“ماذا أفعل لأعيش؟“... يمنيات نازحات في وطنهن

الثلاثاء 12 مايو 202004:44 م

تقف صفية النهمي، في جولة الرويشان في العاصمة صنعاء، تحت أشعة الشمس الحارقة منذ الظهر، وحتى الساعة الحادية عشر ليلاً، تمد يدها لكل سائق سيارة، لعلها تجمع المال حتى تنقذ أطفالها من الموت جوعاً.

تتكبّد صفية عناء صيام شهر رمضان، وعناء التنقل من مركبة إلى أخرى، وتقرع بأصابعها النحيلة نوافذ المركبات لعل أحد السائقين يجود عليها ببعض من النقود الحديدية، تجمعها لشراء طعام الإفطار لها ولأطفالها الخمسة، فهي نازحة من مديرية نهم الواقعة شرقي صنعاء.

"السيارات تدوس على أقدامنا"

تنهال بالدعاء لكل السائقين بالبقاء وبزيادة الرزق والتوفيق والنجاح، وأن يجزيهم الله خيراً على ما سوف يعطونها، يكاد فمها يجف من كثرة الدعاء، رغم ذلك لا تجمع الكثير من المال، فما تحصل عليه لا يتجاوز 1500 ريال يمني (نحو ثلاثة دولارات)، في اليوم الواحد، وهو مبلغ غير كاف لإشباع أسرتها، في ظل الارتفاع المهول في أسعار المواد الغذائية.

ليست صفية وحدها من تقف في الجولة، ملتقى عدد من الشوارع، بل العشرات من المتسولين والباعة المتجولين، نصفهم تقريباً من النساء اللواتي وجدن في زحام الجولة، وخصوصاً في شهر رمضان، فرصة لتحصيل الصدقات من المارة.

تلتقط صفية أنفاسها المنهكة بعد سباق مع مثيلاتها للوصول إلى سائقي المركبات، تتحدث لرصيف22 عن معاناتها وحياتها المريرة التي أفرزتها الحرب: "لم أكن أتوقع أن تكون نهايتي أن أتسول في الجولات، لكن الجوع كافر، وأيضاً لدي أطفال أخشى عليهم من الموت، ولا يوجد أي مهنة أعمل بها، فأنا لم أدخل المدرسة".

"أفضل من أن أطلب من الناس، أمسح السيارات. فإن أعطاني شيئاً فذلك يكون مقابل عملي، وإن لم يعطني فلست خسرانة شيء، لكن لا أشعر بالإهانة"

وذكرت صفية لرصيف22 الأسباب التي دفعتها إلى التسوّل، فزوجها كان جندياً قُتل أثناء الحرب التي تشهدها البلاد، وأُجبرت على النزوح من "نهم" بسبب المواجهات الحربية، وتسكن الآن في دكان يمتلكها أحد أقارب زوجها، لكن لا أحد يوفر لها الطعام.

تضيف صفية ذات الستة والثلاثين عاماً: "أشعر بالذل عندما أمد يدي للناس، فالكثير من السائقين لا يعطوننا شيئاً، وأحياناً تمشي بعض السيارات، وترمي بنا، ويدوسون على أقدامنا".

"لقد قست الحياة علينا كثيراً، تشرّدنا من منازلنا وأصبحنا بلا معيل وبلا طعام"، تختم صفية حديثها لرصيف22 متحسِّرة.

وتنتشر عشرات النساء في الشوارع والجولات في العاصمة صنعاء، من اللواتي أجبرتهنَّ ظروف الحياة القاسية في اليمن، التي تشهد حرباً أهلية دخلت عامها السادس، على التسوّل، في مشهد بدا بارزاً في الشارع اليمني، يبعث على الحزن والأسى.

"ننام بلا عشاء"

جميلة أحمد، وهي من فئة "المهمشين"، تعيش في كوخ صغير في منطقة دار سلم، شمال غربي العاصمة صنعاء، هي وثلاثة أطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم خمسة أعوام.

تخرج جميلة من كوخها الصغير كل يوم الى شوارع صنعاء حتى تتمكن من الحصول على الطعام والاحتياجات الأخرى، لها ولأطفالها.

ويُعتبر "المهمّشون" فئة مضطهدة اجتماعياً بسبب سواد لون أفرادها، ويعيشون في تجمعات سكانية صغيرة تسمى "المحوى"، تفتقر للحد الأدنى من الخدمات العامة، ويبلغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة.

تقول جميلة ذات الاثنين والعشرين ربيعاً: "لو جلست في البيت لن يعطيني أحد شيئاً، أتجول في الأسواق والمطاعم والمحلات حتى أحصل على الطعام والمال لشراء الحفاضات للأطفال، كثيراً ما أنام وأطفالي بلا عشاء عندما أعود فارغة اليدين".

لا تريد جميلة سوى الطعام والحفاضات، أما الدواء بالنسبة لها فيعتبر رفاهية، لذا تتجاهل بكاء طفلها، الذي يحتاج الذهاب إلى المستشفى، ولكنها عاجزة عن توفير قيمة الدواء، فهي بالكاد توفر لهم الطعام والشراب.

أُغلقت معظم أبواب الرزق، وفقدت الآلاف من النساء معيليهن بسبب الحرب، كما أن المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات المحلية والدولية لا تصل إلى كل الأسر الفقيرة في اليمن، وحتى الموسرين، "فاعلي الخير"، سلبت الحرب وظروفها مصادر رزقهم، ناهيك عن تفشي وباء كورونا مؤخراً، والذي أدى إلى توقف عجلة الاقتصاد، هذه الأسباب وغيرها تدفع النساء للتسول، بحسب حديث الناشط محمد الشامي، ويعمل في مجال الإغاثة.

"يدفعون زوجاتهم إلى التسول"

يرى الشامي أن الكثير من النساء في اليمن لا يمكنهن العمل، فالكثير منهن غير متعلمات ولا يمتلكن مهارات، وأيضاً لا يتقبل الكثير من الرجال خوض المرأة في سوق العمل، ما يجعل التسول هو العمل الوحيد لها، وفرصتها الأخيرة للبقاء.

يقول الشامي: "يدفع بعض الرجال الذين فقدوا وظائفهم ومرتباتهم ولا يستطيعون العمل، ببناتهم وزوجاتهم للتسول، حتى يتمكن من توفير الطعام، فالكثير من السكان يتعاطفون مع المرأة أكثر من الرجل".

ويعتقد الشامي في حديثه لرصيف22، أن تردي الأوضاع الاقتصادية بالبلاد سيدفع بالمزيد من النساء الى مد اليد والجلوس على الأرصفة للحصول على لقمة العيش، فكل عام تزداد الأوضاع سوءاً، حيث يعيش نحو عشرة ملايين يمني على وجبة واحدة، فيما يحتاج أربعة وعشرين مليون يمني، وهم ثمانين بالمئة من السكان، إلى المساعدات الإنسانية والإغاثية.

من جانبها، ترى لبنى الهتار، رئيسة منظمة "من معي" للثقافة والتنمية، أن المرأة اليمنية مظلومة وتتعرض للاضطهاد من كافة الجهات، وحتى على مستوى الأسرة، فتسلب حقوقها وميراثها، ما يضطرها للتسول.

"النساء اتجهن نحو الشارع من مختلف الأعمار، بعد أن أجبرت الحرب بعضهن على النزوح، سلبتهن معيليهن ومصدر رزقهن، وأصبحن هن المسؤولات عن أنفسهن وأسرهن"

وتشرح الهتار وضع المرأة اليمنية أكثر: "النساء اتجهن نحو الشارع من مختلف الأعمار، بعد أن أجبرت الحرب بعضهن على النزوح، سلبتهن معيليهن ومصدر رزقهن، وأصبحن هن المسؤولات عن أنفسهن وأسرهن".

"وفي المجتمع اليمني المحافظ، لا تعمل غالبية النساء، ويرفض المجتمع خوض المرأة في سوق العمل، وتعتمد الأسرة على الذكور في العمل وتوفير احتياجات الأسرة المختلفة، فيما تهتم المرأة بشؤون المنزل ورعاية الرجال والأطفال، وهو ما يجعل المرأة عاجزة عن الخوض في أي مهنة والاتجاه نحو الأرصفة والشوارع"، تقول الهتار.

"مسح السيارات أفضل"

تعمل سمر عبد الله على غسل زجاجات السيارات العابرة، حتى تجني بعض المال، فإذا ما وقفت سيارة في الشارع، اتجهت نحوها حاملة علبة بلاستيكية ممتلئة بالماء الممزوج بالصابون، وقطعة قماش مُعلَّقة على كتفها.

تبادر سمر (25 عاماً)، وهي نازحة من محافظة الحديدة وتعيش في صنعاء، بمسح زجاجات السيارة قبل أن يأذن لها صاحب السيارة، وثم تقف أمام السائق، تنتظر منه أن يكافئها على صنيعها، وغالباً ما لا يعطيها أحد شيئاً، لكنها لا تتوقف عن ذلك، فما تعمله يزيل عنها لقب المتسولة، وتشعر أنها تكسب رزقها بعرق جبينها.

تقول سمر لرصيف22: "أفضل من أن أطلب من الناس، أمسح السيارات. فإن أعطاني شيئاً فذلك يكون مقابل عملي، وإن لم يعطني فلست خسرانة شيء، لكن لا أشعر بالإهانة، فأني لا أمد يدي له حتى يعطيني بلا مقابل".

وليست سمر وحدها، فهناك غيرها العشرات من النساء، من اتجهن نحو العمل بمسح السيارات، بالإضافة إلى أخريات يعملن كبائعات متجولات للعطور والعديد من الأشياء الأخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard