الهروب إلى المجهول… العبور بين اليأس والفوضى في كابول

الثلاثاء 17 أغسطس 202103:15 م

خلال ساعات قليلة، ألقى الجيش الأفغاني المدرب والمجهز بعتاد حربي أمريكي حديث بأسلحته من دون أن يطلق رصاصة واحدة، وفر القادة المدعومون دولياً بعد استيلائهم على أموال الشعب، وخلت أجهزة الحكم وساد الرعب من مصير معلوم ينتظر كل افغاني لا يتبنى فكر جماعة طالبان التي عادت لتسيطر على عموم البلاد، بعد 20 عاماً قضاها مقاتلوها بين الفرار من المطاردة والاعتداء على المدنيين الأفغان في قراهم غير الآمنة. 

وواصلت القوات الأمريكية وحلفاؤها انسحابهم من أفغانستان على عجل، وألقى الرئيس الأمريكي جو بايدن مساء أمس الاثنين، 16 أغسطس/ آب، كلمة رد فيها على منتقدي قرار الانسحاب في الداخل الأمريكي وفي الخارج، مبرراً قراره بقوله "لقد دعمنا القادة السياسيين وحاولنا مساعدتهم على التفاوض. طالبناهم بالقضاء على الفساد في صفوفهم وفي إداراتهم الحكومية والسياسية لصالح الشعب الأفغاني، ودربنا واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة وسلحناه جيداً. لكن القادة رفضوا الاتفاق واستمروا في ممارسة ودعم الفساد وألقى الجيش بأسلحته من دون قتال. نحن [الأمريكيون] ليس دورنا أن نقاتل من أجل من يرفضون القتال من أجل أنفسهم". 

القادة الغربيون مطمئنون على سلامة رعاياهم، والقادة الأفغان استطاعوا تأمين مستقبل باذخ في منافيهم التي اختاروا الفرار إليها. أما المدنيون الأفغان، فصاروا أبطالاً لمشاهد مرعبة احتلت الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي لساعات طويلة. 

القادة الغربيون مطمئنون على سلامة رعاياهم، والقادة الأفغان استطاعوا تأمين مستقبل باذخ في منافيهم التي فروا إليها. أما المدنيون الأفغان، فصاروا أبطالاً لمشاهد مرعبة احتلت الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي لساعات طويلة

فرار من القهر إلى الموت 

مع تواتر أخبار وصول قوات طالبان إلى العاصمة وبدء هجومها، بدأ الكثير من المدنيين، إضافة إلى الجاليات الأجنبيّة والبعثات الدبلوماسيّة والناشطين والصحافيين بالهرب. في الأثناء، أعلنت الخطوط الجويّة التركيّة عن تسيير "رحلات إجلاء" من العاصمة الأفغانيّة كابول، يوم الاثنين السادس عشر من آب/ أغسطس.

كان على متن واحدة من الرحلات الواصلة إلى اسطنبول قادمة من كابول، السياسي والكاتب البرتغالي، برونو ماسيس، الذي كتب تغريدة يوم الجمعة، الثالث عشر من آب/ أغسطس يقول فيها: "غادرت كابول في رحلة متجهة إلى اسطنبول، ممتلئة عن آخرها، معظمهم لا يريد العودة. طلبت مني شابة أن ألتقطَ صورتها ثلاث مرات، معتذرة بقولها: ربما تكون هذه المرة الأخيرة"، وأتبعها بتغريدة أخرى تقول "إنّ المغادرين هم أصحاب جوازات سفر مزدوجة، أو لديهم تأشيرات طويلة الأمد. وإنّ تركيا هي الدولة الوحيدة التي تصدّر تأشيرات سفر في الوقت الحالي".


في الساعات الأخيرة، وبعد هرب رئيس البلاد، أشرف غني، نحو دولة طاجكستان، وبعد هرب قادة الصف الأول خارج البلاد، توجه آلاف المدنيين نحو مطار العاصمة في محاولة أخيرة للهرب من جحيم طالبان المُنتظر. 

انتشرت صور ومقاطع فيديو عن مصائر صادمة، انتهت إليها محاولات المدنيين لدى الهروب خارج البلاد، مثل مقطع الفيديو الذي يُظهر محاولات الناس التمسّك بطائرة عسكريّة أمريكيّة على وشك الطيران في مدرج مطار كابول الدولي 


هذا المشهد الذي كان ختامه سقوط أفغانييْن اثنين من الطائرة المحلقة بعدما عجزا عن الاستمرار في التمسك بهيكلها.

 

كتبت الفنانة الأفغانية "مشتاري" تغريدة في حسابها على تويتر تقول فيها: "بغض النظر عن الأشخاص الذين استسلموا وبغض النظر عن فساد الدولة الأفغانيّة ومدى ضآلة ثقة المجتمع المدني بالجيش والإدارة، ما يحدث ليس معاداة للإمبرياليّة أو للحظة إعادة السلطة إلى الشعب. طالبان ليست الشعب الأفغاني". 


هذا ما تثبته صور ومقاطع الفيديو القادمة من مطار كابول، حيث يحاول المدنيون الهرب قبل وصول قوات طالبان. ففي مقطع فيديو انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر آلاف المدنيين يحاولون دخول مبنى مطار كابول بهدف الوصول إلى إحدى الطائرات المغادرة.


فيما قالت المراسلة الصحافيّة بيل ترو نقلًا عن وكالة رويترز إنّ خمسة أشخاص قتلوا بسبب التجمعات من دون معرفة كيفيّة موتهم. وإنّ القوات الأمريكيّة المسؤولة عن المطار قد أطلقت عيارات ناريّة في الهواء لتفريق الحشود.


هذا الخوف العام من حكم طالبان ينبع من تجربة سابقة عرفها الشعب الأفغاني خلال حكم الحركة للبلاد بين عامي 1996 و2001، حين فرضت نوعًا من الحكم الوحشي الذي قضى على حقوق المرأة والأقليات وفرضت نظامًا إسلاميًا متطرفًا.

الناس اصطفوا أمام أجهزة الصرّاف الآلي لسحب مدخرات حياتهم، فيما ظلّ الفقراء، الذين تركوا منازلهم في الريف من أجل السلامة المُفترضة للعاصمة، في الحدائق والأماكن المفتوحة في جميع أنحاء المدينة

دفع الخوف ملايين الأفغان إلى محاولة ترك البلاد، ولم ينجح منهم سوى مئات ممن يعملون مع بعثات دبلوماسيّة أو عسكريّة أجنبيّة، أو من يحملون جنسيّة أخرى. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإنّ الناس "اصطفوا أمام أجهزة الصرّاف الآلي لسحب مدخرات حياتهم، فيما ظلّ الفقراء، الذين تركوا منازلهم في الريف من أجل السلامة المُفترضة للعاصمة، في الحدائق والأماكن المفتوحة في جميع أنحاء المدينة".


في الساعات الأخيرة قبل سقوط كابول في أيدي قوات طالبان المتطرفة، سعى مئات الآلاف من الناس إلى الهرب من بلاد مستقبلها المجهول لا يُنبئ بالخير لأولئك الذين يرفضون ويعارضون حكمًا إسلاميًا متطرفًا صاحب سجل دموي، وبرغم محاولات طالبان تجميل صورتها بإعلان ترحيبها بتعليم النساء ودعوتهن إلى العمل في الإدارات الحكومية، و"العفو" عمن عملوا مع الحكومة الأفغانية الساقطة، فإن تاريخها الدموي وفكرها الذي لم تخضعه لأي مراجعة، يشهدان أنّها لا ترحم من يعارضها، بل حتى لا ترحم أولئك الذين لا يوافقون معها على كل أفكارها وتصرفاتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard