"حبيبة مهدي" و"أميرة الظلام"... حينما تنتقل حياة المغربيات الحميميّة إلى مجموعات فيسبوك

الأحد 18 يوليو 202112:46 م

الزواج، والمواعدة، والعادة السرية، وطرق جذب الرجال، ووصفات للحصول على أردافٍ خيالية، وتأخير العادة الشهرية، والحمل، والقذف السريع عند الأزواج، والتعامل مع الحموات، وحتى علاج بعض الأمراض أحياناً.

هي عيّنةٌ من المواضيع التي تطرحها النساء المغربيات في مجموعاتهنّ المغلقة على فيسبوك، بعد أن كانت أحاديثاً لا تخرج من "صمت البيوت".

تحالف نسائي فيسبوكي

تنزع النساء إلى الحديث عن مشاكلهنّ والتعبير عمّا يجول في خواطرهنّ في الجلسات النسائية. تحكي كثيراتٌ منهنّ عن علاقتهنّ مع أزواجهنّ، وأخريات يتكلّمن عن الإنجاب، وعن العادة الشهرية. يتفنّن في تقديم الحلول والنصائح إلى بعضهنّ لتجاوز المشاكل من أيّ نوعٍ كانت، جنسيةً، أو إنجابيةً، أو ماديةً، أو تلك المتعلّقة بالزينة وأسرار الجمال.

لكنّ هذا كله لم يكن يتعدّى في الماضي الجلسات الحميمية في البيوت، حيث تجتمع الجارات، أو الصديقات، أو نساء العائلة، ويتكلّمن بصوتٍ خفيض حتى لا يبلغ مسامع الأطفال والرجال.

الزواج، والمواعدة، والعادة السرية، وطرق جذب الرجال، ووصفات للحصول على أردافٍ خيالية. مجموعات فيسبوك أصبحت متنفساً لحميمية النساء المغربيات

ومع فتح الجميع حساباتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصةً فيسبوك، انتقلت هذه الأحاديث الحميمية من المجالات الخاصّة والمغلقة، إلى مجالٍ عام، تجتمعُ فيه نساء مغربيات من مختلف الأعمار والخلفيات والمدن، نساء لا يعرفن بعضهنّ بالضرورة، بل لم يرين وجوه بعضهنّ من قبل أبداً، ولا تعرف أيّ واحدة منهن اسم الأخرى الحقيقي.

تستعمل هؤلاء النساء أسماءً مستعارة في الغالب، من قبيل "راجية الرحمن"، أو "أنيقة في صمتي"، أو "أميرة الظلام"، وأخريات يربطن أنفسهنّ بأسماء أبنائهنّ، أو أزواجهنّ، مثل "أم ملاك"، أو "أمّ محمّد"، أو "حبيبة مهدي". وتلك طريقةٌ لحماية أنفسهنّ من "الفضيحة"، فالمواضيع التي يخُضنَ فيها شخصية جداً، والنقاشات حميمية جداً أيضاً، والمنشورات قد تحمل في الكثيرٍ من الأحيان أسراراً كبيرة، لا يعرف بها حتى أقرب المقربين إليهنّ.

تأتي هذه المواضيع في بعض الأحيان على شكلِ أسئلة، لمشاركة الآراء والأفكار حولها، وفي أحايين كثيرة على شكلِ حكايات واقعية تسردها النساء، ويطلُبن نصائح الأخريات، وآراءهنّ بخصوصها.

يفسّر هذا السياق أيضاً اختيار أسماء المجموعات، إذ نجدُ "غروب أم ملاك للمشاكل الزوجية والحياة اليومية"، ونجد مجموعات "المغربيات أجمل نساء الكون"، و"المغربيات خطيرات"، ومجموعة Gossip Girls... وتختلف درجة الجرأة بين مجموعةٍ وأخرى، حسب خلفيات النساء المنضمات إليها. لكن، بشكلٍ عام، تظلّ الموضوعات المطروحة نفسها، وإن بطرق مختلفة.

"الفضفضة" ولو في السّر

لتوضيح نوعية القصص المشارَكة في هذه المجموعات، لا بدّ أن نمرّ بعجالة على بعض المنشورات التي تتقاسمها النساء.

تكتب وجدان وجدان: "تزوّجتُ منذ سنتين عن طريق الحبّ، لكنّني بعد أن أنجبت طفلي الأول، لاحظت أنّ زوجي يبتعد عني كلّ يوم أكثر، وعندما بحثت في هاتفه، وجدته يتكلّم مع بنات كثيرات على المسنجر، والواتساب. ماذا أفعل؟". أما نور الهدى فتكتب بخجل عن رغباتها الجنسية: "أبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، وكنت أمارس في وقتٍ مضى، خلال مراهقتي، العادة السرية كثيراً. كنتُ كلّما انتهيت أشعر بالذنب، فأستغفر ربّي في سرّي. بعد سنوات، استطعت تجاوز هذا الإدمان لفترة بمساعدة الصلاة والقرآن. لكن، مؤخراً، بدأت الفكرة في التسلل إلى مخيلتي مجدداً، وراحت تغريني بمداعبة نفسي. أنا أتعذب كثيراً، وأتأرجح بين عالمين. انصحنني من فضلكنّ، من دون تجريح، ولا أحكام مسبقة".

منهن من تشكو عجز زوجها ومن تحبث عن حلول لمشاكلها المستعصية ومن تبحث عن دواء. حميمية الأحاديث المنزلية انتقلت إلى مجموعات نسائية مغربية في فيسبوك

أما أمّ ريان، فتحكي متاعبها في السرير مع رجل طيب، لكنه يعجز عن الاستجابة لرغباتها الجنسية: "أنا متزوجة منذ خمس سنوات، ولدي طفلان. زوجي رجل طيب، ويعتني بنا جيداً، لكن مشكلتي أنني لم أصل إلى النشوة الجنسية معه خلال هذا الوقت كله، إلا مرّتين فقط، وهذا الأمر يعذّبني، فأنا إنسانة، ولي احتياجاتي أيضاً، وأريد من يشعرني بأنوثتي. ماذا أفعل؟".

تحدّث رصيف22 إلى بعض هؤلاء النساء للخوض في أسباب لجوئهنّ إلى مثل هذه المجموعات للحديث عن همومهنّ ومشاكلهنّ المستعصية.

سل المجرّب ولا تسأل الطبيب!

الفقر يجعل الفقير يتمسك بقشة. أحلام، شابة في الثلاثين من عمرها، متزوجة منذ عشر سنوات، ولها ثلاثة أطفال. عندما يمرض أحد أطفالها، لا تلجأ إلى الطبيب مباشرةً، بل تدخل إلى "غروب أم ملاك للمشاكل الزوجية"، حيث تسأل عن علاج الحمّى التي يعاني منها طفلها، أو الحكّة والاحمرار اللذين تعاني منهما في مناطق جسمها الحساسة.

تقول أحلام لرصيف22: "خضت التجربة مع وصفات النساء لعلاج الكثير من الأمراض بوصفاتٍ منزلية فحسب. لا يمكنني اللجوء إلى الطبيب كلّما أصابني شيء بسيط، والسبب هو الحالة المادية الضعيفة لزوجي، واحتياجات الأطفال الكثيرة، وغلاء أسعار الأدوية والعلاجات التي يقترحها الأطباء، وأيضاً أسعار المراهم والمواد التجميلية الاصطناعية".

وتضيف: "جرّبت الكثير من هذه الوصفات، واستطعت الحصول على نتيجة جيّدة، ولو أنّ إحدى الوصفات التي اقترحتها إحداهنّ لتصفية الوجه بماء الأرزّ، جعلتني أعاني أياماً من احمرارٍ في الوجه صحبته آلام فظيعة".

أمّا نادية التي تعاني من مشاكل مع حماتها نظراً إلى سكنها مع عائلة زوجها تحت سقفٍ واحد، فتقول: "أنا وحيدة أمام حماتي، وأخوات زوجي، وعائلته. حاولت الحديث مع زوجي في البداية كي أجد حلاً لمشكلاتي الكثيرة مع عائلته، لكن دون جدوى. حتى عائلتي عاجزة عن إيجاد حل لمعاناتي، لذا لجأت إلى هذه المجموعات لطرح مشكلتي علّ البنات يساعدنني، ألا يقول المثل: اسأل المجرّب ولا تسأل الطبيب؟".

التابوهات المخيفة

بالنسبة إلى كثيرات، يُعد الجنس من الممنوعات التي لا يمكن التطرّق إليها، فالحديثُ عنه "قلّة حياء" أحياناً، و"حرام شرعاً" أحياناً أخرى، و"عهرٌ" في بعض الأحايين لدى فئات محافظة داخل المجتمع. فلِمَن ستشكو المرأة التي يعاني زوجها من سرعة القذف، همّها؟ ومع من تتحدّث التي تعاني من إفرازاتٍ غريبة في عضوها التناسلي؟ وكيف تعبّرُ من تأخرت عادتها الشهرية عن مخاوفها من الحمل خارج إطار الزواج، لأشخاص يعرفونها؟

تجيبُ نجوى (اسمٌ مستعار)، وعمرها 30 عاماً ومطلّقة، في حديثها لرصيف22: "كان زوجي يعاني من صعوبةٍ في الانتصاب، ورفض اللجوء إلى الطبّ لحلّ هذه المشكلة، على الرغم من محاولاتي الكثيرة لإقناعه. لم أستطع طبعاً الحديث مع والدتي في الموضوع، ولا حتى مع صديقاتي خوفاً من الفضيحة. باختصار لم أجد أحداً لأستشيره في قراري الطلاق".

وتضيف نجوى: "الحلّ الوحيد إذاً، كان الدخول إلى مجموعة نسائية فيسبوكية، وطرح هذه المشكلة. جاءتني مئات التعليقات المختلفة، منها تعليقات شجعتني على اتخاذ قرار الطلاق، كونه حقاً لي، ما دام زوجي رافضاً لفكرة العلاج".

تعبير عن المعاناة

بالنسبة إلى الأستاذة المتخصصة في علم الاجتماع كنزة قاسمي، فإنّ "المجموعات النسائية الفيسبوكية تُعدّ إحدى الظواهر والممارسات الجديدة في عالمنا، والتي واكبت الثورة الرقمية، وغيرت معالم حياتنا، ووجودنا، وسُبل التواصل بيننا".

وتضيف قاسمي لرصيف22: "لا مجال للحديث عن الجرأة هنا، لأن التعبير عن المعاناة ضرورة نفسية، واجتماعية، وصحية، في ظل تزايد التحديات، والإكراهات، وتضاعف مصادر الألم بالنسبة إلى النساء".

وتسترسل قاسمي مؤكدةً أن "عد هذا الشكل من التواصل تحرراً أو جرأة، هو أحد أشكال التمثلات الذكورية العنيفة تجاه معاناة النساء الإنسانية، وحقهن في الانعتاق، عبر خلق سبل ممكنة لذلك".

وعلى الرغم من الآراء السلبية كلها، والتي قد توافق هذه التجارب في "العلاج" الجماعي من آفات اجتماعية، فإن تحرّر النساء، وتضامنهن، خرجا من دائرة البيوت، إلى عالم أوسع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard