أمام اغتصاب القاصرين والنساء ضمن العائلة... الحكومة المغربية والمنظمات بالمرصاد

الأربعاء 23 يونيو 202112:52 م

لم يكن يدور في حسبان سمية أن تبكي يوماً أمام عدسات كاميرات الصحافيين، وهي تحكي عن الأب الذي اغتصب ابنتهما، قبل أن تصرخ الطفلة: "أريد لأبي أقصى العقوبات". تحكي الطفلة التي لا تزال تحت وقع الصدمة، كيف اغتصبها والدها بعد أن اصطحبها في سيارته حين كانت عائدة من المدرسة، وقبل أن يأخذها إلى البيت، جردها من ملابسها الطفولية، وأشهر في وجهها سكيناً حادة، مهدداً إياها بالقتل إن هي تجرأت على إخبار والدتها. ببرودة، فتك الوالد بفلذة كبده، لكن قلب الأم غالباً ما يفطن إلى ما يكتمه الأبناء. وبعد إلحاح كبير من الأم التي لاحظت تغيراً في ملامح ابنتها وسلوكها، أخبرتها بالحكاية المرعبة، وهو الفعل الإجرامي الذي أكدته الفحوص الطبية. ليست ابنة سمية إلا شجرة صغيرة تخفي خلفها غابة من قصص مرعبة، لنساء وطفلات وقعن ضحايا للاغتصاب والعنف داخل المحيط الأسري والعائلي، وتطرح سؤالاً عمن يمكنه المساعدة في هذه الحالات المؤلمة، وعن المنظمات والمؤسسات حكومية التي تقف إلى جانب الضحايا، أمام ظلم ذوي القربى.

الاغتصاب في الأسرة... تابو أسود

في المغرب تتعرض امرأة من أصل اثنتين للعنف في المجال الأسري. وبحسب دراسة لوزارة الأسرة المغربية تعود إلى العام 2019، فإن 30 بالمئة من هذه الحالات هي حالات اغتصاب زوجي. وتقول إحصائيات العام 2018 إن 20 أباً، وثلاثة إخوة اغتصبوا أطفالاً من العائلة، وتوبعوا أمام المحاكم. لكنها أرقام لا تكشف وقع الظاهرة التي تتصدى لها الجمعيات والحكومة.

اغتصاب الأطفال والنساء ضمن العائلة بمثابة التابو في المغرب. لكن منظمات ومؤسسات حكومية تعمل إلى جانب الضحايا

ترى مديرة "جمعية التحدي للمساواة والمواطنة" بشرى عبده، أن موضوع الاغتصاب، لا يزال موضوعاً محرّماً لا تتكلم عنه العديد من النساء، على الرغم من أن بعضهن كسرن التابو، وبُحن بما مورِس عليهن في غرف مغلقة. وقالت إن الجمعية تستقبل النساء المعنّفات في وضعيات صعبة يومياً، وخلال الاستماع إليهن تجدهن يتهن في تعريف من يمارس عليهن العنف، ولا يعددن أن ممارسة الجنس بالإكراه، عنف واغتصاب.

"نرى أن الدعم النفسي له أهمية كبيرة جداً تجاه النساء، لأنه يجعلهنّ يتكلمن عن المعاناة، وعن موضوع يقع في خامة "الحشومة" (العيب) التي ألصقت به طوال سنوات الزواج". تقول بشرى وهي تتحدث إلى رصيف22.

تجزم المتحدثة بأن حصص الدعم النفسي، تساعد غالبيتهن من الخروج من الخوف الدائم -القلق- ويرين أن أجسادهن ملك لهن، ولسن مرغمات على تقاسمها مع الشريك بالعنف، أو الضرب، فيما تسعى الجمعية إلى "كسر هذا الجدار القوي والسميك الذي بُني على تمثلات اجتماعية، وأحكام، وتقاليد، وعادات، وثقافة سائدة". غير أن اللقاءات الدائمة مع النساء، وخاصة التوعوية منها في مجال التربية الجنسية: الثقة في النفس، الجسد، والزواج، تجعلهن يتجاوبن ويناقشن بقلوب مفتوحة بعضهن البعض.

"يأتي الضحايا إلى المحكمة برفقة أهاليهم وأقربائهم، وأحياناً تكون الأجواء مشحونة، بالإضافة إلى الصراخ والبكاء". 

وتضيف مديرة الجمعية غير الحكومية أن النساء اللواتي يُغتصبن في وسط عائلي، يصبحن رافضات لأجسادهن، بل من الممكن أن يمارسن بحق أنفسهن عنفاً آخر على أجسادهن، كعدم الرغبة في الاغتسال، والنظافة، وشراء الملابس، وعدم الاهتمام النهائي بهذا الأجساد، التي لم تعد لهن، بل أصبحن يكرهنها. وهناك نساء أصبحن يكرهن الرجال، والجنس، وأي شيء يذكّرهن بالمعاناة. لهذا تقول الناشطة إن "العمل والدعم النفسيين يغيران نظرتهن إلى الجسد الذي هو ملك لهن، وليس للآخر، أي المغتصِب". وأردفت: "لدينا امرأة دخلت إلى المستشفى جراء الاغتصاب الزوجي منذ اليوم الأول للزواج، وعدّت أسرة الزوج ابنها ‘فحلاً’، و‘رجلاً’". هذه واحدة من عشرات الحكايات التي اشتغلت عليها الجمعية.

قبل خمس سنوات، اعتمد المغرب القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، قدمت الحكومة المغربية مشروع القانون المعدل في 17 مارس/ آذار 2016 إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان)، الذي صادق عليه بعد إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليه في 26 يوليو/ تموز 2016، وأحاله إلى مجلس المستشارين (الغرفة الثانية)، حيث أضيفت إليه بعض التعديلات الطفيفة في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، وأُحيل على الغرفة الأولى. على الرغم من الضغط القوي الذي مارسته منظمات حقوق المرأة من أجل تحسين الحماية، وافق مجلس النواب في 14 شباط/ فبراير 2018 على مشروع القانون من دون المزيد من التغييرات.

تعليقاً على هذا القانون، قالت باحثة حقوق المرأة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش روثنا بيغوم: "لا تتطلب حماية النساء والفتيات من العنف الأسري تغييرات قانونية فحسب، بل تمويلاً سياسياً ودعماً للتنفيذ والخدمات. لقد اتخذت حكومة المغرب خطوة إيجابية أولية من خلال اعتمادها هذا القانون، لكن عليها الآن تنفيذه، وتوسيع نطاق الحماية". 

وترى عبده أن المكتسب الاجتماعي السلبي يعمّق النظرة التقليدية، ويعدّ المرأة إنساناً من الدرجة الثانية، عليها أن تلبّي الرغبات كلها من دون نقاش أو جدال. وعندما نتكلم عن الجنس، فهي رغبة أحادية في مرّات عديدة عند الرجل، على المرأة تلبيتها بجسد ميت، وإكراه داخلي يؤدي إلى اغتصاب الجسد، وهذا ما يترك النساء يتعرضن للعنف الجسدي والنفسي، ويبحن بأشكال العنف كلها، من جسدية ونفسية واقتصادية، لكنهن غالباً ما يصمتن عن العنف الجنسي، والاغتصاب.

يلزم مجهود أكبر

التقى رصيف22 الحسن أكرويد، الذي يشتغل في خلية التكفل بالنساء والأطفال في إحدى المحاكم، وتحدث عن الكثير من النقاط المهمة في طريقة الاشتغال مع الضحايا تحديداً: "ننصت للضحية أولاً، ونحاول أن نقدم لها كل الدعم النفسي، ثم مباشرة نوجهها إلى خلية التكفل بالنساء الموجودة في محكمة الاستئناف. وإن استدعت الضرورة مرافقتها إلى محكمة الاستئناف نقوم بذلك. ونحاول إعطاء تقرير شفهي للمساعدة الاجتماعية في خلية الاستئناف، لتستكمل عملها في الإنصات والتوجيه، وإن رغبت الضحية في كتابة شكوى، تتم العملية الإدارية، وتتم مرافقة الضحية إلى الوكيل العام لدراسة الملف بقصد إحالته على الضابطة القضائية للبحث في موضوع الشكوى بشكل مستعجل".

دورنا أن نحفّز ضحية الاغتصاب ضمن العائلة، لتتجاوز حالتها النفسية المنهارة، وزرع الاطمئنان لديها لتحكي لنا عن مأساتها. 

وقال أكرويد إن عملية مواكبة الضحية في حقها في التقاضي تستمر وعبر مراحلها كلها، إلى غاية تجهيز الملف للمحاكمة إن ثبت فعلاً وقوع الجناية. ويمكن للضحية أو لأولياء أمرها تنصيب محامٍ، والاستفادة من المساعدة القضائية. وكما نعرف تكون عقوبة جريمة الاغتصاب في المحيط العائلي، أكبر حسب مقتضيات القانون الجنائي.

ويضيف أكرويد أن العملية ليست سهلة، إذ تبدأ من الاستقبال والإنصات إلى التوجيه والإرشاد: "يأتي الضحايا إلى المحكمة برفقة أهاليهم وأقربائهم، وأحياناً تكون الأجواء مشحونة، بالإضافة إلى الصراخ والبكاء وتجمهر الناس، لكن في حالة وجود محامٍ تكون الأمور أكثر يسراً. فالضحية تُحرم من المساعدة الاجتماعية والنفسية والتوجيه السريع عندما لا يرافقها المحامي. صحيح أن شكاية المحامي تسجل فحسب، وتُدرس. لكن في بعض الأحيان نصر على أن يرافق المحامون هؤلاء الضحايا".

يُلزم القانون السلطات العمومية باتخاذ تدابير وقائية، بما في ذلك برامج لرفع مستوى الوعي حول العنف ضد النساء والقاصرين. وينص أيضاً على وحدات متخصصة لتلبية احتياجات النساء والأطفال في المحاكم، ووكالات حكومية، وقوات أمن، ولجان محلية وجهوية ووطنية لمعالجة قضايا المرأة والطفل.

يؤكد أكرويد أن هناك ثقافة أخرى سائدة، هي أن بعض العائلات تسلك مسطرة ترك الأمر للمحامي، مثل حالات التلبس، فتنجَز المسطرة من طرف الشرطة القضائية، وفي هذه الحالة يصعب علينا اللقاء بالضحايا، حتى لدى قاضي التحقيق، لكننا نحاول مواكبتهم. ثم هناك قضايا أخرى، وعمل إداري يكبح أدوارنا، مثل تسجيل الشكاوى، وإخراجها، وإعداد المحاضر للدراسة، والتحضير للجلسة، وهلم جراً من الإجراءات الكثيرة والدقيقة في كتابة الضبط".

ويرى أكرويد، أنه يجب توفير الكثير من الضروريات لتسهيل عملهم، وتوفير شروط تتيح إمكانية الاشتغال مع الضحايا، من الاستقبال الجيد لهم في فضاء جيد، وتجهيز الخلايا في المحاكم جميعها تقريباً لاستقبال الأطفال، وليس مكاتب عادية، لأن مكان الاستقبال مهم جداً في مثل هذه القضايا، إذ يشجع على الأريحية من أجل إنصات جيد بطرائق يكون فيها المساعدون والمساعدات في ظروف مناسبة ومواتية. اللغة مهمة جداً، لأنها تسهّل عملية التواصل والإنصات (مثلاً إتقان الأمازيغية في بعض مناطق المغرب حيث لا يتكلم الضحايا اللغة العربية)، بالإضافة إلى تقنيات الإنصات الضرورية كذلك. في السياق نفسه، يقول أكرويد إنه أحياناً ليس من المستحب الدخول مع الضحايا مباشرة في الموضوع، بل يجب مناقشة بعض الهوايات، والأمور الحياتية واليومية، حتى تجد الضحية نفسها تتحدث بطلاقة في الموضوع.

وأحياناً نكون أمام حالات ترفض الحديث، بسبب الخجل أو الحياء، أو تكون المرأة محافظة. وكإجراء منا نستعين بالمساعدة الاجتماعية، لكن الحالات الأصعب على الاطلاق، هي حالات النساء اللواتي يعانين من إعاقة الصمم والبكم.

ويشدد المتحدث على ضرورة إعطاء الوقت أثناء الإنصات حسب درجة الخطورة، لأن هناك حالات أخرى تنتظر دورها، والانتباه في الإنصات، مع ضرورة تجنب الاستنطاق. نحن لا نطرح أسئلة استنطاقية بل أسئلة تكشف الحقيقة.

وأضاف المتخصص في الإصغاء للضحايا: "لا نتحدث كثيراً، بل قليلاً ما يحدث ذلك، ويحدث حين نبحث نحن عن الاستيعاب والفهم فحسب. دورنا أن نحفّز الضحية لتتجاوز حالتها النفسية المنهارة، وزرع الاطمئنان لديها لتفادي لغة التحريض، ونتبع مسطرة القانون. كما لا نقدم الحلول الجاهزة، مع تفادي الأحكام القبلية نهائياً، إلى حين اتضاح الرؤية. لأن كل ما يقال قد لا يكون صحيحاً. وهنا تكون عملية التتبع هي الفيصل".

انفتاح المنظمات الحقوقية والدولة بدأ يكشف بعض حالات الاغتصاب في الوسط العائلي، ويضرب بيد من حديد كل من سولت له نفسه الاعتداء على قاصر (ولد أو بنت)، أو امرأة من الأسرة. وفي انتظار أن يسقط التابو، يحاول المستمعون خلق فضاءات ثقة لدى الضحايا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard