الأطر الفكرية لمشروع قيس سعيّد السياسي... الديمقراطية المباشرة والبناء القاعدي

الجمعة 20 أغسطس 202112:30 م

في نص "نيويورك... ضاحية تونس" (دار الجنوب، 2015)، كتب توفيق بن بريك: "حتى مخطط مارشال لن يستطيع إنقاذ هذه البلاد من البؤس والعجز. لست متشائماً، وإنما واقعي. تونس، لا فائدة. السعادة ليست تونسية. جنوب البحر، بلداننا تغرق في سخافات الماضي. هل نحن عرب، مسلمون، مؤمنون أو مشركون؟ العالم يتحاور مع الفضائيين، والأقزام الخضر، بينما نحن نتجادل حول لون الحجاب، وطول اللحية؟".

أراد بن بريك أن يخلّد، عبر نصه المذكور، ذكرى شخصيات يسارية ونقابية، وأحداثاً نضالية، خلال فترة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. وأتى نصّه كردّ على الرواية الدعائية النهضوية التي رُوّجت بعد 2011، حين حاول الإسلاميون احتكار لسان الثورة.

يتضمن كتاب بن بريك كذلك عرضاً لمحطات مهمة عاشتها البلاد بين عاميْ 2012 و2014، وكانت لها آثارها السلبية على المسار الحالي، مسار الانتقال الديمقراطي، وفيه غُيّب السؤال الاقتصادي-الاجتماعي واختُزل النقاش العام في التهافت النخبوي حول نموذج العيش المجتمعي، أو ما اصطُلح على تسميته بـ"النمط التونسي".

بالتوازي مع هذا، كان هناك مَن يتنبّأ بانهيار هذا البناء الديمقراطي الهش، والهجين، وينظّر له، بل ويجول في البلاد حاشداً حول "المشروع الجديد". نتحدث هنا، عن المشروع السياسي لقيس سعيّد، والذي لم يُنظر إليه بجدية، قبل أحداث 25 تموز/ يوليو الأخيرة، ويتأكد تحققه يوماً بعد يوم.

لهذا المشروع أرضية فكرية يمكن تبيّن معالمها، من خلال تقفي آثار حركته السياسية الحاضنة، "قوى تونس الحرة"، ومراجعة نصوص منظّرها، ومدير الحملة الانتخابية/ التفسيرية لقيس سعيّد؛ رضا شهاب المكي، والمعروف في الأوساط اليسارية بـ"رضا لينين".

تشخيص عضوي/ أناركي بنكهة غرامشية

بطريقة سحرية، يصف المنظّر السياسي الماركسي أنطونيو غرامشي لحظات التحولات الكبرى بمقولته الشهيرة: "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يصارع كي يولد، وما بينهما هو زمن الوحوش".

عبر هذا الاستطراد، يأتي الطرح السعيّدي، والذي نسمعه يتكرر في كثير من مونولوغاته الإعلامية: لا للتصورات التقليدية... آن الأوان لتصورات جديدة، وأفكار جديدة... بل ويذهب سعيّد، ومَن معه، أبعد من ذلك، فهذه التصورات ليست خاصة بتونس فحسب، بل هي للعالم كله!

فما هي هذه التصورات التقليدية التي انتهت صلاحيتها؟ وما هي الحلول التي تتضمنها وتطرحها التصورات الجديدة؟

من رحم الثورة، وأيام قليلة فقط إبّان الفرار الشهير لبن علي، وُلدت رابطة قوى تونس الحرة، كمجموعة عمل وتفكير، كما يعرّف أفرادها بأنفسهم، وهي حركة سياسية تضم مجموعة من الناشطين ذوي الخلفيات اليسارية، أساساً تروتسكيين، يلتقون حول فكرة "الكتلة التاريخية"، بما يعنيه ذلك من انصهار مكونات إيديولوجية، سياسية واجتماعية مختلفة، ضمن تصور/ مشروع موحد، طوباوي غالباً، وانخراطها في الثورة الدائمة بمعناها التروتسكي، وربما الديني في أطروحاته الكبرى، ما يعني، ربما، تلاقي الديني باليساري في ما يشبه لاهوت التحرير اللاتيني.

وإذا كانت للمجموعة أهداف أساسية مرتبطة بمآلات الثورة التونسية، إلا أن لديها تصورات إقليمية وعالمية (أممية). كتبت المؤسِّسة في الحركة سنيّة الشربطي في بيان تعريفي يعود إلى سنة 2011: "تَعتبر قوى تونس الحرة أن ثورة تونس اليوم، تلتحم مع نضالات شعوب العالم ضد العولمة المدمّرة، ونتائجها المفزعة على الاقتصادي، الاجتماعي، البيئي، الصحي والثقافي... وهي تستلهم أشكال النضال من الحركة العالمية لمناهضة العولمة، وتقدم نموذجاً ثورياً رائعاً يلهم شعوب المنطقة في مسارها النضالي، ويتحد معها في رسم المستقبل الإنساني الجديد".

عبر نصوص مشابهة لسنيّة الشربطي، ومن خلال مقالات رضا شهاب المكي، على موقع الحوار المتمدّن، يمكن تقصّي المعجم الفكري للمجموعة: ضد الأحزاب، وأشكال الانتظام السياسي الكلاسيكي، وضد العولمة، وضد الليبرالية الاقتصادية، وضد النظام العالمي، وضد الديمقراطية التمثيلية، وضد الحداثوية المتعالية (أي النخب).

والنتيجة: فكر توليفي يطغى عليه الجانب الأناركي، ويتغذّى من أطروحات منظرين مثل إريك هوبزباوم، وآلان دونو، وجايمس سكوت، ودايفيد غرايبر... مع تبنّي أشكال الانتظام الذاتي، بدءاً من المستوى المحلي الضيق، وصعوداً نحو المركز، في شكل بناء هرمي قاعدي.

"لست متشائماً، وإنما واقعي. تونس، لا فائدة. السعادة ليست تونسية... بلداننا تغرق في سخافات الماضي. هل نحن عرب، مسلمون، مؤمنون أم مشركون؟ العالم يتحاور مع الفضائيين، والأقزام الخضر، بينما نحن نتجادل حول لون الحجاب، وطول اللحية؟"

يتحدث الأنثروبولوجي الأمريكي ومؤسس حركة "احتلّوا وول ستريت" دايفيد غرايبر، في أطروحاته، ككتاب "الدين: 5000 سنة من التاريخ"، عن تغوّل العمالقة الاقتصاديين، الشركات المتعددة الجنسيات، على الدولة الغربية الحديثة، وتجريدها من مضامينها الاجتماعية، واختزالها في الأذرع الحديدية، كالأمن والسجن، أي ما يُعرف بالسياسات النيوليرالية، ويعدّها مسؤولةً عن ارتفاع مؤشرات اللامساواة، وتراجع العدالة الاجتماعية في العالم.

يتقاطع في ذلك، مع أطروحات المنظر والبروفيسور في جامعة يال، جايمس سكوت، الذي يذهب أبعد من ذلك داعياً إلى اللاسلطوية والانتظام الذاتي، خاصة في كتابه: "فنّ أن لا تكون محكوماً" The art of not being governed، إذ يتناول مثال طوائف وقبائل اختارت العيش في قمم جبال جنوب شرق آسيا، تجنباً لتسلط الدول، وغطرسة الحكومات، واحتكارها العنف الشرعي، وتنتظم ذاتياً عبر التشاور، والتوافق، في ما بينها، وضمن مجال ضيّق ومغلق، في ما يشبه النقاشات والتصويت في ساحة الأغورا Agora الأثينية، مهد الديمقراطية في النظريات المنطلقة من مركزية أوروبية.

من هذه الأرضية الفكرية، تنبت أفكار قوى تونس الحرة، خارج دائرة الاعتراف الدولي، وتتقاطع هنا مع النظريات الإسلامية المتشددة، أو "الإسلام العسكري"، وفق تعبير ويليام ماك كانتس، بل تسعى، من وجهة نظر علم الاجتماع، إلى قلب منظومة الاعتراف، على اعتبار أن تبنّي المجموعة فكرةَ أن المنظومة الحالية، المحلية كجزء، والدولية ككل، فاشلة، ومفلسة، ويجب استبدالها، إذ تكون المجموعة، ومَن دار في فلكها، هي المنظومة المانحة للاعتراف.

لقاء قطار "الثورة" الأخير بالخليفة التائه

في حوار معه، يقول رضا شهاب المكي: "لم يكن قيس سعيّد من الوطد (حزب الوطنيين الديمقراطيين التونسي، وهو حزب ماركسي لينيني تأسس عام 1982)، لكنه فاجأنا في طريق التاريخ، فقد وجدناه يقدّم في الإعلام مشروعاً، هو توأم مشروعنا، وتلاقَينا في الحياة. كنت أنا في الخارج، وكان قيس سعيّد يجول في تونس برفقة سنيّة الشربطي، من شمالها الى جنوبها، منذ 2012، ليعرّف بالمشروع".

لا يتعارض مشروع قيس سعيّد مع مشروع قوى تونس الحرة، إذ يلتقي المشروعان حول إفلاس الديمقراطية التمثيلية في صيغتها الليبرالية الغربية، وأن الديمقراطية المباشرة والبناء القاعدي، أي قلب الهرم السياسي، هي الحل الأمثل. هذا مع تعزيزها ببقية الأطروحات، الطوباوية ربما، حول إعادة توزيع الثروة، وتمكين الشباب من أدوات الإنتاج، وتحرير المبادرة الحرة، وهنا التعارض مع الشيوعية في مفهومها التقليدي القائم على "اشتراكية الدولة"، أي أننا إزاء اشتراكية ليبرتارية، لها مسميات أخرى مختلفة كالاشتراكية الحرة، أو الاشتراكية الأناركية، والتي تتقاطع في النهاية مع اللاسلطوية في مفهومها السياسي، ومع الليبرالية في جوهرها الاقتصادي.

"ينوي قيس سعيّد بعث مشروعه ‘التأسيس الجديد’، والذي يشبّهه منتقدوه بنظام الجماهيرية الذي عرفته ليبيا القذّافية"

في هذا المستوى، ينتقد رضا لينين في نص له بعنوان "منافسة أم احتكار... صورة مثبتة أم سيرورة تاريخية"، تراجع الدولة لصالح المحتكرين الذين يعدّهم السيرورة التاريخية للرأسماليين، ويستبطن هنا نظرية كوندراتييف Kondratiev، حول الدورات الاقتصادية للرأسمالية التي تمر من مرحلة إنتاج الثروة إلى احتكارها، وتسبب أزماتٍ، كأزمة الكساد الأعظم 1929، وصولاً إلى أزمة 2008، وتالياً يرى أن على الدولة، ككيان قانوني وإداري، أن تكون في مرتبة قدسية فوق الجميع، لتلعب دورها التعديلي، متى رأت موجباً لذلك، أي عبر تبنّي قوانين تحمي، حتى يتحقق القصد من وجودها.

في هذه النقطة، يلتقي رضا لينين مع رؤية سعيّد المحافظة، والتي ترى أن على الدولة أن تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة، وهي: النفس، والعرض، والمال، والدين، والحرية. أليس هذا شبيهاً بحركات "لاهوت التحرير"، في أمريكا اللاتينية، في منتصف القرن الماضي، عندما تزاوجت المسيحية الكاثوليكية مع حركات التحرر اليسارية؟

المثالية المجالسية... فشلت من قبل، فلماذا ستنجح في تونس؟

المثالية المجالسية، أو شيوعية المجالس "Council Communism"، هي تيّار فكري سياسي انبثق من رحم الثورات العمالية، مطلع القرن الـ20 في أوروبا (روسيا 1917، ألمانيا 1918، وإيطاليا 1919...). ويمكن تصنيف الفكر المجالسي، على يسار الفكر الاشتراكي، ويقوم، وفق الأدبيات الأولية لروزا لوكسبمبورغ، وكبار منظري هذا الفكر، على تولي العمال للشأن العام، عبر مجالس ينتخبونها مباشرة في دوائر مضيَّقة، ومن دون أي أجسام وسيطة، كالنقابات، والمنظمات، أو الأحزاب.

عبر هذا المبدأ، ينوي قيس سعيّد بعث مشروعه "التأسيس الجديد"، والذي يشبّهه منتقدوه، بنظام الجماهيرية الذي عرفته ليبيا القذّافية. تقنياً، ينطلق المشروع "السعيّدي"، عبر تنظيم انتخابات مجالس محلية للمعتمديات، من خلال الاقتراع المباشر للأشخاص الذين حظوا بتزكيات للترشح. يتكوّن المجلس المحلي من أفراد منتخبين، إلى جانب مديري المرافق العمومية في المنطقة، كملاحظين. ثم يتم التصعيد، بالقرعة بين الأفراد، نحو المجالس الجهوية في الولايات، ثم البرلمان، لتكون النتيجة 264 نائباً عن كل معتمدية، مع المحافظة على الاقتراع المباشر بالنسبة إلى منصب رئيس الجمهورية، وعضوية المجالس المحلية.

ويبقى تعيين مشرف الأمن من قبل السلطة المركزية، على أن يحظى بتزكية أعضاء المجلس المحلي.

أما السلطة المضادة، فتتلخص في إمكانية سحب التوكيل، إثر إمضاء عريضة من قبل عدد من المواطنين. كذلك ينحسر تمثيل النواب في المجالس الجهوية على دورة واحدة، بمدة سنة.

تقوم المجالس المحلية بوظيفة إدارة التنمية في المنطقة، ويقع الاختيار والتصويت على المشاريع المستوجبة في مستوى محلي، وكذلك الأمر، مع التوليف نحو الأنسب، بالنسبة إلى المستوى الجهوي.

على عكس ما قد يتصوره ربما "السعيّديون"، عرفت بلدان عدة في العالم تجارب مختلفة من الديمقراطية المباشرة، ولا يزال الجدل حولها مطروحاً للنقاش، بين مؤيدين للمشاركة المباشرة للأفراد في القرار، وبين معارضين خوفاً من الانزلاق نحو الشعبوية، والأناركية، خاصةً مع الإخفاقات المتعددة المستويات التي تعرفها الديمقراطية التمثيلية.

يستعرض كثيرون من مؤيدي الديمقراطية المباشرة، المثال السويسري. لكن يبقى هذا المثال محلاً للكثير من نقاط الاستفهام. ففي دراسة للديبلوماسي السويسري سيمون غايسبالر، تظهر العديد من الإشكالات في هذه الديمقراطية. يقول: "هي ليست ديمقراطية مباشرة حقيقية... وهي بعيدة كثيراً عن الديمقراطية الأثينية... فقط 7% من القوانين المقترحة من البرلمان تُعرض على التصويت العام".

كذلك، في مراجعة للمعهد الدولي للديموقراطية والمساعدة الانتخابية IDEA، تظهر العديد من المشكلات التقنية في عملية جمع الإمضاءات للعرائض، وفي مدى إلمام الناخبين بالمسائل الاقتصادية، والاجتماعية المعقدة.

في النسخة السعيّدية المجالسية، ولسحب التفويض، يُفترض أن تقوم مجموعة من المواطنين بإمضاء عريضة. حسناً، مَن قال إن مَن سيقومون بالإمضاء قد صوتوا لهذا النائب، على افتراض أنهم صوتوا أساساً؟ أفلا يتعارض هذا مع مبدأ سرّية الاقتراع؟

بصورة أشمل، لو اعتمد الاستفتاء المباشر على إصدار مجلة الأحوال الشخصية، سنة 1956، والتي تضمنت منع تعدد الزوجات، وإجبارية الطلاق عبر المحاكم، هل كانت ستمر؟ لو تم اعتماد التصويت المباشر، الآن في هذه الأيام، على سَنّ قوانين احترام الأقليات، وحرية الضمير، وحقوق النساء، هل ستمر مثل هذه المبادئ في مجتمعات محافظة كالمجتمعات العربية؟ أم سيتم استثناء الحقوق والحريات من التصويت العام؟

مع الضبابية التي يمتاز بها قيس سعيّد، وحواريوه، تبقى هذه الأسئلة مطروحةً.

يحتضن هذا المشروع توليفة من الأفكار التروتسكية، والأناركية، والدينية الطوباوية، ومع الانحدار السياسي الذي تعرفه تونس، والأزمة الاجتماعية ذات البعدين الاقتصادي والصحي، وفي محيط إقليمي متقلب، وبوجود جزء من النخب الغوغائية، لا نجد أمامنا شعبوية، بالمعنى التقليدي على الطريقة الجاكسونية فحسب (نسبة إلى أندرو جاكسون)، وإنما سوبر-شعبوية، أو شعبوية متعالية، ربما ستكون بحثاً سياسياً مهماً في القادم السنين.

من جهة أخرى، انتهت التجارب المجالسية كلها، منذ قرن تحديداً، إلى الفشل المبكر، بسبب بطئها في معالجة الواقع العام، وضعف فاعليتها. في هذا المستوى، يبدو أن المنظرين لهذه الفكرة يراهنون على الديجيتال، والتطور التكنولوجي، لتلافي هذا الضعف، ولو أن اللجوء إلى هذه التكنولوجيات يطرح إشكالات تقنية أخرى.

من جهة أخرى، يعادي أصحاب هذا الطرح، عادةً، النخب بمختلف أطيافها، وتمثلاتها الاجتماعية والسياسية، ما يجعلها تنتفض ضدها في كل مرة، مستغلةً مثاليتها، لتُسقطها. فهل تكون التجربة التونسية استثناءً؟ أم أن للتاريخ أحكامه؟

في الختام، تبقى فرضية أن قطاراً قد يخفي قطاراً آخر مطروحةً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard