كل شيء هادئ في الجبهة الشماليّة

الخميس 18 نوفمبر 202103:00 م

تندرج المادة في ملف جديد عنوانه: "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

"إن ميدان القتال هو بمثابة قفص كبير يحتبس فيه المقاتل ويتوقع فيه كل شيء". (إريك ماريا ريماك)

المجاميع

لو أننا قربنا كاميرا راصدة، لشاهدنا العرفج والثيل والهرم والرمث والروثة تواجه الألم منحنية أو مدهوسة أو مقتلعة، وكائنات صغيرة تحاول هلعة الاختفاء، تبحث عن جحور تحميها. عين الكاميرا سنلمح جربوعاً راكضاً، ضباً مسرعاً، وبعض الثعابين المرتبكة. في قيظ شهر أغسطس الحارق، جاءت دون سابق توقع، أحذية ثقيلة، صارمة، ساخنة باللهيب، محكمة بأربطتها القوية، وحشد عربات عسكرية متنوعة الأسلحة، دكت الأرض لامبالية إلاّ بمهمتها. جحافل كثيفة وصحراء ممتدة مذهولة.

جيش في تشكيلات دقيقة، لم يخض صراعات كثيرة، شاركت ألويته البرية سابقاً في حروب بعيدة، أهمها اللواء "المبارك" في حرب 1965، ولواء "الجهراء" المحارب في معارك أكتوبر. أماّ اليوم فكان اللواء السادس واللواء 35 في مرمى النار تماماً.

يقابلهم آخر يعرف أهوال النزاعات، يقف على الحدود العراقية بعتاد يمثل 100-150 ألف جندي من 3 فرق للجيش الجمهوري، بوجوه صارمة، منحوتة بالحنكة، لها خبرة القتال وأسئلة جديدة، حائرة عن هذه المعركة. تتألم الصحراء التي يقف الطرفان عليها، تجفل من صرخات في جوفها ترفض المشهد.

ما علّة الشمال الجريح؟

حُقب وأطوار وأحزاب، ولعنة هذه الحلّة العسكرية متداولة بين بعض قادة البلد الشمالي، تشحن دورة العنف بالمزيد، تحرضهم كاريزما الهيئة المهيبة، بسلطة ونفوذ لا تبرد رصاصاته ولا تهدأ آلياته ولا تخرس قاذفاته، صالباً تاريخه في هاوية الحزن تجاه شعبه أولاً قبل شعوب أخرى.

بكل انضباطية وحسم، حشدت الكويت جنودها المتحفزين أمام الحدود، يملكون العزيمة وإشاعات انطلقت بقوة عن سلاح استغرب الكثير أنه يُدعى"كبس قاع"... "كان صرحاً من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

منذ شهور تدلّت 3 إدعاءات سرّاً وجهراً، عتباً وغضباً من سماء ملبدة بالدخان لنار خفية ومستعرة. تمثلت الاتهامات الموجهه للكويت بأنها:

1. تسرق نفط رميلة

2. تتلاعب بأسعار النفط للإضرار بهم

3. ترفض التنازل عن الديون.

أما الرد فمضى إلى:

رفض وتفنيد الاتهامات،

وابتسامة غامضة عرفت معناها الدول الخليجية.

**

بكل انضباطية وحسم، حشدت الكويت جنودها المتحفزين أمام الحدود، يملكون العزيمة وإشاعات انطلقت بقوة عن سلاح استغرب الكثير أنه يُدعى"كبس قاع"، وعن مفاجأة تصنيعه خليجياً في سرية خارقة، أما اسمه فأخذ من أول حرف للبلدان الخليجية -بعضها تضايق لعدم اختيار الحرف الأول من اسمه بالبداية وتغاضى عن صعوبة ورداءة الاسم- وهدأت بعدما وجدت أن الأسماء البديلة، على نسق "سقبكاع"، "عقبساك"، "سقعكاب"، "اسكقبع" وغيرها من أسماء بشعة، رديئة، بدت كتعويذة سحرية. اتفقوا بعد حوارات بناءة على تنافس اسمين هما "كعب ساق" و"كبس قاع" فاختاروا الأخير، إذ وجدوه أكثر ترهيباً وتحذيراً في معناه الذي يشير إلى ضغط أو حشر القاع بقوة، دلالة على شراسه عارمة، من اسم يمكن أن يوحي إلى "كعب أخيل" ووجود نقطة ضعف ما.

كيف جاء "كبس قاع"؟

قررت الدول الخليجية بعد استنزافها بالمعاهدات والاتفاقيات المشتركة، وسياسة "الشرطي الطيب والشرطي القاسي"، استراتيجيه إنشاء المختبرات بشكل محموم، متوغلة في العلوم ومتحمسة للأبحاث. انعكس ذلك على التخصص والمشاركة بقطاعات جديدة في شتى بقاع العالم، فاطلعت بهدوء على تطور الدراسات في مجال الأسلحة التقليدية والبيولوجية وحقول التكنولوجيا والطب والفضاء والعلوم الفيزيائية والرياضية وأفرع علمية أخرى. معامل لا تهدأ بالعلماء، واستقطاب مستمر للمزيد وتشجيعهم. أصبح التكريم والتنافس عظيماً على الجوائز والابتعاث للخارج وتوظيف الخريجين. أصبحت الجامعات الخليجية، تسابق جامعات الصفوة في ترتيبها على العالم، وهو ما خلق أيضاً تنافسية بين الجامعات الخليجية -المتشابهة مشاريعها ببعضها بعضاً- ومحاولة التخطي.

كان الأساس هو الثقة والتعاون والرؤية الواضحة، وأفكار عن اتحاد كونفدرالي بينها، تم غض النظر عنه بينما روحه موجودة لم تتجمد.

حين أعلن همساً عن "كبس قاع"

قلقت بعض الدول. سألت الولايات المتحدة الأمريكية عن يد لها أو موضع قدم أو عقل في صناعته؟ بعد تسرب الأخبار، تبيّن أن التجارب منذ عام 1987، وبالرغم من معرفة استخباراتها، لم تهتم أو لم تتدخل في صناعتها لانشغالها بقضايا داخلية، منها عملية ريغان في البروتيستاتا، التي نقلت قنواتها الإعلامية وصحفها للجماهير نوعيتها والتقارير الطبية المصاحبة وسؤال متوتر: "ماذا لو توفي وفقدوا مكره وقدرته التمثيلية العالية؟

أما خارجياً، فاستغرقها قفز نجيب الله، عميل الاتحاد السوفياتي، رئيساً لأفغانستان، مع ترقبها الدائم لانتصارات القادة الأفغانيين، وترنح السوفيات قبل تفككهم. أخيراً ما بعث على اطمئنانها أن دول الخليج مسالمة و هادئة بلا حروب، ولم تعلن عن بيعة أو الدخول لمنافسات في السوق السوداء. أرادت حماية فقط، واستمرت في تطويرها.

أخبرت أمريكا حلفاءها والأصدقاء بعلمها بأنه سلاح يبرمج اسم الهدف، فيترصده طوال عمره حتى يصيبه، تماماً مثل الشائعة الخبيثة التي رغم نفيتها تظل تلاحقك حتى قبرك. وقد ظل السلاح غير معروف بتفاصيل جديدة، حتى تم الضغط على الدول الخليجية للإفصاح عنه وكم قاومت ذلك.

اجتماع جدة

آخر المحاولات، 31 يونيو

ترأس الوفد الكويتي الشيخ سعد العبدالله والوفد العراقي عزت الدوري. بدت العمرة أهم من الاجتماع، خاصة أن بعض القادة العراقيين لم يؤدوها من قبل، كانت فرصة عظيمة لهم ،فبعد فشل الاجتماع اتجهوا مسرعين إلى الكعبة الشريفة مساء.

ارتفعت أيادي الرفاق بالدعاء للسيد الرئيس صدام بموفور الصحة والعمر الطويل وبقائمة طلبات، تبدأ بالمكتسبات المالية -سمع أحد المرافقين السعوديين من حرس الحماية أحدهم يتوسّل للحصول على مشروع شاليهات فيلكا لاستثمارها أو المطاعم المشهورة في الكويت ومنها مطعم الأبراج المطلة على قصر الشيخ جابر الأحمد- القليل تضرع لأشياء أخرى، أما آخر الرغبات لبعضهم، فهو الحصول على القليل من الرشاقة لكروشهم الكبيرة.

تسريب فعالية "كبس قاع"

أخبر عزت الدوري رئيسه صدام حسين،عن حقيقة وجود "كبس قاع" وميزة أخرى عرفها من الوفد الكويتي،أن هذا السلاح من فرط سرعته لا تلتقطه العين المجردة ولا الأقمار الصناعية. كان ذلك موطن الصدمة التامة، سلاح من الخفة و الحجم المنكمش ليس أكبر من صرصار، حتى أسماه وزير الثقافة -ربما كان غازي القصيبي- في المملكة السعودية في الحكومات اللاحقة، هامساً بأنه: "رعب كافكوي" .

أما علاقة الجملة بالسلاح وكتاب مورس عليه من المترجمين عناوين عديدة، فأطلقوا عليه مسمى "المسخ"، "الانمساخ"، "التحول" أو "الصرصار"، فيعود لغموض وعدم اتفاق أحد على العنوان وطبيعة الحشرة التي أصبحها "غريغوري سامسا"، وإن أجمعوا على بشاعتها الشكلية، وقد كان السلاح يفجر ويفتت أعتى المخابيء وأضخم الأجساد إلى قطع صغيرة جدا بحجم حشرة،منجزاً تحولها بذات القياسات المتناهية الصغر.

ليلة 1 أغسطس 90

دعست النباتات مجدداً وفرّت كائنات الصحراء لأماكن أخرى أبعد. تحركات الجنود سريعة ومحمومة وقابلة للسيطرة على الوضع، قلق الليل لامس الجنود،أما البعض من الضباط العسكريين الكويتيين، فاجتمعوا يتناولون المشاوي المعجنات و البقصم مع الحليب، بينما أخبار الاشتباكات تصلهم عن أدق التحركات، لم يكن لديهم في غرفة القيادة تخوفات، فقط نبتت رهانات حول عدد الآليات التي ستدمر. انقسموا بين إفناء الجيش الصدامي كاملا في مقبرة "العبدلي"، أو التوقف عن استخدام "كبس قاع" بطلب من الساسة بعد أن يتم تدمير فرقة كاملة من الجيش الجمهوري؟

بدأت الليلة بمناوشات بسيطة عند المعابر الحدودية، لم يرفعوا جهوزيتهم أبداً وقروا عينا.

أخبر عزت الدوري رئيسه صدام حسين،عن حقيقة وجود "كبس قاع" وميزة أخرى عرفها من الوفد الكويتي،أن هذا السلاح من فرط سرعته لا تلتقطه العين المجردة ولا الأقمار الصناعية... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

هكذا لم تستعن الكويت بأي قوات للتحالف ولا حتى الخليجية، ولا ميليشيات إسلامية أفغانية مقترحة، فقط هيأت الـ16 ألف جندي، يصطفون بانتظار المزيد من الأوامر. كانت قلّة قليلة من الجنود متحمسة للحرب.

انطلقت وساطات محمومة من الجانب الأمريكي والسوفياتي الذي دخل كلاعب جديد، آملين بعدم اللجوء للحرب في هذا الوقت، ليس قبل فك شيفرة "كبس قاع" من قبلهما.

2 أغسطس 90

لا أحد يعرف إلاّ القيادة العراقية أن طارق عزيز اتصل في الساعة الثانية فجراً بالجانب الكويتي ممثلاً بوزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد، مطالباً أن تشاهد القيادات –قاصداً صدام- تأثير "كبس قاع"، وذلك بناء على نصيحة أمريكية، ففي البداية فكر صدام باستمالة أمريكا التي أخبرته سفيرتها بجملة دبلوماسية: "لا شأن لنا بما ستفعل لكننا ننصحك ألا تفعل". دون الإشارة لماهية الفعل وذلك بحسب اللغة الدبلوماسية، ثم استجاب للمشورة بعد حديث غاضب فاضت به مخاوف بعض القيادات في دائرته الضيقة جداً.

يقال إن الاسم الذي تم برمجته للسلاح هو "خير الله طلفاح"، إذ أمره صدام بالذهاب للجبهة بسرّية تامة ليطمئن على الاستعدادات العظيمة، وقد كانت كذلك. فانطلق "كبس قاع" وانفجر، وتفتت "طلفاح" والمروحيّة وكيلومتر كامل تلاشى كأنه لم يوجد قط. هرعت رنات هاتف الطوارئ الأمريكي، أتت لكنة بوش الأب الحاسمه تؤكد نصحها بوقف أي تحركات عسكرية، وجاء ذات الاتصال الحازم للجانب الكويتي بضبط النفس.

بقي الجيشان يحدقان ببعضهما البعض ليوم كامل. ذبلت الرهانات حين أكدت القيادة السياسية في النهاية للجيش انحسار فكرة الغزو الصدامية بنسبة 99.9%.

أما ما حدث بعد ذلك من ثورة جنوبية وهروب صدام واختبائه في الملجأ عام 2003، فله حكاية أخرى لا علاقة لها كما يقال أحياناً بـ"كبس قاع" مطلقاً والذي اختفى تماماً.

• من 1990 إلى 1993، تم عمل مونتاج للكثير من الأفلام المصورة لخير الله طلفاح لتبيان وجوده حياً، تم تمهيد الوضع بروايات عن انقلاب في آرائه والادعاء بوفاته عبر حادثة مفبركة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard