"تصحيح للمسار" و"إنقاذ للبلاد"... خطوات قيس سعيّد بعيون مؤيديه

السبت 31 يوليو 202111:04 ص

مساء الأحد، في 25 تموز/ يوليو 2021، شهدت شوارع العاصمة تونس احتفالات كبيرة تواصلت حتى ساعات متأخرة من الليل، إثر إعلان رئيس الجمهورية قيس سعيّد تفعيل الفصل 80 من الدستور واتخاذ "تدابير استثنائية" جمّد بموجبها البرلمان لمدة 30 يوماً ورفع الحصانة عن كافة نوابه وأقال رئيس الحكومة هشام المشيشي.

تعالت الهتافات والزغاريد في صفوف المحتفلين على طول شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، وأُطلقت الألعاب النارية رغم فرض السلطات التونسية حظراً للتجوّل بسبب تفشي وباء كورونا، كما عمّت أجواء الفرح كافة مناطق البلاد وخرجت إلى الشوارع أعداد كبيرة من أنصار سعيّد، من مختلف الفئات العمرية، لتؤكد دعمها المطلق له.

كانت أمل بوعلي من بين الذين احتفوا بقرارات الرئيس التونسي. لم تخفِ سعادتها "بتحقيق سعيّد إرادة الشعب بتجميده برلمان الفضيحة والعار وبمعارضته حركة النهضة وعمله على إزاحتها ومقاومته للفساد"، حسبما تقول لرصيف22.

وتضيف الشابة التي تعمل مستشارة في بلدية أن سعادتها اكتملت بإنهاء سعيّد مهام المشيشي الذي "لم يقنعني كرئيس حكومة وكان دون المستوى في جميع اختياراته"، وتتابع: "الآن فقط، أشعر أنه لدينا رئيس دولة. لم أصوّت لسعيّد ولكنّي الآن أدعمه، وفي الآخر كلهم راحلون من سعيّد إلى (زعيم حركة النهضة) راشد الغنوشي وغيرهم وستبقى تونس فقط".

بدوره، يشير كاتب روايات الجيْب التونسية الشاب عاطف حاتمي إلى أنه سُرّ بخطوات الرئيس لأن "الفساد نخر البلاد في جميع القطاعات بينما لا يولي السياسيون، بمختلف انتماءاتهم الحزبية، أية أهمية لمصلحة الوطن".

ويضيف لرصيف22 أن هذه الإجراءات تأخرت وأن أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لم تعد تحتمل مزيداً من الصمت، لافتاً إلى ضرورة اتّباع رئيس الجمهورية خارطة طريق تضمن "عدم عودتنا إلى الوراء".

أمر واقع

يعلّق الناشط الحقوقي ناصر هاني على ردة الفعل الشعبية لدى شرائح واسعة من المجتمع التي عبّرت عن ارتياحها بقرارات الرئيس بقوله لرصيف22: "الاحتفالات أمر واقع ويجب البحث في أسباب تغذية هذا الشعور الشعبي الرافض لنتائج الثورة والصندوق".

وأصدر سعيّد أيضاً يوم الاثنين، في 26 تموز/ يوليو أمراً رئاسياً يقضي بمنع تجوّل الأشخاص والعربات على كامل تراب الجمهورية من الساعة السابعة مساء إلى الساعة السادسة صباحاً، لغاية 27 آب/ أغسطس.

كما أصدر يوم الخميس، في 29 تموز/ يوليو، أمراً رئاسياً يقضي بتكليف رضا غرسلاوي بتسيير وزارة الداخلية.

وفور إعلانه التدابير الاستثنائية، أعلنت كتل برلمانية وأحزاب سياسية معارضتها لما أسمته "انقلاب" سعيّد على الدستور لتتراجع لاحقاً بعض هذه الأطراف وتساندها، فيما أعلنت أخرى منذ البداية دعمها لما اعتبرته "تصحيح المسار".

ومن بين المعارضين حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، صاحبة الأغلبية البرلمانية بـ53 مقعداً، وكتلة حزب ائتلاف الكرامة ذات التوجه الإسلامي والتي يرأسها سيف الدين مخلوف وتمتلك 18 مقعداً نيابياً، إضافة إلى حزب العمال اليساري غير الممثل في البرلمان والذي يرأسه حمه الهمامي.

وتضم الكتل المساندة لقرارات سعيّد أو غير المعارضة مبدئياً لها الكتلة الديمقراطية صاحبة 38 مقعداً نيابياً، وهي تشمل كلاً من حزب التيار الديمقراطي ذي التوجه الديمقراطي الاجتماعي ويتولى أمانته العامة غازي الشواشي، وحركة الشعب ذات التوجه الناصري ويتولى أمانتها العامة زهير المغزاوي، وكتلة حزب قلب تونس ذات التوجه العلماني والتي تمتلك 28 مقعداً نيابياً ويرأسها نبيل القروي، حليف النهضة، والذي تراجع عن موقفه الرافض لقرارات سعيّد في البداية.

كما تضم قائمة المؤيدين حزب تحيا تونس، وهو حزب بتوجّه بورقيبي علماني ويرأسه يوسف الشاهد ويمتلك 10 مقاعد نيابية، والحزب الجمهوري غير الممثل في البرلمان، وتوجهه وسطي اجتماعي معتدل ويتولى أمانته العامة عصام الشابي، وحزب مشروع تونس غير الممثل في البرلمان وتوجهه ليبرالي تقدمي ويرأسه محسن مرزوق، وحركة تونس إلى الأمام غير الممثلة في البرلمان ويتولى أمانتها العامة عبيد البريكي.

"تعفّن المسار"

يقول النائب عن التيار الديمقراطي زياد غناي إن حزبه يساند سعيّد بسبب "تعفّن وتوقّف المسار الذي شهد عدة إشكالات في إدارة الأزمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، ما أدى إلى حالة احتقان اجتماعي تجلّت بخروج التونسيين في تظاهرات وتحميلهم المسؤولية للأطراف السياسية وخاصة لحركة النهضة التي تحكم تونس منذ عشر سنوات".

ويضيف لرصيف22 أن التيار "يتفهم إجراءات الرئيس الدستورية ويتفهم السياق والطريقة اللذين أتت فيهما حتى تساهم في تصحيح المسار بقواعد العمل الديمقراطي الفعلي وليس بديمقراطية صُوَرية".

"الآن فقط، أشعر أنه لدينا رئيس دولة. لم أصوّت لسعيّد ولكنّي الآن أدعمه، وفي الآخر كلهم راحلون من سعيّد إلى (زعيم حركة النهضة) راشد الغنوشي وغيرهم وستبقى تونس فقط"

وأوضح غناي أن حزبه سيقدّم جملة من المقترحات ويبدي رأيه في خارطة الطريق التي يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل لاقتراحها على سعيّد وسيراقب مدى عودة المؤسسات إلى سيرها الطبيعي وإمكانية إجراء انتخابات مبكرة تفتح على مشهد جديد.

ووفق غناي، فإن "السياسة لا تقوم على تكهنات والرئيس بيّن على مستوى خطابه أنه يريد الإصلاح من داخل الدولة وبأجهزتها وباحترام القانون وعلوية الدستور"، مشدداً على تمسك حزبه بـ"مبادئ احترام الحريات والديمقراطية والتعددية وبمشهد سياسي خالٍ من الزبائنية والفساد".

"تقييم صائب"

من جهته، يرى القيادي في حركة الشعب محسن عرفاوي أن إجراءات سعيّد تدخل في إطار "الخطر الداهم" ويشير إلى أنها كانت منتظرة بعد تفشي ظاهرة العنف في البرلمان وانتشار الاحتجاجات الشعبية المطالِبة بحلّه مع سوء تصرف الحكومة إزاء الوضع الصحي المتأزم وفقدان عشرات آلاف الوظائف وممارسات الحزام البرلماني من حركة النهضة وحلفائها داخل البرلمان بتمرير قوانين بالقوة لا علاقة لها بمشاغل الشعب.

ويصف تقييم سعيّد للأوضاع بـ"الصائب" مؤكداً أنه "لو لم يتدخل لحدث انفجار شعبي كبير سيعصف بالجميع".

ويشدد على ثقة حركته في عدم تنكر سعيّد لمكسب مسار الانتقال الديمقراطي ويضيف لرصيف22 أنهم ينتظرون منه المحافظة عليه وعلى الحقوق والحريات والمضي نحو حلول اقتصادية واجتماعية فورية.

كما تنتظر الحركة من سعيّد محاسبة النواب والسياسيين والأحزاب الذين ارتبطت بهم قضايا فساد وفتح ملفات الاغتيالات السياسية "وهو مطلب شعبي سيغيّر المشهد داخل البرلمان المرتقب"، مرجحاً إمكانية إجراء انتخابات جزئية وتعيين رئيس حكومة لتسيير المرحلة الانتقالية "الخطيرة" والمرور إلى انتخابات تشريعية مبكرة.

وبحسب عرفاوي، فإن حركته ستكون معارضاً شرساً للرئيس "في حال تراجعه عن مسار الانتقال الديمقراطي وعدم تطبيق وعوده وتحويلها إلى واقع ملموس".

"منزلق خطير"

من جانبه، يُرجع القيادي في الحزب الجمهوري وسام الصغير تأييد حزبه للتدابير الاستثنائية إلى "سقوط تونس في منزلق خطير جداً يهدد المرحلة الانتقالية التي أنقذها سعيّد، وهي خطوة بمثابة الطور الثاني من المسار الثوري الذي سيمكننا من استرداد الوطن من عصابات ولوبيات كانت لديها سلطة على الدولة باعتماد أذرع سياسية وهي منظومة الحكم".

"مهما كانت قرارات الرئيس جريئة ولكنها كانت ضرورية من المنطق السياسي لأنها تضع حداً لأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية لا تطاق طالت في الزمن وتشعبت وأصبحت تعجّز نشاط أركان الدولة"

ويقول الصغير لرصيف22 إن تأكيدات رئيس الجمهورية المتكررة على تحركه في إطار الدستور وتمسكه به ولقاءاته مع المنظمات الوطنية والجمعيات الحقوقية بهذا الخصوص، دلالة على احترامه للدستور، آملاً في أن تكون المرحلة الانتقالية الجديدة كما وعد بها سعيّد قائمة على "محاسبة كل المذنبين وعلى العودة إلى طريق الديمقراطية الصحيح بتصفية موروث السنوات العشر الأخيرة مع ضرورة تشكيل حكومة جديدة".

وشدد على أن مساندة حزبه "ليست صكاً على بياض" وأنهم سيراقبون ويتابعون "إن أحسن الرئيس الاختيار أم لا، وحينها سنتصدى له بصدور عارية".

"حالة ارتياح"

بدورها، توضح عضوة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات يسرى فراوس أن الجمعية تتفهم أن "وضعية البلاد التي تشهد منعرجاً خطيراً من تعفن الوضع السياسي وتردي المشهد البرلماني وتهاوي مؤسسات الدولة في إدارة الأزمة الصحية خلقت حالة من الارتياح لدى الشارع التونسي تجاه قرارات سعيّد ويهم الجمعية أن تكون دائماً في صف تطلعات الشعب التونسي".

وتقول لرصيف22 إنه حتى وإنْ "برر التلاعب بالديمقراطية والأزمة المحتدمة بين مؤسسات الدولة والاستشراء المخيف للفساد في كل مفاصل الدولة وثقافة الغنيمة والزبائنية هذه التدابير الاستثنائية، إلا أنه علينا العودة إلى الحالة الديمقراطية".

وتؤكد فراوس ضرورة المرور إلى منظومة المحاسبة والمساءلة في كل نواحي الفساد وتقديم الضمانات التي تبيّن أن هذه الحالة الاستثنائية ستحوّل البلاد إلى حالة ديمقراطية، وتعتبر أن "رئيس الجمهورية بالفعل مضطر لها من أجل ما هو أفضل".

وترى أن البلاد حالياً في "حالة استثنائية دكتاتورية مؤقتة لأنها فوّضت للرئيس جمع كل الصلاحيات لديه"، معتبرة أن سعيّد لم يكن مطمئناً دائماً في علاقته بحقوق النساء والحريات العامة والفردية.

وأشارت إلى أن ما سيحدث مستقبلاً مفتوح على كل الإمكانيات، مستدركة: "ولكن نعتبر أن لتونس تقاليد في حقن الدماء في كل الأحداث التي تمر بها وفي إيجاد حلول للخروج من الأزمات السياسية ولديها مقومات تواصل الدولة المدنية واستمرار الإدارة".

وشددت على ضرورة وجود إطار للتشاور والحوار حول خارطة الطريق ليتم تقييد وتحديد الحكم المطلق والفردي لرئيس الجمهورية "وليس بالضرورة أن يكون إطار الحوار الوطني مع الفاعلين السياسيين الذين تسببوا في هذه الأزمة السياسية بل يجب أن يكون مع الأطراف التي قاومت المنظومة على مدى عشر سنوات".

"مساندة مشروطة"

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد أعلن مساندته "المشروطة" لقرارات سعيّد. ويعزو الكاتب الصحافي صبري الزغيدي اتخاذ الاتحاد لهذا الموقف إلى "ما تعيشه البلاد من أزمة سياسية نتيجة لحكم حركة النهضة لأكثر من عشر سنوات والذي لم يأتِ على البلاد إلا بالخراب والاغتيالات السياسية".

كما يعزوه إلى ترحيب فئات واسعة من المجتمع بهذه الإجراءات باعتبارها تعكس مشاغله وهمومه وغضبه من برلمان لم يكن في مستوى تطلعات الشعب وكان مسرحاً للعنف وبات "مؤسسة متخلفة"، ومن مؤسسة رئاسة الحكومة التي لم يكن لها أي برنامج على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وزاد فشلها في التعاطي مع أزمة كورونا تعميق للأزمة، إضافة إلى اهتراء المقدرة الشرائية والزيادة المهولة في الأسعار.

ويوضح الزغيدي لرصيف22 أن تشخيص الاتحاد صاحبته شروط المرافقة بضمانات دستورية في أن تكون للحكومة الجديدة برئيسها الجديد خطة واضحة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وأن تتابع بنشاط ملفات الفساد ونهب المال العام والتهرب الضريبي.

وكشف عن استعداد اتحاد الشغل لإصدار خارطة طريق تكون مراكمة لقرارات الرئيس الأخيرة تطرح مشاغل الشعب التونسي في العيش الكريم ومقاومة الوباء وتطرح "الملفات المقبورة على مستوى القضاء وعلى رأسها قضية الاغتيالات السياسية"، ثم المرور إلى مراجعة المنظومتين السياسية والانتخابية في اتجاه نظام سياسي مستقر.

وشدد من جهة ثانية على أن الاتحاد سيكون "معارضاً شرساً لقيس سعيّد إذا واصل بشكل مبالغ فيه تجميع السلطات لديه وتجاهل التزاماته في طرح ملف الفساد والتمويل المشبوه للأحزاب وضرب وانتهك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومكاسب الشغلية والسيادة الوطنية ورَهَنَ القرار الوطني".

"ليست كافية"

وعبّرت عدة شخصيات مستقلة عن دعمها لخطوات سعيّد، من بينها الدبلوماسي وزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس الذي رأي أنه "ومهما كانت قرارات الرئيس جريئة ولكنها كانت ضرورية من المنطق السياسي لأنها تضع حداً لأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية لا تطاق طالت في الزمن وتشعبت وأصبحت تعجّز نشاط أركان الدولة".

ويوضح ونيس لرصيف22 أن قرارات رئيس الجمهورية "ليست كافية لأنها يمكن أن تؤثر بصفة خطيرة على احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة وحرية التعبير والصحافة".

وطالب المتحدث سعيّد بالإسراع في تعيين حكومة كاملة تتولى مهام الإشراف على الوزارات للتخفيف على رئيس الجمهورية عبء مسؤولية الدولة وحتى لا تبقى السلطات محصورة في شخص واحد "ما يمثل خطراً على الدولة".

وبخصوص ما تحمله الأيام القادمة لتونس، توقع إمكانية استعمال أركان الدولة التي وقع تعجيزها (برلمان وحكومة) سلطتها لتهييج الشارع التونسي للتصدي لإجراءات سعيّد "وستكون حينها منطلقاً لحرب أهلية"، ودعا الرئيس إلى إيجاد سبيل للخروج من استهداف حزب حركة النهضة "الشرعي القادر على تهييج أنصاره" بطريقة سياسية سلمية حتى "لا تلتهم حرائق الغابات ضمائر التونسيين".

وأشار إلى أنه وكافة التونسيين سيقفون بالمرصاد لسعيّد في حال "علّق الحريات وقام بحملات ضد المعارضين المطالبين باحترام قواعد الديمقراطية التي قامت من أجلها الثورة".

أما النائب المستقل حاتم المليكي، فيقول لرصيف22 إن الفصل 80 من الدستور يسمح لرئيس الجمهورية باتخاذ هذه التدابير الاستثنائية نظراً "لوجود خطر داهم" يتجلى في خلاف رئاستيْ الحكومة والبرلمان الحاد مع رئاسة الجمهورية وفشلهما الذريع في إدارة أزمة جائحة كورونا إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخانقة "ما استوجب تدخل سعيّد لإنقاذ البلاد والحفاظ على وحدتها".

ودعا المليكي قيس سعيّد في المقابل إلى التسريع في تشكيل حكومة جديدة وترجمة إجراءاته على أرض الواقع، كاشفاً أنه لن يكون في صفه في حال تعليقه العمل بالدستور ومساسه بالحقوق والحريات وتخليه عن المؤسسات الدستورية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard