ولاية إدلب السورية... طالبان الحيّة في قلب العالم العربي

الأربعاء 18 أغسطس 202103:13 م

سيطرت حركة طالبان على الجغرافيا الأفغانيّة كلها تقريبًا، بعد استيلائها على العاصمة كابول. أدت هذه السيطرة إلى محاولات عشرات الآلاف من المواطنين الأفغان إلى الهروب من جحيم طالبان المُتوقع، ولا سيما النساء اللواتي ينتظرن مصيرًا مجهولًا، لكن مؤشرات هذا المصير ليست طيبة، وخاصة مع تذكر تجربة طالبان في حكم أفغانستان منذ العام 1996 حتى العام 2001، عند بدء الغزو الأمريكي للبلاد.

لكن فترة حكم طالبان في نهاية تسعينيات القرن المنصرم وبدء الألفيّة الجديدة ليست المثال الوحيد عمّا يُينتظر الأفغان، فإن كان هناك جيل لم يشهد ممارسات طالبان في أفغانستان، فله في سوريا مثلاً، إذا ما نظر نحو مدينة إدلب والمناطق المحيطة بها في شمال غربي سوريا، الخاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام".

انتشرت صور ومقاطع فيديو تُظهر احتفالات هيئة تحرير الشام بسيطرة طالبان على كابول. فارتفعت مآذن مدينة إدلب وما حولها بالتكبيرات والحمد لله على "هذا النصر الذي منّ به على الأمة"

احتفالات "الانتصار" الأخير

انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو تُظهر احتفالات مسلّحين ومناصرين لهيئة تحرير الشام، بسيطرة طالبان على العاصمة الأفغانيّة. وارتفعت مآذن مدينة إدلب وما حولها بالتكبيرات والحمد على "هذا النصر الذي منّ الله به على الأمة"، كما انتشرت مجموعة من الصور يظهر فيها مسلحون يتبعون هيئة تحرير الشام وهم يوزّعون قطع الحلوى على المارة في الشارع، احتفالًا بـ"الانتصار الكبير".

مقاتل من هيئة تحرير الشام يوزع الحلوى في شوارع إدلب- المصدر: حساب مجموعة INT الإخبارية المستقلة - فيسبوك

صورة توزيع الحلوى، ترتبط في سوريا بحادثة توزيع حزب الله الحلوى على سكان الضاحية الجنوبيّة في بيروت، احتفالاً بسيطرته على مدينة القصير الإستراتيجيّة في ريف حمص في سوريا عام 2013، وكانت تلك المعركة إعلانًا صريحًا بدخول حزب الله الحرب السوريّة إلى جانب نظام بشار الأسد.

في تلك الحادثة، قامت مجموعات تابعة لحزب الله بتوزيع الحلوى على المارة احتفالًا بـ"الانتصار الكبير". وأصبحت هذه "العادة" منذ ذلك الحين تقليدًا في الحرب السوريّة، فكلّما انتصر طرف ما في معركة ما، وزّع أنصاره الحلوى على المارة، إلّا أنّها المرة الأولى، على الأرجح، التي توزّع فيها الحلوى بسبب انتصار يحدث بعيدًا عن الأراضي السوريّة.

فيما كان مسؤولون ومقاتلون في هيئة تحرير الشام قد نشروا رسائل تهنئة لحركة طالبان، واصفين ما حدث بـ"النصر الكبير للمسلمين"، وقال القيادي البارز في هيئة تحرير الشام، أبو ماريا القحطاني: "أبارك للأمة الإسلاميّة انتصار إخواننا الطلبة على المُحتلين وأذنابهم في أفغانستان، وتعازينا للخونة والمنافقين".

في المقابل انتشرت رسالة صوتيّة، لم يسعنا التأكد من صحتها، منسوبة إلى أحد مقاتلي حركة طالبان إلى عناصر هيئة تحرير الشام. وعرّف صاحب الرسالة نفسه باسم "أبو مصعب فوزان" من حركة طالبان في أفغانستان، متحدثًا بعربيّة فصحى عن نصر طالبان على أمريكا، كما وعد عناصر هيئة تحرير الشام بالقدوم إلى سوريا والقتال إلى جانبهم حتى "تحرير سوريا من الروافض".

ما هي هيئة تحرير الشام؟

هي جماعة مقاتلة في سوريا، تتبنى السلفيّة الجهاديّة مسلكًا، تشكّلت في العام 2017 بعد اتحاد جبهة أنصار الدين وجيش السنة ولواء الحق وحركة نور الدين الزنكي ومجموعات أخرى انضمت لاحقًا أبرزها حركة أحرار الشام، لكن قوامها الأساسي هو جبهة النصرة، التي كان يترأسها أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، الآن، كما يترأس الهيئة قادة جلّهم قادة سابقون في جبهة النصرة.

انتشرت رسالة صوتية منسوبة إلى أحد مقاتلي حركة طالبان، موجهة إلى عناصر هيئة تحرير الشام. وعد فيها عضو طالبان، عناصر هيئة تحرير الشام بالقدوم إلى سوريا والقتال إلى جانبهم حتى "تحرير سوريا من الروافض"

تأسست جبهة النصرة في أواخر العام 2011، كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، وصنفتها الولايات المتحدة الأمريكيّة والاتحاد الأوروبي تنظيمًا إرهابيًا. لكن بعد انضمام مجموعات أخرى إليها وتشكيل هيئة تحرير الشام، زعمت الهيئة بأنّها كيان مستقل وليست امتدادًا لفصائل وكيانات وتنظيمات أخرى.

وبالرغم من وضع جبهة النصرة على قوائم الإرهاب، فإنّ حليفتها في هيئة تحرير الشام، حركة نور الدين الزنكي، كانت من المجموعات التي تلقت دعمًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكيّة.

حكم هيئة تحرير الشام

تسيطر هيئة تحرير الشام، كونها سلطة أمر واقع، على مناطق واسعة في شمال غربي سوريا، وخاصة في منطقة مدينة إدلب وريفها، كما تسيطر على عدد كبير من مخيمات اللاجئين والمهجرين والنقاط الحدوديّة، حيث يُقدر عدد المدنيين الذين يقبعون تحت حكمها بأكثر من أربعة ملايين، ويترأسها أبو محمد الجولاني، أحد أكثر "الإرهابيين" الدوليين شهرة.

تصف تقارير صحافيّة الوضع في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، فيما يتعلق بموضوع الحريّات والحقوق، بالكارثي، إذ "تتدخل الهيئة بأدق تفاصيل حياة المواطنين وتفرض عليهم رؤيتها المُتشدّدة"، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على قمع حريّات عامة وحريّات سياسيّة بل صارت تفرض على المواطنين "كيفيّة لباسهم أو قص شعرهم، وطريقة سيرهم في الأماكن العامة، كما تمنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم، مثل إقامة الأفراح في صالات عامة"، ما يذكّر بممارسات طالبان خلال سنوات حكمها السابقة، وما يُنبئ بالمستقبل الذي ينتظر أفغانستان.

تتدخل هيئة تحرير الشام بأدق تفاصيل حياة المواطنين وتفرض عليهم رؤيتها المُتشدّدة

يضيف تقرير صحيفة "العربي الجديد" أنّ هيئة تحرير الشام تحصل على أتاوات ماليّة من معظم أصحاب المهن تحت مسميّات مختلفة، كما تعمد إلى مصادرة أملاك من تشاء من المواطنين كغنائم حرب. وكان رصيف22 قد نشر مؤخرًا تقريرًا عن أمراء الحرب السوريين وأعمالهم التجاريّة التي تستمر بأموال غير قانونيّة وغير شرعيّة، ومنهم قيادات في هيئة تحرير الشام، على رأسهم زعيم الهيئة، أبو محمد الجولاني.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard