"النوايا الطيّبة لا تكفي"... قلق من المستقبل في تونس

السبت 28 أغسطس 202101:32 م

ما زالت الأزمة السياسية في تونس تراوح مكانها، بل إن قرار تمديد الحالة الاستثنائية زادتها غموضاً، سائرةً خطوة أخرى نحو المجهول، وإلى أجل غير مسمى، ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية وبين منظمات المجتمع المدني التي باتت انتقاداتها لقرارات 25 تموز/ يوليو تشتد وتتصاعد.

لماذا التمديد؟

في قراءة لأسباب التمديد، يمكن التوقف عند ثلاث نقاط على الأقل تمثّل أبرز ما دفع الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى اتخاذ هذا القرار:

أولاً، ما يتضمنه الفصل الثمانون من الدستور، والذي استند إليه في تعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن نوابه، وحل الحكومة والاستحواذ على السلطات الثلاث، إذ تنص الفقرة الأخيرة منه على أن العمل بالتدابير الاستثنائية يُنهى "بزوال أسبابها". وفي ظل غياب المحكمة الدستورية والبرلمان ينفرد الرئيس بتأويل الدستور وتوجيهه نحو الوجهة التي يريد، مستغلاً "انحناءة" حركة النهضة، وهي الحزب الأغلبي في البرلمان، وتلطيفها خطابها ودعوتها إلى الحوار في ظل معاناتها الداخلية من اختلاف وجهات النظر حول تقييم ما حصل يوم 25 تموز/ يوليو وتقدير مسؤولية الحركة فيه.

ثانياً، ما يحظى به سعيّد من مساندة شعبية واسعة لإجراءاته، إذ يرى مساندوها أنها خلّصتهم من منظومة فاسدة عبثت بمقدرات الشعب وزادته فقراً، ورفعت نسب البطالة فيه بالتعاون مع الفاسدين.

ثالثاً، إن إعادة عمل البرلمان هي خطوة قد تعرّضه للعزل في ما بعد من طرف البرلمان نفسه، وهي خطوة كانت تدور في أروقة البرلمان قبل تعليق عمله، ولا شك في أنها تمثل هاجساً راهناً بالنسبة إلى سعيّد.

قرار منتظر

قرار سعيّد بتمديد العمل بالحالة الاستثنائية قرأه كثيرون على أنه كان منتظراً بسبب غياب برنامج واضح، وفقدان الرئيس لخارطة طريق يرفضها ويسخر من المطالبين بها ويتحداهم، معتبراً أن البرنامج المستقبلي هو ما "يريده" الشعب التونسي، دون تحديد ملامح واضحة للخروج من الحالة الاستثنائية، وإعادة مؤسسات الدولة إلى العمل بسيرورتها العادية.

وقال أستاذ القانون الدستوري رابح الخرايفي في تصريح لإذاعة "موزاييك أف أم"، معلقاً على قرار التمديد، إنه خطوة "منتظرة بما أن الأسباب التي اتُّخذت من أجلها الإجراءات الاستثنائية ما زالت قائمة. ذلك أن سعيّد يعتبر البرلمان ذاته "خطراً جاثماً لا داهماً فقط"، وفي ظل غياب المحكمة الدستورية فإن "القراءة الرسمية تعود حصراً لرئيس الجمهورية وهو الذي يقدّر بمفرده واقعة وجود الخطر الداهم واستمراره".

حركة النهضة... خطوة إلى الوراء

في 26 تموز/ يوليو، قال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، في تصريح لقناة "العربي" من مكتبه في مقر الحركة، إن "ما أقدم عليه رئيس الجمهورية ليس له عنوان غير أنه انقلاب". وعقد مكتب المجلس حينها جلسة أكد إثرها في بلاغ أنه "بإجماع الحاضرين"، رفض بشكل مطلق وأدان بشدة ما أعلن عنه سعيّد، واعتبر "جميع قراراته باطلة". ودعت حركة النهضة أنصارها للاحتجاج أمام مبنى البرلمان دفاعاً عن الديمقراطية قبل أن تدعوهم للانسحاب بعد وقت وجيز.

غير أن توصيف ما حدث بأنه "انقلاب" اختفى من البيان الأخير لتحلّ محله عبارات أخرى من قبيل "الخرق الجسيم للدستور" و"مخالفة الفصل 80"، إذ جاء في النقطة الأولى من بلاغ مكتب الحركة التنفيذي الصادر في 24 آب/ أغسطس "تأكيد تمسكها بموقفها المبدئي المعلن منذ الساعات الأولى للقرارات الرئاسية مساء 25 تموز/ يوليو 2021، والذي يعتبر تعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب ورفع الحصانة عن النواب خرقاً جسيماً للدستور ومخالفة صريحة لمقتضيات الفصل 80 منه في التنصيص على إبقاء المجلس في حالة انعقاد دائم".

وقال رئيس لجنة إدارة الأزمة السياسية التي تشكّلت بعد إعفاء المكتب التنفيذي للنهضة، محمد القوماني، في تصريح لإذاعة "شمس أف أم"، في 26 آب/ أغسطس: "نحن مع استئناف المسار الديمقراطي الطبيعي وكنّا ولا زلنا مع احترام رمز رئيس الجمهورية"، مطالباً بضرورة فتح حوار مع الأحزاب والمنظمات لتجاوز الأزمة.

"البلاد بلا رئيس حكومة، ورئيس الجمهورية لا يقدّم أي خريطة طريق للمرحلة القادمة بل إنه يرفضها، ويكاد يسخر منها علناً كما أنه يرفض الحوار مع أي طرف آخر"

تؤشّر المواقف المذكو ة إلى تعديل في موقف النهضة من رئيس الجمهورية، وتمثّل خطوة إلى الوراء لتخفيف حدة الهجوم على رئاسة الجمهورية رأى فيها مراقبون أنها تأتي بسبب وعي الحركة بالشعبية الواسعة التي يحظى بها الرئيس، وفشل الحركة في تكوين جبهة سياسية واضحة تعارض ما تعتبره "انقلاباً" أو "خروجاً عن الدستور"، ولإرضاء أصوات كثيرة داخل الحركة نفسها بات تململها ورفضها لسياساتها معلناً، وهي أصوات تتهم رئيس الحركة بالاستبداد بالرأي والاستحواذ على القرار منذ 2013، مثل صوت القيادي عبد اللطيف المكي وآخرين.

لا برنامج حقيقياً

من جهة أخرى، قالت رئيسة الحزب الدستوري الحر في مقطع فيديو نُشر على صفحتها الرسمية: "مهما كانت قرارات رئيس الجمهورية بالتمديد في التدابير الاستثنائية أو غير ذلك من الإجراءات، لا بد من تقديم خطة حينية لإنقاذ الاقتصاد، وتعبئة الموارد، واسترجاع الثقة في مناخ الاستثمار. ولا بد من تكليف فريق من خبراء في الاقتصاد والمالية لتقديم الاستشارة لرئيس الجمهورية ومعاضدة جهود الحكومة في مواجهة الأزمة الخانقة".

وأصدر حزب العمال بياناً شديد اللهجة اعتبر فيه أن قرار التمديد هو "حلقة من حلقات المسار الانقلابي الذي فتحه قيس سعيد يوم 25 تموز/ يوليو لتحييد خصومه في منظومة الحكم والاستيلاء على كافة السلطات".

وأكد الحزب، في بيان نُشر على صفحته الرسمية، في 25 آب/ أغسطس أن شهراً كاملاً بعد انقلاب 25 تموز/ يوليو ما انفكّ يبيّن الطابع المغالط والمخادع لرئيس الجمهورية. فلا إجراءات أو حتى مؤشرات جدية وعميقة سواء لمقاومة الفساد المالي والسياسي والإداري، أو فتح ملف الاغتيالات السياسية والإرهاب وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر، أو التخفيف من انعكاسات الأزمة الاقتصادية والمالية على حياة غالبية التونسيات والتونسيين، الذين يعانون من غلاء المعيشة والبطالة والفقر وتدهور الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الصحة".

النوايا الطيّبة لا تصنع المستقبل

تتباين وجهات نظر الأحزاب بخصوص تقييم قرارات سعيّد، وآخرها تمديد الحالة الاستثنائية، غير أنها لا تختلف في اعتبار أن الظرف الاقتصادي والسياسي بات صعباً للغاية، خاصة أن جائحة كوفيد-19 ما زالت تمثل تهديداً كبيراً.

"إننا نتجه إلى إقامة تونس الوطن بفضل سواعد التونسيين الذين يقفون في كل زاوية... كل منّا بيده ما تيسر: كرسي مكسور أو طاولة قديمة أو عصا زيتون... كي يضعها في فم أي حوت اعتاد على الابتلاع بدون حسيب"

إضافة إلى ذلك، هنالك أصوات عديدة، حتى من مساندي القرارات الرئاسية، باتت تنتقد بوضوح غياب رؤية دقيقة وخارطة طريق تحدد ملامح تجاوز الأزمة، وتنتقد تردد الرئيس في اتخاذ إجراءات جدية لمواجه الفقر والبطالة والخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وأصدرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني، على رأسها النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين وجمعية القضاة وجمعية النساء الديمقراطيات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بياناً اعتبرت فيه أن "النوايا الطيبة لا تكفي لبناء مشروع وطني للدولة والمجتمع، دون وضع سياسات عمومية شعبية وديمقراطية، تلبّي التطلعات الحقيقية للشعب التونسي وتستجيب إلى أهداف الثورة وتُوضَع بشكل تشاركي على أساس قواعد معلومة للمساءلة والمحاسبة والمراقبة والشفافية وتعزيز أدوار السلطات المضادة استئناساً بتقرير التفقدية العامة لوزارة العدل، وتقرير محكمة المحاسبات والتقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة وتقرير لجنة تقصي الحقائق حول الفساد والرشوة، بهدف تفكيك منظومة الفساد والإرهاب وكشف الملفات المتعلقة بالاغتيالات السياسية والجرائم الانتخابية والإرهاب والتسفير".

كما دعا الاتحاد العام التونسي للشغل، على لسان عضو مكتبه التنفيذي سامي الطاهري، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، في 26 آب/ أغسطس، إلى ضرورة إنهاء الحالة الاستثنائية بالانتقال إلى وضع دائم، مؤكداً أن الاتحاد يرى ضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني مصغرة.

توجّس من الاستبداد والدكتاتورية

منذ بداية تطبيق الإجراءات الاستثنائية، دخل سعيّد في تطبيق إجراء الوضع تحت الإقامة الجبرية، والمنع من السفر طال شخصيات عدّة، مع تكتّم عن الأسباب ودون تبرير قضائي واضح، وعُزل قرابة 40 مسؤولاً رفيعاً في مؤسسات الدولة منهم وزراء وولاة ومديرون عامون، وهي خطوات اعتبرها منتقدوه حداً من حرية التنقل وخرقا للقانون وتعدياً على استقلال القضاء.

وانتقدت منظمة العفو الدولية ما اعتبرته انتهاكاً للحقوق والحريات في البلاد، وقالت على لسان مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هبة مريف: "إن تجميد الرئيس سعيّد لعمل البرلمان إلى أجل غير مسمى لا يمكن أن يكون مبرراً لانتهاك الحقوق والحريات في البلاد أو لتقويض القضاء. فقد فرضت السلطات التونسية حظر سفر غير قانوني وتعسفي على عدد من الأشخاص في الأسابيع الأخيرة دون مبرر، وفي غياب أي أمر قضائي، في انتهاك صارخ لحقهم في حرية التنقل".

وانتقدت بعض منظمات المجتمع المدني "تكريس سياسة التضييق في النفاذ إلى المعلومة وحرمان التونسيات والتونسيين من حقهم في معلومة صحيحة ودقيقة تتعلق بمسائل مصيرية في هذا الظرف الاستثنائي، على غرار تلك المرتبطة بالإقامة الجبرية ومنع السفر، ما فتح الباب واسعاً أمام الشائعات والأخبار المضللة وانتهاك المعطيات الشخصية وانتشار التحريض والتشويه والتشهير والسحل الإلكتروني".

وعبّرت منظمة "أنا يقظ" عن تخوفها من غلق هيئة مكافحة الفساد وتعطل هيئتها "نظراً للتبعات الخطيرة التي من الممكن أن يواجهها المبلغون عن الفساد".

وقالت، في بيان أصدرته في 25 آب/ أغسطس: "إن تعطل عمل هيئة مكافحة الفساد، سينجرّ عنه تعطل إجراءات البت في مطالب إسناد الحماية للمبلغين والتي هي جملة الإجراءات الهادفة إلى حماية المبلغ عن الفساد ضد مختلف أشكال الانتقام أو التمييز التي قد تسلط عليه من مضايقات أو عقوبات".

وعود فضفاضة

يواجه سعيّد هذه الهواجس بالتأكيد أن إجراءاته تبقى "احترازية" و"استثنائية"، مشيراً إلى أنه سيعيّن حكومة ورئيس حكومة رداً على منتقديه. وأوضح في مقطع فيديو نُشر في 16 آب/ أغسطس على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، من كلمة ألقاها خلال زيارة لمطار تونس قرطاج الدولي، أن "خارطة الطريق هي ما خطه الشعب التونسي".

وأضاف: "سأكون في موعد مع التاريخ ومع الشعب التونسي، ولن أتراجع إلى الوراء. ومَن كان يتوهّم أو يحاول أن يوهم نفسه بأنني سأعود إلى الوراء فهو واهم".

ولكن كل هذه التصريحات تبقى مجرد نوايا لا يمكن الخروج منها بخطة دقيقة مضبوطة بجدول زمني للخروج من الأزمة.

شبح الاستبداد مجدداً

وسط هذه المخاوف الجدية، يظل النزوع نحو الاستبداد هاجساً معقولاً وحقيقياً لدى طيف واسع من التونسيين الذين عانوا الاستبداد على مدى أكثر من سبعين عاماً واكتووا بناره، بعد أن جمع الرئيس كل السلطات بيده بما في ذلك سلطة تأويل الدستور وتطبيق القوانين بوصفه أصبح رئيساً للنيابة العمومية.

كما يتبنى الرئيس سياسة اتصالية غامضة، إذ يرفض التوجه إلى وسائل الإعلام المحلية إلا من خلال مقاطع فيديو تتضمن بعض لقاءاته بمسؤولين يدعوهم إلى القصر ويوجّه من خلال حديثه إليهم بالرسائل التي يريد، دون أن يترك فرصاً للمساءلة أو الحوار مع صحافيين تونسيين، عكس مَن سبقوه من الرؤساء، وهو ما فتح الباب للشائعات والمغالطات حد التعمية على المواطن العادي الذي يريد أن يفهم ما يحصل، ويعرف مصيره القريب والبعيد.

رغم ذلك، تقول الباحثة نهلة عنان لرصيف22: "إننا نتجه إلى إقامة تونس الوطن بفضل سواعد التونسيين الذين يقفون في كل زاوية من أجل قطع الطريق على الأسماك ‘النطارة’... والذين يقفون خاصة على مداخل المرفأ والمنجم وغيرهما، كل منّا بيده ما تيسر: كرسي مكسور أو طاولة قديمة أو عصا زيتون... كي يضعها في فم أي حوت اعتاد على الابتلاع بدون حسيب".

هل تكفي بعض النجاحات الاستثنائية؟

يبقى المنعرج الذي سلكته البلاد مجهول العواقب. يرى الباحث والنقابي والمحلل السياسي عبد السلام الكيكلي أننا "إذا استثنينا بعض النجاحات في مقاومة جائحة كورونا بعد الوضع الكارثي الذي وصلت إليه (وقع استغلاله إعلامياً لتلميع صورة الرئيس قيس سعيّد) فلا شيء تغيّر غير إيقافات لبعض النواب، أو وضع آخرين رهن الإقامة الجبرية أو المنع من السفر دون أي حكم قضائي، وتحت إطار ما يُسمّى بالإجراءات الاستثنائية في قراءة متوسعة جداً للفصل 80 من الدستور الذي يدّعي الرئيس الاحتكام إليه. وكل ذلك في جو من الغموض".

ويضيف الكيكلي لرصيف22: "البلاد بلا رئيس حكومة، ورئيس الجمهورية لا يقدّم أي خريطة طريق للمرحلة القادمة بل إنه يرفضها، ويكاد يسخر منها علناً كما أنه يرفض الحوار مع أي طرف آخر، حتى مع الاتحاد العام التونسي للشغل، النقابة ذات النفوذ الواسع في تونس، ما يجعله الحاكم الأوحد في البلاد، ويعيش في شبه عزلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard