عيد الأضحى عيدان عند أمازيغ المغرب: طقس ديني وموسم للزواج أيضاً

الأحد 18 يوليو 202112:48 م

"فترة عيد الأضحى لدى غالبية الفتيات الأمازيغيات اللواتي يعشن في الجبال، أو القرى النائية، كفترة الامتحانات الدراسية. إذا لم تنجح الفتاة في العثور على زوج قبل العيد، فإنها تكون كالطالب الذي يرسب في السنة الدراسية، ويكون ملزماً بالانتظار سنة كاملة لمحاولة النجاح مرة أخرى. أما نحن، فنكون ملزمات بالانتظار إلى غاية عيد الأضحى التالي، لإيجاد الزوج الذي يبعدنا عن قرانا، وينقلنا للعيش في المدينة، أو في أسوأ الأحوال ينهي عزوبتنا". تتحدث رقية، وهو اسم مستعار، بخجل عن حلمها بأن تلتقي قريباً بزوج المستقبل.

في القرى النائية المغربية، وخاصةً في جبال الأطلس الكبير، والمتوسط، يقترن عيد الأضحى بحفلات عقد القران، ويصبح العيد عيدين للشباب والشابات من أبناء هذه المناطق.

قرى بلا شبان

على امتداد سنة كاملة، وحين تجول في هذه القرى النائية في الجبال، لا تستغرب إن وجدت نفسك وسط تركيبة بشرية تكاد تخلو من الشبان الراشدين، وتضم نساءً وشابات يسهرن على رعاية الأطفال والشيوخ، فحسب.

يستيقظن في ساعات مبكرة، ليبدأ يوم عملهن في رعاية الماشية، وإعداد الوجبات الغذائية، وغيرها من الأعمال المنزلية الشاقة التي لا تتوقف إلا عند مغيب شمس الجبال الحارقة.

لكن أين هم الرجال؟ "غالبيتهم انتقلوا إلى المدن بحثاً عن العمل، وجني مال يساعد ذويهم على مواجهة ضنك العيش، على الرغم من مشقة المهن التي يزاولونها، سواء عملوا في المقاهي، أو في مطاعم الوجبات السريعة، أو في ورشات البناء. الأهم، هو توفير تحويلات مالية يتكفل بإيصالها إلى أهاليهم، في غالبية الأحيان، أصحاب سيارات يتنقلون بين المدن والقرى الصغيرة"، يقول محمد، وهو مقيم في الدار البيضاء، ويزور القرية باستمرار.

عطلة العيد... للزواج

يواصل محمد حديثه لرصيف22 قائلاً: "فترة عيد الأضحى هي المناسبة الوحيدة التي تتيح لنا، نحن الشبان، العودة إلى قريتنا في ضواحي مدينة تارودانت في الجنوب، لقضاء أيام أو أسابيع بين ذوينا".

يشدد الشاب على أن عيد الأضحى هو الفرصة الوحيدة خلال السنة، له ولأمثاله من الشبان، لأخذ عطلتهم السنوية، وهم يستغلونها لقضاء بعض الأيام بعيداً عن صخب الحياة في المدن الكبرى.

ويتابع قائلاً: "لا يمكن وصف شعورنا خلال الأسابيع التي تسبق سفرنا إلى القرية. الأيام تمضي كأنها سنوات، والساعات كأنها أشهر. يزداد شوقنا لملاقاة أهل القرية، وقضاء العيد مع أسرنا، والاستمتاع بالأجواء التي تعيد إلى الجبل نمط حياته، وإلى سكانه البسمة. نشتري الهدايا، والحلوى، وأشياء عديدة أخرى، لنصحبها معنا، علنا نُسعد عزيزاً. أحاديثنا كلها بالأمازيغية، وخلال أيام العمل نتبادل أشواقنا للسفر، أو الترتيبات التي تسبقه، كالتنسيق مع صاحب السيارة التي ستقلّنا يوماً أو يومين قبل العيد".

في عطلة عيد الأضحى يلتقي الشبان العائدون من المدينة بنات القرية للبحث عن زوجة. أمازيغ المغرب، يجعلون العيد عيدين 

بقدوم محمد وأصدقائه، يرحل السكون عن القرى، ويطول السهر فيها تحت ضوء القمر، ويتبادلون الرقص، والضحك، والأحاديث، في أطراف قريتهم. ووسط هذا كله، ترقبهم عيون الشابات والفتيات اليافعات من بعيد، وكل واحدة منهن تمنّي النفس بأن يكون أحد هؤلاء الشبان فتى أحلامها الذي سيعقد قرانه عليها، وسيصحبها معه لتنعم بالحياة في المدينة.

فرصة للانعتاق

"مع حلول فترة العيد كل سنة، يتغير نمط الحياة في قريتنا بقدوم شبانها المنتقلين للعمل في المدن، وأنا والفتيات كلهن مللنا العيش وسط هذه القرية، والالتزام بأداء أعمال شاقة مثل إعداد الوجبات الغذائية، أو رعاية الماشية، أو جلب الحطب".

هكذا باشرت رقية حديثها لرصيف22، ووجنتاها تفضحان خجلها، وهي تؤكد على أنها لم تكن لتنبس ببنت شفة، لو أننا لم نلتقِ بها بعيداً عن قريتها.

"جل ما أتمناه، كالفتيات العزبات كلهن، هو أن يتبسم لنا الحظ، ويتقدم لخطبتنا أحد الشبان من قريتنا، أو من القرى المجاورة، أو حتى من بعض الزائرين الغرباء مثلك. تقول هذا وتبتسم. بطبيعة الحال، إذا وافق والدي، فلا يهم أن يكون المتقدم للزواج من شبان المنطقة، أو أمازيغياً. المهم أن يكون "ابن ناس"، وأن يعتني بالفتاة التي سيتزوجها، ويحسن إليها".

رقية التي تعرّفت إلى شاب، سابقاً، كانت تحلم بالزواج، لكنه أخلف وعوده. تقول: "وعدني أحد شبان المنطقة بالزواج، وتبادلنا أرقام هاتفينا، وتحدثنا شهوراً عدة، بعد رحيله عن القرية. كنت أمني النفس بأن يعود لخطبتي في العيد التالي، لكن للأسف خاب أملي، وكان عليّ أن أقطع كل علاقة به، بعدما تيقنت أنه لا ينوي الزواج بي، وها أنا اليوم، وعلى الرغم من أنني لم أتجاوز العشرين من عمري، أتمنى ألا يطول الوقت وأنا عزباء".

في عيد الأضحى يلتقي الشبان بالشابات ويتعرفون عليهن في ساحات قرى البلدات الأمازيغية، وكل واحدة تحلم أن تجد رجلا يأخذها إلى المدينة

إلى جانب رقية، كانت صديقتها عائشة تبتسم واضعة يدها على فمها، قبل أن أتوجه إليها بسؤالي: وماذا عنك؟ لتزيد من وتيرة ضحكها، وتقول لرصيف22، إن مرور أيام عيد الأضحى من دون النجاح في العثور على زوج، صعبٌ. وأضافت: "أنا، أو أي فتاة أخرى، إذا لم نظفر بشاب يتقدم لخطبتنا خلال هذه الأيام سنكون ملزمات بالانتظار إلى العيد المقبل للعثور على زوج يسترنا، وينقلنا للعيش في المدينة، أو على الأقل سينهي عزوبتنا، لأن الأمر يختلف لدينا عن بنات الحواضر. فالفتاة التي لا تتزوج في سن صغيرة، قد تجد نفسها بعد تجاوزها سنّاً معينة غير مرغوب بها، وستبقى كما بعض النساء من دون زواج، وقد بلغن الأربعين".

شعار عائلات هؤلاء الشابات القناعة، إذ قالت عائشة: "لا نشترط عائلاتنا الحصول على أشياء كثيرة. وعديدات بيننا حصلن على مهر قيمته ألف درهم (نحو مئة دولار)، وهدايا بسيطة، والعرس عادي جداً، وقد يكون جماعياً إذا اتفق الأهالي في ما بينهم لتخفيض النفقات، بما أن المدعوين يكونون هم أنفسهم، في القرية الواحدة".

طقوس ضاربة في التاريخ

الموعد المتعارف للّقاء بين الشبان والشابات، يعقب صلاة العصر، بعد أن ينقضي يوم العيد، ويستمر أياماً قد تتجاوز الأسبوعين.

على طول الطريق الملتوية والوعرة بين الجبال، وساعات قليلة قبل مغيب الشمس، من المؤكد أنك كلّما بلغت قرية صغيرة ستلتقي فتياتها، وقد خرجن وهن يرتدين أجمل ثيابهن، متبرجات بحليّ أمازيغية.

يكفي أن تلتفت إليهن، لتكتشف أنهن قد رمقنك قبل أن تراهن. وإن تبسمت لإحداهن، أنت القادم من المدينة، فإنك تكون كمن يمنحها أملاً لتحقيق حلمها في مغادرة القرية.

يتوقف أحد شبان القرية المقيمين في المدينة إلى جانبهن، وهو يحدثهن بالأمازيغية، وحين ينفرد بإحداهن، غير بعيد عن بقية المجموعة، تكاد وجنتا الفتاة التي برفقته تنفجران من شدة الاحمرار خجلاً. فعلى الرغم من أن العائلات تسمح بالتعارف، إلاّ أن هذا اللقاء يكون تحت مراقبة الآباء، ويتكرر المشهد نفسه في أماكن متعددة، وفي التوقيت نفسه، في كل يوم بعد صلاة العصر.

عيد الأضحى لدى غالبية الفتيات الأمازيغيات اللواتي يعشن في  القرى النائية، كفترة الامتحانات. إذا لم تنجح في العثور على زوج قبل العيد، فإنها تكون كالطالب الذي يرسب في السنة الدراسية

أمّا الرسالة التي ستسعى كل فتاة لإيصالها إلى جليسها، فهي الرغبة في الزواج، وأن يتقدم لخطبتها من أهلها. أما إذا كان يرجو تضييع وقت كبير في التعارف، فإنها تفضل قطع التواصل معه، لأن أيام العيد قد تنقضي سريعاً، وقد يضيّع عليها الزوج "المحتمل" فرصة عقد قرانها مع مرشح أكثر جدية.

يعلق إدريس، وهو ابن إحدى قرى منطقة تارودانت، على المشهد قائلاً إنه يتكرر كل سنة خلال فترة العيد، مضيفاً في حديثه لرصيف22، إنه من قلة من الشبان الذين لا يستهويهم التبجّح بين فتيات القرية، هو القادم من المدينة لإغوائهن، وجذب اهتمامهن. وماذا عن العائلات؟ يجيب الشاب: "الأمر عادي بالنسبة إلى سكان القرى كلها، فلا أحد سيضره أن تتحدث شقيقته، أو ابنته، مع أحد أبناء القرية، فهو، كما هي، يتمنى زواجها، والتخلص من مصاريفها، وإن كانت قليلة، والتعارف يتم في جو من الاحترام".

هناك بعض الشبان الذين سيقدمون على الزواج من فتيات القرية بإرادتهم، وهناك بينهم، من رتب والده أو أمه أمر زواجه بالاتفاق مع أسرة العروس، وسيكون لزاماً عليه الإذعان لقرارهم، والارتباط بفتاة ربما لم يخطط يوماً للاقتران بها.

والشبان، بدورهم، يخضعون لطلبات العائلة للإقبال على الزواج، على الرغم من أن بعضهم أصبحوا يتمردون على "قدرهم" المحتوم. أخبَرَنا إدريس: "في كل مرة أعود فيها إلى قريتي لقضاء عطلة العيد، تسألني والدتي لماذا لا أحذو حذو إخواني، أو أقراني، في البحث عن فتاة أتزوجها، وتنجب لي أطفالاً؟ لكنني أكتفي بابتسامة، وإجابة، الغرض الوحيد منهما هو تغيير الموضوع، وأنا صدقاً لا أفكر في الزواج من بنات قريتي، أو القرى المجاورة. لقد عشت سنوات في المدينة، وأسعى إلى الاقتران بإحدى البنات في مدينة الدار البيضاء، شرط أن تكون عائلتها أيضاً أمازيغية".

زواج مع وقف التنفيذ

لكن زيجات العيد، قد تصبح في الكثير من الحالات زيجات مع "وقف التنفيذ". كثيرات هن الشابات اللواتي تسنى لهنّ الزواج بأحد أبناء القرية المهاجرين، لكن من دون أن يكتمل حلمهن بمغادرة القرية، بعد أن يفرض عليهن الزوج العيش إلى جانب أهله، والاعتناء بأبويه.

لكن يبقى المهم في أعراف هذه المناطق، أنها تزوجت، وستنجب بنتاً، أو ولداً، قد لا يحضر موعد ولادته أبوه، وللأسف ستكون ملزمة بالانتظار حتى يحين عيد الأضحى، لتنعم بلقائه، أو ربما حتى موعد آخر، إذا تسنت له زيارتها.

ويبرر جمال لرصيف22، سبب عدم اصطحابه لزوجته وأبنائه إلى المدينة للعيش معه، بظروف العيش الصعبة التي لا تتيح له تأمين منزل جيد، والإنفاق عليهم بما يضمن لهم عيشاً كريماً.

ويسترسل قائلاً: "طبيعة عملي لا تضمن لي دخلاً مريحاً، لذا فضلت أن تقيم زوجتي مع والديّ، وتتكفل برعايتهما إلى جانب أبنائي، إلى حين تحسن أحوالي، وبعدها قد أفكر في اصطحاب عائلتي بكاملها، هذا هو حال مجموعة من شبان القرية، وللأسف فإن زواجنا غير مكتمل".

لكن فترة العيد، تمنح الجميع حلماً بالعثور على شريك/ ة حياة، ي(ت)تقاسم معه/ ها السرّاء والضرّاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard