القطاع الصحي في الأردن… جنة الوافد ونار المواطن

الخميس 29 يوليو 202103:40 م

ينقطع التيار الكهربائي عن مستشفى "الغاردنز" في العاصمة الأردنية عمان، فتتوقف أجهزة التنفس الصناعي، ويتوفى مريضان… وينقطع الأوكسيجين عن مستشفى السلط، فيتوفى سبعة مرضى.

حوادث متكررة، وكوارث لا تتوقف، في مستشفيات الأردن، ناجمة عن عجز، أو إهمال، يدفع ثمنهما مرضى، شاء حظهم العاثر أن يكونوا في اللحظة الخطأ، في المكان الخطأ.

المفارقة أن الدولة التي يشكو القاطنون بها من الموت على أسرّة مستشفياتها، إهمالاً وعوزاً، هي الدولة نفسها التي يقصدها أثرياء المنطقة للعلاج!
فعن أي النظامين الصحيّين نتحدث؟
رصيف22 تفتح ملف الازدواجية في النظام الصحي الأردني، بتشبيكاته وتعقيداته كلها، في محاولة لفهم كيف وصلت الأمور إلى تلك النقطة.

في تموز/ يوليو 2020، أعلنت وزيرة السياحة والآثار الأردنية مجد شويكة، عن استئناف بلادها تطبيق خطة تنشيط "السياحة العلاجية"، والتي توقفت بفعل كورونا، وهو الإعلان الذي تزامن مع إطلاق منصة "سلامتك"، المختصة بتلقي طلبات الراغبين في السفر إلى الأردن، لتلقي العلاج، من دول الخليج.

ويستطيع المريض العربي، عبر ذلك الموقع، الحجز في المستشفى التي يريد تلقي العلاج فيها، على أن يتم الدفع، والحجز، والحصول على التأشيرة، إلكترونياً فحسب، بضغطة زر.

المطلوب منك كله، هو اختيار المستشفى، وإرسال تقرير طبي عن حالتك الصحية، وبياناتك، وبيانات مرافقيك، وسوف تتلقى الرد خلال 24 ساعة فقط.

السياحة العلاجية مصدر الدخل الذهبي للأردن

يُعدّ الأردن أحد البلدان الرائدة في مجال السياحة العلاجية في الإقليم، ويبلغ عدد الوافدين إليه للعلاج، وفقاً للتقديرات الحكومية، 300 ألف مريض من دول عربية سنوياً، وهو عدد ليس بالهيّن، ينجم عنه دخول ما يقارب 1.5 مليار دولار إلى المملكة، وهو ما يمثل 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً للتوقعات، فإن ذلك الرقم مرشح للازدياد في المرحلة القادمة.

وحين نتحدث عن السياحة العلاجية للأردن، فنحن إزاء قسمين:

الأول، هو قسم من يعانون من مشاكل في المفاصل، والحساسية، ويقصدون المناطق السياحية العلاجية المعروفة بمياهها التي تتميّز بالملوحة الشديدة التي تبلغ نسبتها نحو 31.5%، وثرائها بأملاح المغنيسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، مثل البحر الميت، وحمامات ماعين، وحمامات عفرا.

الثاني هو قسم من يقصد المستشفيات الأردنية للعلاج، ويقول أستاذ الكلى الدكتور محمد غنيمات، إن الرعايا العرب يأتون إلى الأردن للعلاج في نحو 60 مستشفى، نظراً إلى نوعية الرعاية الطبية، وانخفاض كلفتها، مقارنةً بالدول الأوروبية.

المفارقة أن الدولة التي يشكو القاطنون بها من الموت على أسرّة مستشفياتها، إهمالاً وعوزاً، هي الدولة نفسها التي يقصدها أثرياء المنطقة للعلاج! فعن أي النظامين الصحيّين نتحدث؟

مديحة ناصف (56 سنة)، وهي مصرية، تروي تجربتها في العلاج في المستشفيات الأردنية لرصيف22، وتقول: ذهبت إلى عمان في منتصف 2013، لإجراء جراحة القلب المفتوح، وقد أجراها لي طبيب فلسطيني متخرج من جامعة بريطانية، وكان الطاقم المعاون له من المصريين والأردنيين.

العملية تمت بنجاح تام، وكانت كلفتها نحو 16 ألف دولار، وهو أقل بكثير مما كانت ستكلفني في حال ذهابي لإجرائها لدى ابني في الولايات المتحدة، إذ كانت ستتجاوز الـ100 ألف دولار. وتختم مديحة حديثها قائلة: "كان اختيارنا الأردن قراراً صائباً جداً. الرعاية الطبية فيه أكثر من ممتازة".

المريضة المصرية ليست الوحيدة التي أثنت على الخدمة الطبية في الأردن، ونظرة على التقييمات، والشكر الذي يحظى به الأطباء الأردنيون على وسائل التواصل الاجتماعي، من مواطنين عرب ذهبوا للعلاج في عمان، تجعلك تدرك لماذا يقصدها أكثر من ربع مليون مريض عربي سنوياً.

للمواطن الأردني رأي آخر في الخدمة الطبية

المدهش، هو أن رأي المواطن الأردني، مخالف لما يقوله المرضى العرب الوافدون إلى بلادهم. ففي حين يشكر الوافدون ويثنون على العلاج في العاصمة الأردنية، ويسبّحون بحمد الرعاية الصحية فيها، تتكاثر الشكاوى من المواطن الأردني، ويتحدث الجميع عن الموت الذي يلاحقهم على أسرّة مستشفيات بلادهم.

السؤال المحير هنا، هو كيف تتباين الآراء بهذه الحدة، ونحن نتحدث عن المنظومة الصحية نفسها؟

رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية الدكتور أحمد السراحنة، أجاب رصيف22 على هذا السؤال قائلاً: ينقسم القطاع الصحي الأردني إلى قطاعين: عام وخاص. لم تتدخل الدولة في حيّز تنظيم القطاع الخاص الذي نشأ بشكلٍ منفصل عن القطاع العام، إذ يحصل على تمويله بشكلٍ منفصل، من إيراداته المرتفعة، التي يقدر على تسديدها الأثرياء، والوافدون العرب للعلاج في المملكة.

أما القطاع الحكومي، المنوط به تقديم الخدمة للمواطنين، فيعاني من مشكلات عدة، نجمت عنها شكاوى المواطنين المتكررة. وأهم تلك المشكلات، والحديث للسراحنة، هو ضعف التمويل، إذ تبلغ موازنة وزارة الصحة للعام 2021، قرابة 600 مليون، وهو رقم زهيد غير كافٍ لتقديم خدمة جيدة للمواطنين.

في حين يشكر الوافدون ويثنون على العلاج في العاصمة الأردنية، ويسبّحون بحمد الرعاية الصحية فيها، تتكاثر الشكاوى من المواطن الأردني، ويتحدث الجميع عن الموت الذي يلاحقهم على أسرّة مستشفيات بلادهم

وبالطبع، ذلك العجز المالي نجم عنه نقص في الكوادر الطبيّة في القطاع الحكومي، إذ يفضّل الجميع العمل في القطاع الخاص ذي الرواتب المحترمة.

ويختم رئيس لجنة الصحة النيابية حديثه لرصيف22 قائلاً: تواصلنا مع وزارة الصحة مراراً لبحث مشكله العجز البادي في الكوادر، والنقص في التخصصات الفرعيّة التي تقدم الخدمة للمواطنين، غير أن رد الوزارة تمثل بـ"سنقوم، سنعمل، سنحل"، من دون أي تطبيقٍ على أرض الواقع.

"لا نُقدّم إغراءاتٍ للأطباء، للبقاء في القطاع العام". بهذا تقرّ الناطقة الإعلامية باسم نقابة الأطباء الأردنيين ميسم عكروش لرصيف22، بأصل المشكلة، مشيرةً إلى أن الأطباء في النهاية بشر، ومن حقهم البحث عن راحة أكثر، وعن ترف مادي أفضل، إذ يعاني الأطباء في القطاع العام، من ضغطٍ عالٍ في العمل، ومن فرص أقل في الانضمام إلى البعثات.

وتختم عكروش حديثها مع رصيف22 مطالبةً الحكومة بتشكيل جهة رقابيّة على القطاع الخاص، لتحديد التسعيرة، حتى لا يكون هناك استغلال للمواطنين.

"مطلوب مني أن أكشف على 60 مريضاً يومياً، وفي أحيان كثيرة يرتفع هذا الرقم". هكذا يعبر أحد الاطباء الشباب في قسم الطوارئ، عن الضغوط عليه في محل عمله الحكومي، مضيفاً: أعلم أن للمجتمع حقاً عليّ، وأنا راغب فعلاً في مساعدة الناس، لكن أليس من المنطقي أن أعمل في ظروف آدمية، وتتوافر لي الإمكانات أولاً، حتى أقوم بعملي ثانياً؟

مقارنة مستوى الخدمة في المستشفيات الخاصة بنظيره في الحكومية، مقارنة ظالمة، يقول الطبيب الشاب بأسى بالغ.

وتتفق معه عكروش بقولها إنَّ "من يأتون إلى الأردن بغرض العلاج، يتوجهون إلى القطاع الخاص لتميّزه بالخدمة الفندقية، وسرعة الحصول على الخدمة الطبية المميزة من قبل أصحاب الاختصاص المتوفرين في الأردن، في حين أنَّ النسبة الكبيرة من المواطنين، تأمينهم يتبع للقطاع العام.

"المريض الأُردني مُرفّه"

"المريض الأُردنيّ مُرفّه". بهذا فاجأنا مدير مستشفى السلط الحكومي القديم علي العبد اللات، خلال حديثه مع رصيف22، مدافعاً عن موقف الحكومة الأردنية إزاء الحالة الصحية في مستشفياتها، ويقول إن الأردن من الدول المتقدمة في الطب، وعدّ "المريض الأُردني مُرفّهاً، مقارنةً مع العديد من المرضى في الدول الأوروبيّة، إذ إن مرضى تلك الدول لا يزورون إلا الطبيب العام، ويحتاجون إلى موعدٍ مُطوَّل في حال رغبوا في زيارة أخصائي، على عكس الأردنيين الذين يمكنهم زيارة استشاري في اليوم نفسه، وضمن العيادات الخارجيّة".

"المريض الأُردنيّ مُرفّه". بهذا فاجأنا مدير مستشفى السلط الحكومي القديم علي العبد اللات، خلال حديثه مع رصيف22، مدافعاً عن موقف الحكومة الأردنية إزاء الحالة الصحية في مستشفياتها، ويقول إن الأردن من الدول المتقدمة في الطب

ويضيف أن المرضى الأردنيين يواجهون صعوبةً في تمييز الحالة الطارئة من غيرها، و"المريض الأردنيّ يرى أن كل ألمٍ يحل به هو طارئ، غير أنَّ الطوارئ للحالات المُهددة بحياتها، مثل حوادث السير، والجلطات القلبية، والدماغية". ويشدد العبد اللات على أن وزارة الصحة "تُظلَم حين الحديث عنها بسوء، وما نحتاج إليه، هو عمليّة تنظيم للإدارة الصحيّة في المملكة".

وعن الفرق في الخدمة الصحيّة بين القطاعين العام والخاص، يقول العبد اللات إن ذلك راجعٌ إلى "نسبة المرضى التي يقدّم القطاع العام خدماته لهم، إذ يشكلون ما نسبته 70% من عدد السكان، في حين أن عدد الأسرّة في المستشفيات الخاصة أقل، بالإضافة إلى التحكم بمستوى الخدمة في القطاع الخاص، واختيار نوعيّة المريض، والدفع النقدي".

*حاولنا في رصيف22 التواصل مع وزير الصحة الأردني فراس الهواري، ووزارة الصحة الأردنية، للحصول على ردّهم حول الموضوع، غير أنّنا لم نتلقَ أي إجابة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard