"الأطباء عجزوا عن التعامل مع حالتي"... رحلة مصريين لعلاج أمراض الدم النادرة

الاثنين 16 أغسطس 202102:59 م

تزوجت من ابن عمتها، ولم تعلم أن زواجها سيكون سبباً في إنجاب أطفال مصابين بأحد أمراض الدم النادرة الناتجة عن خلل وراثي، والذي يسبب حدوث حالات نزيف حادة تهدد الحياة.

تروي ثناء بشير (28 عاماً) لرصيف22 تفاصيل حكايتها المأسوية، بعد إصابة طفلتيها بالمرض نفسه، ووفاة إحداهن، قائلةً: "ظهرت على ابنتي مريم، البالغة من العمر سبع سنوات، كدمات، وفي سن العامين ونصف العام، أصيبت ببرد مصحوب بارتفاع الحرارة، وذهبنا بها إلى أحد مشافي الإسكندرية، لنكتشف إصابتها بمرض أورين باراهيموفيليا، الناتج عن عدم قدرة الجسم على تصنيع أحد عوامل تجلط الدم".

اكتشاف المرض، ومتابعة العلاج، لابنتَي ثناء لم يكن بالأمر السهل، إذ لم تترك العائلة مشفى في صعيد مصر، حيث تقيم، إلا وطرقت بابه بحثاً عن طبيب يتعامل مع هذا المرض النادر، ما دفعها إلى اللجوء بعد ذلك إلى الإسكندرية.

تستطرد الأم قائلة: "تبينت إصابة ابنتي الصغيرة منار بالمرض ذاته، لتبدأ رحلة نقل البلازما، وهي في شهرها الخامس، بعد تعرضها لنزيف شديد إثر جراحة لإزالة تجمع دموي على الرأس، وظلت تنقل بلازما مدة أربعة أشهر، كما أصيبت بالالتهاب السحائي، وتوفيت في عمر العامين ونصف العام".


"قالوا لأمي ابنك ملبوس بالجن"

والدا ولاء فايز (41 عاماً)، هما أيضاً أبناء عمومة، ونتجت عن زواجهما ولادة ثلاثة أطفال مصابين بمرض "ألفون ويلبراند"، وهو اضطراب، أو نقص في البروتين، يمنع تجلط الدم بشكل طبيعي.

في مصر آلاف المصابين بأمراض نادرة بالدم وحالات نزف شديد ومستمر، ويعانون من رحلة علاج طويلة ومكلفة وصعبة للغاية.

تروي ولاء، وهي من محافظة بني سويف حكايتها لرصيف22: "بعد عام من ولادة شقيقي الأكبر، تعرض لنزيف شديد إبان عملية التطهير. حينها لم تترك والدتنا باباً إلا وطرقته، بحثاً عن السبب. وبعد أن عجز الأطباء عن التشخيص، قال مقربون منها ‘ابنك ملبوس بالجن’، وذهبت به إلى مشايخ وقساوسة، على أمل فك السحر المزعوم، لكن من دون فائدة. بعد ذلك، اكتشف طبيب شهير في القاهرة حالته، وحوله إلى الجهة المختصة، ومنذ ذلك الحين ونحن ننقل له مشتقات الدم".

شقيق آخر لولاء توفي بعمر العامين، بعد إصابته بنزيف خلال لعبه الكرة، ولم يسعفه الأطباء الذين لم يتعرفوا إلى طبيعة مرضه. أما هي، فتتلخص معاناتها بتعرضها لنزيف شديد إبان كل دورة شهرية، وكانت تتعالج من خلال إبر "الفاكتور" التي تحتوي على عامل تجلط الدم الناقص، وتُصنع من البلازما البشرية، أو من خلال الهندسة الوراثية، لكن جسدها توقف عن الاستجابة لهذا العلاج.

"كان المرض سبباً في ضياع حلمي بالالتحاق بكلية الإعلام، نظراً لاحتجازي لفترات طويلة في المشافي للعلاج. لدي معاناة أخرى مع تعرضي للنزيف الشديد أثناء إنجابي أطفالي بعد الزواج، وتهرّب أطباء عديدون من متابعتي، خلال الحمل، قائلين لي: ‘أنت حالة خاصة، ولا نستطيع تحمل مسؤوليتك’"، تقول ولاء، مضيفة أنها بعد إنجابها ابنتها الأولى، حملت مرتين؛ أجهضت في الأولى، وتسببت الثانية باستئصال رحمها، بسبب عجز الطبيب عن التعامل مع حالتها، ما تسبب لها بنزيف حاد استمر 45 يوماً بعد العملية.


"أنتظر معجزة إلهية"

تحولت حياة آلاء أ. منذ الصغر، إلى مأساة حقيقية. ظلت سنوات لا تعلم سبب نزفها المستمر، والكدمات التي انتشرت في جسدها الصغير، وباتت أقصى أمانيها أن تحدث معجزة إلهية، ويتوافر علاج ناجع لحالتها.

تروي الفتاة ذات الأعوام الثمانية عشر، ابنة محافظة الغربية، والتي تدرس التكنولوجيا الحيوية في جامعة عين شمس، حكايتها لرصيف22: "تتحول حياتي إلى كابوس مع كل دورة شهرية، إذ أتعرض لنزيف متواصل لمدة 15 يوماً، زيادة على نزيف القولون، وآلام المفاصل".

تستطرد آلاء: "شُخصت حالتي بأنها طفرة جينية ناتجة عن نقص في خمس من معاملات التجلط، البالغ عددها ثلاث عشرة، وقال لي الأطباء إنه لا علاج لي سوى نقل مشتقات، وحقن فاكتور. يبلغ ثمن الحقنة الواحدة 6500 جنيه، وخلال النزف أحتاج إلى 15 حقنة، وهو أمر مكلف للغاية لأي مريض".

تتذكر آلاء بشكل خاص فترة الثانوية العامة التي وصفتها بالمأساة، إذ ظلت محتجزة في المستشفى تسعين يوماً، بسبب النزف، وخلال تلك الفترة كانت تخرج إلى المدرسة والدروس، ثم تعود مجدداً إلى سرير المستشفى.

"بعد أن عجز الأطباء عن التشخيص، قال مقربون منها ‘ابنك ملبوس بالجن’، وذهبت به إلى مشايخ وقساوسة، على أمل فك السحر المزعوم، لكن من دون فائدة. بعد ذلك، اكتشف طبيب شهير في القاهرة حالته، وحوله إلى الجهة المختصة، ومنذ ذلك الحين ونحن ننقل له مشتقات الدم"


علاجات مكلفة

وفق أرقام حصل عليها رصيف22 من جمعية أصدقاء مرضى النزف في مصر، فإن مجمل عدد المصابين الذين رصدتهم الجمعية عام 2020 يبلغ حوالي 8250 مريضاً، النسبة الأكبر منهم من الذكور.

وتُستخدم أنواع متعددة من العلاجات لحالات النزف الشديد المستمر، وهي في معظمها ناتجة عن أسباب وراثية، ومن هذه العلاجات البلازما التي توجد في جسم الإنسان، وتُستخدم في علاج الهيموفيليا، وأمراض الكبد، والحروق، ومعالجة عوامل التجلط، للمساعدة في تقليل النزف النشط، إلى جانب أن الأجسام المضادة بالبلازما تساعد الجسم على محاربة الالتهابات، وتنظيم درجة حرارته.

ويحدث تدهور سريع للمصابين بالنزف المستمر إذا لم يحصلوا على البلازما، مما يؤدي إلى حدوث مضاعفات عنيفة تؤدي إلى تشوهات المفاصل، والتي قد تسبب بدورها إعاقات مزمنة.

من العلاجات الأخرى أيضاً لحالات النزف المستمر، الألبومين، وهو أحد بروتينات الدم الذي ينتج في الكبد، ويمنع خروج سوائل الدم من الأوعية الدموية إلى أنسجة الجسم، وعند عدم حصول مرضى نقص الألبومين على العلاج، قد يحدث تورم في الجسم، واستسقاء في البطن، مع مضاعفات خطيرة تصل إلى فشل عضلة القلب، والوفاة.

وتُعد هذه العلاجات مكلفة للغاية للمرضى في مصر، كما أنها لا تتوافر دائماً، ما يضع حياتهم على الدوام في خطر، وعائلاتهم في ضغط دائم، لمحاولة إنقاذهم، أو تحسين شروط عيشهم قدر الإمكان.

تتراوح تكلفة العلاج الشهري لمريض الهيموفيليا، بين 8000 و40000 جنيه، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور 2400 جنيه.

وأكدت رئيسة جمعية أصدقاء مرضى النزف ماجدة رخا لرصيف22، أن تكلفة العلاج الشهري لمريض الهيموفيليا، تتراوح بين 8000 و40000 جنيه (500-2500 دولار)، وتختلف التكلفة وفقاً للحالة المرضية، ووزن المريض/ة، وشدة الإصابة. من جهة أخرى، يحتاج بعض المرضى إلى تغيير مفصل، في حالة حدوث إعاقة، وتبلغ كلفة توفير عوامل التجلط قبل العملية، وبعدها، 770 ألف جنيه (حوالي 49 ألف دولار)، أما في حالات خلع الضرس، فيحتاج المريض إلى فاكتور بكلفة تتراوح بين 8000 و10000 جنيه (500-600 دولار)، مضيفة أن 20% من الحالات، تتكون لديها أجسام مضادة، وهنا ترتفع كلفة العلاج إذ يبلغ ثمن الحقنة الواحدة 4500 جنيه.

ويبلغ الحد الأدنى للأجر الشهري في مصر 2400 جنيه.

أما التأمين الصحي، فهو يوفر العلاج لمرضى أمراض الدم النادرة، من الطلبة والموظفين الحكوميين فحسب، وتقدر نسبتهم بـ40% إلى 50% من مجمل المرضى، وفقاً للمتحدثة. أما بقية الحالات فتخضع للعلاج على نفقة الدولة التي تدعم المرضى بمبلغ 6500 جنيه (414 دولاراً) كل ستة أشهر.


عجز وشروط صعبة

في سياق متصل، روت مديحة ع. ا.، وهي موظفة إدارية في إحدى المستشفيات الحكومية في محافظة دمياط، تفاصيل معاناة شقيقها أشرف (38 عاماً) الذي يعاني من عدم توفر الألبومين: "قبل أشهر، تعرض شقيقي لحروق، وكان في حاجة إلى نقل ألبومين لأربعة شهور متواصلة، ونظراً لعدم توافره في المستشفيات الحكومية، كنا نشتريه بـ550 جنيهاً للأمبول الواحد يومياً"، مشيرة إلى العجز الكبير في توافر هذا العلاج ضمن المشافي الحكومية.

وتردف قائلة: "قرار العلاج على نفقة الدولة لا يوفر سوى ثمن أربع حقن شهرياً، بمعدل 2400 جنيه، في وقت كان يحصل شقيقي فيه على حقنة يومياً بـ550 جنيهاً، وعلى الرغم من أن حالته حرجة، لم توفرها الدولة له"، مشيرة إلى اشتراط عدد من بنوك الدم الإقليمية توافر بطاقة "فيزا"، لصرف المشتقات، وهو ما لا يتوافر مع الكثيرين من المصريين، ما يعرض حياة المرضى للخطر.

وتقول الدكتورة ماجدة رخا، وهي المديرة العامة للمعامل المركزية في وزارة الصحة سابقاً: "يعتمد المرضى على توفير مشتقات البلازما من الهيئة العامة للتأمين الصحي ووزارة الصحة، إذ تستورد احتياجاتنا من الخارج"، مشيرةً إلى أن الحالات التي ليس لها مصدر تمويل، تتولى جمعية أصدقاء مرضى النزف علاجها على نفقتها، إلى حين استخراج قرار وزاري لعلاجهم، كما تساعد الجمعية المرضى عند احتياجهم عمليات جراحية. ومن الجدير بالذكر، أن مصر أعلنت مطلع العام الحالي عن مشروع لإنشاء مصنع لتصنيع مشتقات بلازما الدم.

تضيف رخا أيضاً، حول عدم تغطية "الفاكتور" المستورد لحاجات المرضى، على الرغم من استيراد ما تبلغ كلفته نحو 100 مليون جنيه سنوياً، فالمستخدم في علاج الهيموفيليا، تصل نسبة العجز فيه إلى 30%، والمستخدم في علاج الفون ويلبراند غير متوافر أيضاً، في وقت يُعد فيه عدد المصابين بهذه الأمراض غير قليل.

وتكمن المشكلة، وفق حديث رخا أيضاً، في عدم وجود توعية كافية حول هذه الأمراض: "نعمل حالياً على اكتشاف أكبر عدد من المصابين بها، إذ إن تأخر توفير العلاج، تنتج عنه مضاعفات، كالإعاقة الناجمة عن إصابات المفاصل".

"تتمثل مطالب مرضى أمراض النزف الوراثية، في ضرورة إخضاعهم لمظلة التأمين الصحي، وتطبيق العلاج الوقائي للأطفال للوقاية من الإعاقة الناجمة عن النزف المتكرر، مع العمل على زيادة التوعية المجتمعية بأمراض النزف، وضرورة الكشف المبكر عنها"

حلول ممكنة

في المقابل، طالب محمود فؤاد رئيس مركز "الحق في الدواء"، المعني بتسهيل وصول المرضى إلى الأدوية، خاصةً الذين يعانون من الأمراض النادرة، بتطبيق إجراءات العلاج المنزلي الوقائي لمرضى الهيموفيليا، مشيراً إلى فوائد تطبيقه، مما يوفر على المريض عدم إطالة مدة النزف، وتراجع معدل المخاطر المتمثلة في الإصابة بالعجز، نتيجة تلف المفاصل، مضيفاً في حديثه لرصيف22: "حال تطبيق نظام العلاج المنزلي، قد يتكلف المريض شهرياً 6500 جنيه، بدلاً من 40 ألف جنيه، مع العلم أنه نظام مطبق في الكثير من دول العالم".

ويُقصد بالعلاج المنزلي، صرف جرعة واحدة مثلاً للمريض ضمن المنزل عند النزيف الطارئ، كي لا تتدهور حالته، ثم يُنقل إلى المستشفى في ما بعد لتلقي العلاج الكامل.

ووفقاً لفؤاد، هناك عجز كبير في تخصص أطباء أمراض الدم في مصر، ما يصعّب اكتشاف الحالات، وعلاجها، قبل فوات الأوان. وتشير تقديرات حصل عليها رصيف22، إلى أن عدد هؤلاء الأطباء لا يتجاوز المئة في عموم مصر، ويتركزون بمعظمهم في محافظات القاهرة والجيزة، في حين ترتفع أسعار المعاينات لديهم، وتصل إلى 1000 جنيه، بسبب قلة عددهم.

من الأمور المطروحة أيضاً لمساعدة مرضى النزف المستمر، التوعية بأهمية التبرع بالدم. وفق دراسة أعدها المركز المصري للفكر والدراسات، ولا يتجاوز عدد المتبرعين المليون و650 ألفاً سنوياً، ما نسبته 2.65% تقريباً من إجمالي سكان مصر، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسب العجز، وفقدان آلاف المرضى حياتهم، ويخلق سوقاً سوداء لتجارة الدم، إذ تعمل جمعيات وأشخاص على تنظيم حملات تبرع بالدم، ثم تبيع الأكياس المجمعة لمشافٍ خاصة، وعيادات طبية، تقدم للمرضى بغالبيتها من دون فحص، ما يسبب العدوى بأمراض خطيرة.

يقول محمد أبو حجر، وهو مريض هيموفيليا لرصيف22: "تتمثل مطالب مرضى أمراض النزف الوراثية، في ضرورة إخضاعهم لمظلة التأمين الصحي، وتطبيق العلاج الوقائي للأطفال للوقاية من الإعاقة الناجمة عن النزف المتكرر، كمرحلة أولى، ثم التعميم على البقية، مع العمل على زيادة التوعية المجتمعية بأمراض النزف، وضرورة الكشف المبكر عنها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard