يتناولون اللحوم سراً ويسكرون ويتباوسون علناً… عرب في شوارع الهند

الأحد 18 يوليو 202105:44 م

كم هي الصدمات التي تلقيتها بعد سفري من القاهرة إلى الهند، والاستقرار فيها طوال شهور العام تقريباً. هزة نفسية وأنا أرى فتيات في عمري وأصغر وأكبر يتبادلن القبلات بحميمية وراحة مع أصدقائهن وأحبائهن، الخمور والمشروبات الكحولية تقدم في كل المطاعم بلا استثناء، الشوارع ممتلئة بالمترنحين من السكر، كل يعيش في ملكه وملكوته.

ولكن الصدمة الأكبر، التي لم أكن أتخيلها، أن أعاني كل تلك المعاناة فقط من أجل شريحة لحم، أو أي طعام يحمل أنفاسه، كأني أسير في الهند بالمعكوس، أمشي على يدي وأحيي الناس بقدمي.

اللعنات لبائعها وتاجرها وشاريها وآكلها.

كل تلك النظرات المحملة بالعار لآكل اللحوم، الكراهية المقدسة، واللعنات لبائعها وتاجرها وشاريها وآكلها، لم أكن أتخيل أن يمر عليّ يوم أشتري اللحم خلسة، وأخبئه في أكياس سوداء، وأطهر فمي وأسناني بعد تناوله، ولا أخبر أحداً به.

كثير من أصدقائي الهنود الذين تعرفت إليهم كانوا يعتبرون أن أكل اللحوم أمامهم هو عدم احترام لمعتقداتهم الدينية، وأقصد هنا باللحوم أي كائن حي يذبح بنيّة الأكل، وليس فقط البقرة، رمزهم المقدس، فهم يعتبرون لمجرد أنك تتناول وجبة من الفراخ أو اللحم، هذا مدلول كافٍ على أنك شخصية عدوانية، وتميل للعنف.

تصورت أن الأمر يحمل مبالغة، بسبب كوني مسلمة، حيلة ليبرروا كراهيتهم للمختلفين معهم في العقيدة، ولكني عرفت بمرور الوقت أنهم يتعاملون مع بعضهم بنفس الطريقة، اللحوم هنا مثل المخدرات، والسكر في الشارع، والقبلات واللمسات الحميمية في العديد من بلادنا العربية.

بلا لحمة… مستحيل!

قدم يونس محمد (19 عاماً) وهو طالب سوداني، أوراقه في كلية علوم التكنولوجيا بجامعة كوغجارات الهندية، بسبب قلة مصروفاتها مقارنة بجامعات بونا ومومباي، بالإضافة إلى أن مدينة أحمد أباد، التي تضم الكلية، مدينة مسلمة بحكم غالبية سكانها، وأمِل في أن تكون قريبة من تكوينه الثقافي، وأسهل في التأقلم.

سكن يونس مع ثلاثة زملاء، بغرفة واحدة، اثنان منهما هنود، والثالث نيبالي، وواجه مشاكل في أكل ما يحب، يقول: "بالنسبة لنا كسودانيين، الطعام الذي يخلو من اللحم هو أمر مستحيل، لا يسمن ولا يغني من جوع، وتلك المدينة بالكامل لا يوجد بها سوى مطعم أو اثنين مملوكين لمسلمين، ويقدمان طعاماً غير نباتي، ونظراً لندرة الأمر فالطعام في تلك المطاعم غالي الثمن بشكل كبير، وأنا طالب أريد أن أوفر أموالي قدر المستطاع".

فكر يونس بأن يطهو الطعام في السكن، ولكن ظهرت مشكلة أخرى، الطعام غير النباتي ممنوع تماماً طهوه، أو حتى اصطحابه في السكن، يقول: "كنت بالفعل في مشكلة لأنني لا أميل إلى الطعام النباتي، ولا أحب التوابل الهندية التي تمثل 80 في المائة من مكونات أي وجبة هندية".

بعد مرور الوقت، عرف من زميل مسلم أن المسلمين هنا يطهون طعامهم في المنازل المسلمة فقط، ولا يأكلون اللحوم خارج المنزل، لأنها ببساطة غير متوفرة، وتعرضهم للانتقاد اللاذع، وهذا هو الحال في الولاية بأكملها وليس المدينة فقط.

"يتساهل أصحاب العقارات هنا في تناولنا كفتيات للخمور، أو حتى زيارة أصدقائنا الشباب، ولكننا لم نعثر على منزل بسهولة بسبب حظر طهي اللحوم في المنزل تماماً"

بدأ يونس يخسر الكثير من وزنه، وبالكاد يبتاع مأكولات يجدها صالحة لشهيته، حتى قرر الانتقال إلى ولاية ماهراشترا، فهي الأفضل حالاً بنظره لأن سكانها من الهندوس يأكلون بعض الوجبات غير النباتية.

الآن، بعد انتقال يونس في ثلاث ولايات، تشعر شهيته بالاستقرار في بونا، استرد وزنه الطبيعي، ولكن لا يزال يشعر بالحرج في بعض المواقف، مثلاً إذا أخطأ ودخل مطعماً نباتياً ليسأل عن وجبة لحم، يقول: "أجد نظرة مملوءة بالاشمئزاز، والتقزز من النادل وهو يخبرني أنه لا يبيع سوى الأكل النباتي".

"تأكل اللحم، يع!"

يجهل الكثير من أصدقاء ليلى عمر (22 عاماً)، من سلطنة عمان وتدرس في كلية الصيدلة بجامعة بومباي، أنها مسلمة، لأنها لا ترتدي الحجاب في الهند، حتى شريكاتها في السكن قد لا يعرفن ذلك.

تقول ليلى لرصيف22: "مومباي تعرف بأوروبا الهند، لا يوجد قيود مثلما في المدن الأخرى، وحتى الزي الرسمي للهند لا يرتديه معظم سكان مومباي، فهناك نسبة تفتح وتقبل للآخر أكثر كثيراً من أي مدينة أخرى، ولكن هناك أمر واحد يجتمع عليه هؤلاء، كراهية أكل اللحوم، ومشاعرهم السلبية التي لا يتقنون إخفاءها لمن يتناولونها".

"إذا كنت أتناول اللحوم أم لا، إجابتي كإنسانة قادمة من ثقافة متطبعة مع أكل اللحوم دائماً كانت لا تروق لمعظمهم، حتى وإن كانت ردود أفعالهم عبارة عن ابتسامة صفراء، يشوبها بعض من الأسف أو التحسر، فكنت أسمع أصوات عقولهم، تقول: يا خسارة أو يع".

كأني أسير في الهند بالمعكوس، أمشي على يدي وأحيي الناس بقدمي، فاللحوم ممنوعة، وحرام دينياً، والخمور في كل المطاعم، وسكارى يترنحون في الشوارع، وفتيات يقبلن أحباءهنّ علناً

قررت ليلى بعد أن زاد عدد الطالبات العمانيات في الجامعة، ووصل إلى ثماني طالبات، أن يستأجرن شقة خاصة بعيداً عن سكن الجامعة، وأخيراً سيكون لديهن الحرية الكاملة في طهي ما يشتهينه، أو مشاهدة أفلام عربية معاً، أو الصلاة في جماعة.

تماماً مثل يونس، فرحة ليلى لم تدم طويلاً، فقد صدمت بشروط أصحاب العقارات، وعلى رأسها: "ممنوع طهي اللحم في المنزل"، إذ يوجد معبد مقابل للعقار، أو أن صاحب العقار متدين بشكل كبير، ويأتي شرط عدم التدخين في المرتبة التالية، "بينما ليس لديهم أي مشكلة في تناول المشروبات الكحولية أو حتى زيارة الفتيان إلى المنزل، وهنا استغرقنا وقتاً أطول حتى حصلنا على شقة لم يضع مالكها كل تلك الشروط".

الهنود واللحوم

تنتشر في الصحف الهندية ومواقع التواصل أخبار وتصريحات ضد أكل اللحوم، إضافة إلى خرافات وأساطير. كلمات مثل ما قاله تيم بنتون، خبير الأمن الغذائي في جامعة ليدز: "معظم الناس لا يفكرون في عواقب الطعام على التغير المناخي، لكن التقليل من تناول اللحوم الآن يمكن أن يجعل الأمور أفضل بكثير لأولادنا وأحفادنا".

"يوجد أكثر من 3.5 مليار من الحيوانات المجترة على سطح الأرض، وعشرات المليارات من الدجاج، ويجري إنتاجها وذبحها جميعا لتوفير الغذاء كل عام. نحن نتحدث عن قدر كبير جداً من الاضطراب الاقتصادي"، يقول بين فالان، الباحث في مجال التوازن بين الطلب على الغذاء والتنوع البيئي في جامعة كامبريدج.

هذه الجمل وغيرها لا تمر على المثقف الهندي مرور الكرام، أما لدى عامة الناس فقد وصل الأمر إلى "استخدام العنف لنبذ العنف"، مثلما وصف علماء النفس والاجتماع في الهند، اضطرابات ومشادات تنادي بحظر تناول اللحوم لأنها تجعل البشر عدوانيين، وصلت إلى عدة عمليات قتل فردية بسبب تناول الضحايا لطعام غير نباتي، وكان آخرها تلك التي حدثت في أيار/ مايو 2021، إذ قام حشد في شمال الهند بسحب رجل مسلم يبلغ من العمر 50 عاماً من منزله، وضربوه حتى الموت.

وروجت فئة أخرى من النباتيين الهنود في وسم "#no_meat_no_corona"، إلى أن أكل اللحوم تسبب في ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا، دون الرجوع لسبب علمي واضح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard