عودة الدكتاتور مع جمهور يصفّق له

الثلاثاء 27 يوليو 202108:10 م

عندما اندلعت ثورات الربيع العربي وأطاحت ببعض الحكام المستبدّين، كان هؤلاء قد بلغوا أرذل الأحوال شعبياً، فقد كانوا طيلة عقود يحكمون الناس بالقمع عموماً، وبالخبرة في إدارة الاستحقاقات الانتخابية، حيث كانت توجد هكذا استحقاقات.

الآن، مع الانقلاب* الذي نفّذه الرئيس التونسي قيس سعيّد، نشهد إرهاصات دكتاتور تونسي جديد سيأتي هذه المرّة مع ظهير شعبي عبّرت عنه التظاهرات المحتفية بقراراته، ما يعني أن عقداً من الزمن بعد الثورات التي عقد كثيرون عليها آمالهم من أجل مستقبل أفضل لم يفضِ سوى إلى "تجديد شباب الدكتاتورية".

هذا ما كان قد حصل في مصر وكاد يحصل في ليبيا لولا عجر المشير خليفة حفتر عن السيطرة على طرابلس، وها هو يحصل الآن في "أفضل تجارب الربيع العربي" التي كان معظم المراقبين يستبعدون انحدارها إلى هذا الدرك.

الانقسام الحاد

في كل مكان حيث نجحت الدكتاتورية في تجديد شبابها أو كادت، هنالك انقسام حاد بين الإسلاميين ممثَّلين بشكل أساسي بجماعة الإخوان المسلمين وبين مراكز قوى معادية للإسلاميين تعتبر نفسها أكثر تنويراً منهم وتنسج قوتها من تراث حديث (زمنياً) معادٍ للإسلام السياسي ومن تقاطعات سياسية عابرة للحدود ومعادية للإسلام السياسي العابر بدوره للحدود.

يعتبر معادو الإسلاميين أن الغاية تبرر الوسيلة**. وإنْ كانوا يعتقدون محقّين بأن حركات الإسلام السياسي لم تحسم نهائياً مسألة ضرورة انتظام عملية تداول السلطة، إذ لا تزال ميوعة أدبياتها حول هذه المسألة وتناقضات قياداتها عندما يتحدثون عنها ورصد ممارساتها عندما تكون في مواقع متنفّذة تطرح مخاوف من أنها تعتبر الديمقراطية طريقاً جيداً للوصول إلى الحكم ولتمكين نفسها من حكم المجتمعات العربية ويمكن قطعه بعد ذلك، فإنّ معادي الإسلاميين ينحدرون إلى ما دون ذلك، إلى أساليب الحكم القديمة الصلفة، أي الدكتاتورية العارية.

غَضَب طيف واسع من التونسيين من الأوضاع العامة في بلدهم مفهوم جداً. 27% منهم عبّروا عن قلقهم من نفاد مخزونهم من الطعام قبل أن يتمكنوا من تدبّر موارد مادية لاقتناء المزيد، و25% قالوا إن طعامهم نفد بالفعل، حسب أرقام استطلاع أعدّه "الباروميتر العربي" في آذار/ مارس الماضي.

مع هكذا حال، بعد صبر عقد على قطف ثمار الثورة دون أن تنضج حتى، يصير مفهوماً سبب غضب الناس من حالة المراوحة ومن المناكفات السياسية التي يحمّلونها سبب تردّي أوضاعهم، ويصير مفهوماً سبب احتفاء البعض بقرارات سعيّد.

ولم ينسَ التونسيون بعد أن السياحة في بلدهم كانت أفضل في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وأن بلدهم كان يحقق معدلات نمو جيدة، لم يحقق مثلها بعد الثورة، وأن نسبة البطالة كانت أدنى. هذه الذكريات ليست قديمة.

نتيجة عقد من الزمن بعد الثورات التي عقد كثيرون عليها آمالهم من أجل مستقبل أفضل أفضت إلى "تجديد شباب الدكتاتورية"

المشكلة التي لا حل لها والمرتبطة بالثورات هي أن الآمال المعقودة على نتائجها لا تكون مرتبطة بالواقع بل تكون متجاوزة له، ولعل هذا من شروط قيام الثورات، ولكن الواقع، في كل مكان، لا يسمح بتحقق كل شيء بل يعيدنا إلى دائرة ارتباط أي تقدّم يمكن إحرازه بمدى الإمكانات المتوفرة، خاصةً على صعيد الاقتصاد.

وفي العادة، تعجز الأنظمة الديمقراطية القائمة في دول نامية عن الاستجابة لتطلعات الشعب على صعيد خلق فرص عمل والطبابة وكافة الخدمات، ولكن الدكتاتوريات تعجز أيضاً مع فارق أنها تطعم الناس شعارات وإنجازات لا يرونها إلا على شاشات الإعلام الحكومي.

التفكير في التعددية

لا يمكن التعامي عن حقيقة أن التعددية السياسية تعقّد مسألة اتخاذ القرارات لا بل تعرقلها أحياناً وتحوّل السياسة إلى ميدان لتنصل القوى السياسية من المسؤولية وقذفها على آخرين. هذا لا يرتبط فقط بتونس أو بدولة مثل لبنان بل يمكن أن نراه في إسرائيل وفي إيطاليا وفي دول كثيرة. ولا يمكن التعامي عن أن هذا الأمر قد يرتدّ سلباً على معيشة المواطنين.

هنالك حاجة للتفكير في التعددية السياسية وعدم الاكتفاء بالتغنّي بها لكونها مؤشراً على وجود ديمقراطية، ولكن الملحّ هو التفكير في كيفية إدارة الأنظمة السياسية التعددية بشكل يمنع تعطيل آليات اتّخاذ القرارات ويتيح التخطيط طويل الأمد، وليس الانجراف إلى استنتاج أنها بطبيعتها سيئة. فالمشكلة هي في آلية اتخاذ القرارات وليس في فتح إمكانية لكافة الأطراف في المجتمع للتعبير عن تطلعاتهم والانتظام سياسياً وفق ذلك.

لا ضمانات للمواطنين غير القوانين والدساتير. إما هذا وإما العيش وفق مزاج الدكتاتور. الحياة في ظل حكم القانون قد لا تكون نعيماً ولكن المؤكد أن العيش بدونه يحوّلنا من بشر لهم حقوق إلى كيانات تسير كالقطيع، على إيقاع جرس الدكتاتور

وهنالك أيضاً حاجة للتفكير في إمكانية وجود ديمقراطية في دول تعاني من صعوبات اقتصادية، وهذه حاجة عالمية وليست محلية فقط، فالإنسان بطبعه يميل إلى تفضيل احتياجاته الأساسية على مسائل مثل حرياته، وعندما يعاني ولا ينجح في تصوّر حلّ، يميل إلى التعلّق بأي وعد، فيرمي بنفسه في أحضان الشعبويين، وكل سياسي شعبوي هو مشروع دكتاتور.

طريق مسدود

الدكتاتورية ليست الحل ولا يمكن أن تكون الحل. والمسألة ليست تفضيلات جمالية. الدكتاتورية طريق مسدود قد ينتج عنه تحسن في الأوضاع الاقتصادية، وقد ينتج عنه أيضاً انهيار اقتصادي، وسينتج عنه حكماً خنق للحريات. ومشكلة هذا الطريق الأساسية هي في عدم وجود آلية سلمية للتراجع عنه. الديمقراطية وتداول السلطة، برغم كل هنّاتها، تترك هذا الطريق سالكاً، على الأقل نظرياً، وتترك عملياً أدوات لمعاقبة الأحزاب وتترك الاحتمالات مفتوحة على تشكّل أطر جديدة، يعني تسمح للمواطنين بأن يكونوا جزءاً أساسياً من العملية السياسية وجزءاً مشاركاً في الشأن العام، أو على الأقل تتيح لهم هذا الاحتمال.

لا ضمانات للمواطنين غير القوانين والدساتير. إما هذا وإما العيش وفق مزاج الدكتاتور. الحياة في ظل حكم القانون قد لا تكون نعيماً ولكن المؤكد أن العيش بدونه يحوّلنا من بشر لهم حقوق إلى كيانات تسير كالقطيع، على إيقاع جرس الدكتاتور.

لا تزال الفرصة أمام عودة تونس إلى المسار الديمقراطي سانحة، ولا يزال ممكناً أن تذكر كتب التاريخ ما جرى كـ"محاولة انقلابية" أفشلت أو جرى التراجع عنها. المكاسب التي راكمها التونسيون خلال العقد الماضي على صعيد الحريات لا ينبغي التضحية بها مقابل أمل لن يصدق بأن الدكتاتورية ستكون أفضل لأنها لن تكون.

ـــ

*لماذا ما حصل هو "انقلاب"؟ يمتنع كثيرون عن استخدام مصطلح "الانقلاب" لوصف ما جرى في تونس. ما جرى أن الرئيس قيس سعيّد اتخذ قراراته بتجميد عمل مجلس النواب ورفع الحصانة عن أعضائه وإقالة رئيس الحكومة متذرعاً بالمادة 80 من الدستور رغم أن نص المادة واضح جداً لجهة أن "التدابير الاستثنائية" التي يحق لرئيس الجمهورية اتخاذها "في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلاله" لا يمكن أن تتضمن لا تجميد عمل البرلمان ولا إقالة رئيس الحكومة فالمادة نفسها تشترط اتخاذ هذه التدابير باستشارة رئيسي الحكومة ومجلس النواب. والمادة نفسها أيضاً، وحرصاً منها على حسن سير عمل المؤسسات الدستورية، وهو أمر ضروري بشكل خاص في الفترات الاستثنائية، نصّت بوضوح على أنه "يُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة"، وعلى أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب" وأنه "لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة"، وهي الصلاحية الوحيدة التي يمتلكها الرئيس في ما خص إقالة الحكومة، وهي فعل محصور بمجلس النواب، ما عدا في حالة وحيدة: إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول (لرئيس حكومة بعد الانتخابات النيابية) ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة.

لهذه الأسباب هو "انقلاب" أو على الأقل هو "محاولة انقلابية" لأن الأمور لا تزال مفتوحة على العودة عن القرارات المتخذة وإعادة عمل المؤسسات الدستورية.

**في إعلانه لقراراته، قال الرئيس التونسي قيس سعيّد "نحن نعمل في إطار القانون"، ولكنه أضاف: "إذا تحوّل القانون إلى أداة لتصفية الحسابات وإذا تحوّل القانون إلى أداة لتمكين اللصوص الذين نهبوا أموال الدولة وأموال الشعب المفقَّر، إذا كانت النصوص بهذا الشكل فهي ليست بالقوانين التي تعبّر عن إرادة الشعب بل هي أدوات للسطو على إرادة الشعب"، يعني يعطي لنفسه الحق بتفسير القوانين لا بل يعطي لنفسه الحق بالقول إنها غير مناسبة إذا كان هو يراها كذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard