أو تنافٍ مع فلسفة المشرّع المغربي، وطبيعة الأهداف المتوخاة من القانون ككل، من دون أي رقابة تذكر، علماً أن أغلبية أعوان السلطة لا يتمتعون بتكوين قانوني أو حقوقي. فاعتماد الدولة المغربية على أعوان السلطة، دليل على أننا لم نبنِ بعد دولة المؤسسات التي تقتضي التخلي عن هذه الآليات التقليدية في تدبير الأزمات، واعتماد آليات قانونية واضحة. والمزج بين الشكل الأول والثاني، يجعلنا أمام دولة بوجه حداثي ''طلب الوثائق عبر الإنترنت''، ووجه آخر تقليدي ''إلزامية الحصول على وثيقة، أو إذن شفهي من أعوان السلطة بشكل مادي"، مثل وثيقة إثبات الحياة!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard