"بيتنا زنزانة تعذيب"... العنف عندما يربّينا

الاثنين 20 سبتمبر 202104:53 م

غضب مدفون، عنف، عدوانية في الاختلاف، عدم إيمان بوجود العدالة في المجتمع والحياة، خوف من تكوين أسرة، فوبيا من الظلام، اهتزاز في الشخصية… كل هذه صفات اكتسبها أشخاص في غزة، اختبروا العنف الممنهج من آبائهم، مما جسد لديهم صورة عن الرجل، والأب، والحياة غير السوية، إذ فقدوا فيها السيطرة على طباعهم وتوجيه مشاعرهم.

عدوانية وهشّة

مجدولين حسين (24 عاماً)، تعمل في صناعة الأجبان، لم تكمل دراستها الجامعية، ابنة لأب عاطل عن العمل منذ عشرين عاماً، وأم تكافح لإطعام أبنائها الخمسة.

تقول إنها كانت تتعرض للضرب المبرح من أبيها لتتسول في الطرقات، ولكنها ظلت تتهرب منه وتذهب إلى المدرسة، هكذا قضت طفولتها ومراهقتها.

أبرز ما خلفته معاركها مع والدها، ندبة ملازمة لخدها الأيسر، وذلك بعد اعتدائه عليها بقضيب حديدي. لا تزال تتذكر تلك الواقعة، التي جعلتها تدفن في قلبها عناداً، وحقداً، ولدى إنهاء الثانوية العامة، بدأت في الانعزال عن الآخرين.

"جمعة الغضب"، هكذا بات يلقب محمود وإخوته هذا اليوم من الأسبوع، إذ يقضونه في أجواء العنف والنكد حتى صباح اليوم التالي

يشكوها أخوتها لأمها بأنها ذات طبيعة عدوانية، مما دفعها للانعزال أكثر فأكثر، والانزعاج من نفسها. حاولت أن تتغير، خاصة أن أصدقاءها وأخوتها باتوا يطلقون عليها صفة "رجالية"، لخشونة طبعها، وتعاملها الفظ، ولكنها كلما حاولت ذلك، تجذرت القسوة في طبعها.

مع كثرة الانعزال، باتت لديها شخصيتان، الأولى عدوانية مع الآخرين، والثانية ضعيفة هشة تظهر على السطح عندما تخلو إلى نفسها، تبكي كثيراً، وتشكو حالها "لحالها".

"أصبحت شخصية معقدة بعد تعرضي للعنف من أبي لما يزيد عن 15 عاماً"، تقول مجدولين موجزةً حياتها.

الخوف من الظلام

لا يختلف واقع سالي يوسف (20 عاماً) عن مجدولين كثيراً، ولكنها تقول إنها اعتادت الضرب على يد والدها، ولكن ليلة واحدة أثرت فيها كثيراً، إلى الدرجة التي باتت تخاف الظلام. تقول: "استيقظت من وسط غفلتي الهادئة أثناء انقطاع التيار الكهربائي في إحدى الليالي، وضربني أبي بشكل مبرح، وبطريقة وحشية، بعدها وجدت صرخاتي تملأ المكان، مما جعل الجميع يظن أنني أعاني اضطرابات عقلية، أو أني جننت".

سالي هي الأخرى باتت كثيرة الانفعال، والعدوانية أحياناً في تعاملها مع الآخرين، وامتد هذا الإحساس إلى أحلام اليقظة، التي باتت تمتلئ بالضرب والعنف والهروب.

سالي أيضاً تحمل ندبة، ليس على خدها الأيسر مثل مجدولين، ولكنها هناك، مختبئة في ظلمات أزيائها، أسفل ظهرها، تتحسسها أحياناً، فتعود ذكرياتها إلى تلك الليلة المظلمة.

"لا زلت أتعرض للضرب كما لو أنني صغيرة"، تقول سالي لرصيف22.

"هل أنا أشبه أبي؟"

"أخاف على نفسي أن أكون مثل أبي"، يفكر يحيى صقر (23 عاماً)، مقبل على الزواج، يغرق في أحلام يقظة لبيته المفترض، ينظر إلى أبنائه في المستقبل القريب متسائلاً: كيف ستكون حياتهم؟

نعم صقر بطفولة هادئة حتى بلغ 14 عاماً، ليتغير كل شيء بشكل دراماتيكي، في سنة سماها "اكتشاف شخصية أبي الحقيقية"، حيث كانت بداية بطالته.

منذ ذلك العام، بات يرى شخصاً آخر، عدوانياً مع الجميع، إلى الدرجة التي رآه فيها يهاجم والدته، ويتهمها بالكذب، يقول صقر: "كل شيء تغير حتى أصبحت أهرب من والدي، رأيت الوحشية والضرب والعنف، تعرضت للضرب مرات عديدة خلال 13 عاماً".

يقول: "الضرب يسير بسياسة ممنهجة كأنني أعيش في زنزانة تعذيب، وأبحث دوماً عن تفسيرات وإجابات عن تساؤلي: أين خطأي؟".

كان صقر ينحاز في البداية إلى جانب والده، وعند انفصال والديه، اختار أن يكمل حياته معه، حتى اكتشف مع الوقت هذا الجانب من شخصيته، حينها فهم كلمة والدته التي كانت تناديه بها دائماً: "تعالَ يا ابن أبوك".

وهو مقبل الآن على الزواج بات يسأل نفسه: "هل أنا أشبه أبي فعلاً؟ نعم أنا أمتلك طباعاً عنيفة بسبب الواقع الذي مررت به، ولكن هل سأكرر مع زوجتي وأولادي السيناريو ذاته؟".

"ممنوع تحكي"

"اسكت ممنوع تحكي"، عبارة يرددها والد محمود حسان (28 عاماً)، مبرمج إلكترونيات، أثناء تعنيفه له، ولازمته صداها. يقول محمود: "كبرنا ونحن نتعرض للضرب المبرح، وكوني الأخ الأكبر تعرضت للنصيب الأكبر من هذا العطاء السخي".

"جمعة الغضب"، يلقب محمود وإخوته هذا اليوم من الأسبوع، إذ يقضونه في أجواء العنف والنكد حتى صباح اليوم التالي.

وكما كانت ذروة العنف في ليلة بلا كهرباء عند سالي، بلغ العنف منتهاه لدى محمود عندما تعارك مع أحد أبناء عمومته، وأصيب، ودخل المستشفى، دخل عليه والده وانهال عليه ضرباً بقضيب حديدي، مما جعله عرضة لكسر في الكتف، ولازمته إصابته، كما لازمه صدى صوت والده "ممنوع تحكي" طوال 14 عاماً.

غضب مدفون، عنف، عدوانية في الاختلاف، عدم إيمان بوجود العدالة، خوف من تكوين أسرة، فوبيا من الظلام… هل تعاني من تلك الأمور؟ هل تعرضت لعنف ممنهج من أبيك في الصغر؟

يحذر سمير المناعمة، المحامي في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في قطاع غزة، من أن العنف المستمر بحق الأطفال يولد أجيالاً "تحمل في داخلها الكثير من الضغوط والمخاوف من الحياة، كونهم لم ينالوا العدالة داخل إطار حياتهم الأسرية، وذلك يجعلهم لا يؤمنون بوجود العدالة، ويجعل حياتهم تسير في منحنيات معقدة".

ويضيف: "أوجه العنف الأسري متعددة، ومختلفة بشكل كبير، منها اعتداء الآباء على الأبناء بالضرب، والاعتداء الجسدي، علماً أن الاعتداء مخالفة قانونية، ويستوجب مباشرة الإجراءات القانونية ضد المتهم حتى لو كانت صفته الأب أو الأم".

وينفي سمير وجود قانون خاص بعقوبات العنف الأسري، ويتابع: "كافة المرجعيات لقانون العقوبات الفلسطيني لا توفر الحماية الفعلية للأطفال من العنف الممنهج".

وشدد على أن قيود العادات والتقاليد تقف حاجزاً أمام منع ظواهر العنف والجريمة المرتبطة بالأسرة، إذ تمنع الأبناء من المطالبة بحقوقهم القانونية، مما يسبب في زيادة معدلات العنف الذي قد ينتقل من جيل إلى جيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard