رجال نباتيون وخضريون عرب: "هنالك شبه بين نمط الغذاء النباتي والنسوية"

الجمعة 26 يونيو 202001:49 م

في الرحلات وفي تجمعات الأعياد، تأتي صورة الرجال وهم يحضّرون اللحوم المشوية، كمشهد اعتيادي يعبّر عن الرجولة، وغالباً ما تقدم الإعلانات صورة تمثل الرجال مفتولي العضلات وهم يتناولون اللحوم، إذ طالما تم ربط استهلاك اللحوم بالقوة والذكورة، حيث يتم الترويج لتناول اللحوم كمصدر رئيسي للبروتين اللازم لبناء العضلات.

تشير البروفسورة تانجا باوليتز ومارتين وينتر، إلى أنه "يرتبط تناول اللحوم ارتباطاً وثيقاً بالثورة الصناعية وبداية الرأسمالية، وتظهر الدراسات أنه في ذلك الوقت، سادت فكرة تبين أن اللحم يضمن نمو العضلات التي يحتاجها الرجل ليتمكن من القيام بالعمل اليدوي. كما ارتبطت هذه الدلالة بكل من الصناعة والجيش، فقد تم تزويد الجنود في ألمانيا بالكثير من اللحوم في الحرب العالمية الأولى، ما ساهم بتعزيز هذه الممارسة ضمن النظام الغذائي"، وكثيراً ما يتم الربط بين تناول اللحوم والقوة الجنسية، في سرديات تجعل موائد ليلة الدخلة كوليمة لاحمة لمدّ العريس بالقوة.

" كيف جئت من بلد فيها حرب ودمار وأنت تعمل في مجال حقوق الحيوان!؟"

هذه الممارسات الغذائية التي تشجع على استهلاك اللحوم بشكل كبير تتسبب بأضرار صحية للرجال، وهي انعكاس لثقافة الذكورة السامة. تعزز الثقافة البطريركية ثقافة الذكورة السامة المؤذية للنساء والرجال والبيئة على حد سواء. هذه الثقافة تتسم بتعزيز سيطرة الذكور وتطبّع للعنف وكبت العواطف والتملك، كصفات ترتبط بالذكورة المسيطرة، بحسب الباحثة في دراسات الذكورة، راين كولينز.

إضافة لذلك يوضح تيري كوبرز، أن "الذكورة السامة هي مجموعة من السمات الذكورية المرتبطة بالنكوص الاجتماعي، الذي يعمل على تعزيز الهيمنة ورهاب المثلية والعنف الوحشي والتقليل من قيمة المرأة، كما تشمل الرجولة السامة قدراً كبيراً من ميول الذكور التي تؤدي إلى المقاومة في العلاج النفسي".

وتبين الدراسات مجموعة من الحقائق الصادمة التي تعكس أثر الذكورة السامة على الذكور وممارساتهم الغذائية، حيث يستهلك الرجال اللحوم بنسبة 57% أكثر من النساء، ونجد أن 37% من النباتيين هم من الذكور بينما 63% هم من النساء.

في استطلاع لتويتر لعام 2019 من قبل المستخدم Meman Mevegan، عبر 39% من الرجال أن أكبر الحواجز التي تحول دون أن يكونوا نباتيين هي إدراكهم أن الأمر ليس عادة ذكورية، وعبّر 45% عن خوفهم من الوصمة الاجتماعية، بينما رأى 12% أنها ليست عادة صحية، وعبّر 4% عن خوفهم من عدم انجذاب النساء إليهم.

في استطلاع أجرته جامعة ساوث هامبتون، أعرب الرجال الذين كانوا منفتحين على النباتيين، أو كانوا يأكلون بنشاط حمية نباتية في المنزل، عن عدم ارتياحهم للقيام بذلك في الأماكن العامة بسبب الضغوط الاجتماعية.

ذات مرة أخبرنا الطبيب البيطري عندما كنا نقيم في الأردن، بأنه لا يستطيع أن يصبح نباتياً خوفاً من الوصمة، وخوفاً من عدم استطاعته رفض عزائم الأقرباء لتناول المنسف.

هذه المفارقة لطبيب بيطري يعجز أن يختار النباتية كنظام لحياته، يدفعنا للبحث في خيارات الذكور المضطرين لمجاراة منظومة تسلبهم حق الاختيار. ضمن هذه المنظومة التي تشجع الصفات الذكورية المهيمنة المرتبطة بالقوة والحماية والمنافسة، يصبح النموذج الذي يقدمه نباتيون عرب ملحاً للبحث فيه، ولقراءة الطرق التي يعبر من خلالها هؤلاء الرجال عن هويتهم الجندرية والإنسانية.

ضمن المنظومة التي تشجع الصفات الذكورية المهيمنة المرتبطة بالقوة والحماية والمنافسة، يصبح النموذج الذي يقدمه نباتيون عرب ملحاً للبحث فيه، ولقراءة الطرق التي يعبر من خلالها هؤلاء الرجال عن هويتهم الجندرية والإنسانية

"كما لو كان تذنيباً مباشراً" 

فارس البحرة، طبيب نفسي مقيم في ألمانيا، وهو نباتي منذ 15 عاماً، وتحول مؤخراً لاتباع نظام Plant Based، حيث لا يستهلك أي منتج حيواني لأسباب أخلاقية وصحية، وقد ساهم برنامج باسم يوسف Plant B باتباعه لهذا النظام.

في حديث معه لرصيف22، قال: "لم أتعرض للتنمّر بسبب اتباعي لنظامي الغذائي النباتي، ولكنني أتعرض أحياناً لسخرية، أواجهها عادة بمثلها أو أكثر. أشعر عموماً أن النباتيين يقفون صحياً وأخلاقياً وجمالياً على أرض أكثر صلابة وتماسكاً ممن يهاجمهم".

ويتابع: "بعض اللاحمين يتلقّون تبني آخرين لنمط الغذاء النباتي كما لو كان تذنيباً مباشراً لهم. مرد الأمر في رأيي أنهم يذكّرونهم بالعنف المرتكب بحق الحيوان، وكأن النباتي يذكرهم بأنهم يتناولون هذا العنف مع طعامهم، بغسله يديه من العنف المرتكب بحق الحيوان، يبدو النباتي بالنسبة إلى اللاحمين كأنّه، وبمجرد امتناعه عن تناول اللحوم، ينقل العنف المطبّق على الحيوانات إلى معدة آكليها. فنحن هنا أمام رفع إلى مستوى الوعي لسلوك يفضل أصحابه أن يظل بعيداً عن الوعي والمراجعة، ويبقى في حيز 'البديهي والطبيعي'".

ويواصل البحرة: "وهنا وجه شبه بين نمط الغذاء النباتي والنسوية، فكلا النزعتين مرتبط باعتماد قرارات حياتية واعية، قد تفارق إلى حد بعيد ما يراد له أن يبقى غير قابل للمساءلة، ما جعل أيضاً كلاً من النباتية (والخضرية طبعاً) والنسوية جزءاً من النزعة المجتمعية البديلة في يومنا هذا، الأمر الذي قد يشكل بذاته مرجعاً إضافياً لتواطؤ دوغمائي للّاحمين، من قبيل مهاجمة كل ما هو جديد ومبتكر وكل ما يدّعي لنفسه مكانة البديل".

وقد أشار البحرة أنه من ناحية أخرى، فإن النباتية والخضرية نفسها مهددة بالوقوع في فخ الدوغما والتحزب والصوابية والمبالغة في أهمية الدور الذي يلعبه هذا الخيار في رسم هوية أصحابه، على الرغم من أنه لا يتعدى في النهاية كونه نمط غذاء مفضل.

خاتماً حديثه: "فيتذكر النباتيون بسرور مفهوم أن تولستوي وبول ماكارتني مثلاً لم يتناولوا اللحوم، ولن يسرهم طبعاً أن هتلر نفسه كان نباتياً تقريباً، وإن كان سبب ذلك ليس تبنيه لقناعات معينة، وإنما عسر هضم كانت تسببه اللحوم له. وإن 'بشّرت' بالنباتية والخضرية والإقلاع عن اللحوم والمنتجات الحيوانية فمن قبيل أن أتمنى للآخرين ما أحببته لنفسي لا أكثر، مع علمي بأن ما يلائمني قد لا يلائم غيري".

"إن النباتية والخضرية نفسها مهددة بالوقوع في فخ الدوغما والتحزب والصوابية والمبالغة في أهمية الدور الذي يلعبه هذا الخيار في رسم هوية أصحابه، على الرغم من أنه لا يتعدى في النهاية كونه نمط غذاء مفضل."

"تشبيه قوتهم بالحيوانات"

أما علي آل السلام، مقيم سعودي، يمارس رياضة كمال الأجسام، وله قناة على الإنستغرام باسم VGN3li يشارك فيها نظامه الغذائي مع متابعيه.

يبين علي مدى الضرر الجسدي الذي تعرض له بسبب تناول اللحوم والبروتين، والذي أدى إلى تعرضه لمشاكل في الضغط، ويوضح تحسن صحته مع اتباعه للنظام النباتي.

وتابع في حديث لرصيف22: "بدايتي كبداية أي شخص توجّه للصالة الرياضية راغباً في بناء عضلاته، ودائماً ما يُقرن بناء العضلات بالبروتين الذي يقودنا بالأخير للبروتين من المشتقات الحيوانية (البيض، اللحوم). وبمجتمعنا دائماً ما يشار لآكل اللحوم بالرجولة والفتوة، حتى بالدعايات الإعلانية يتم ترويج أكل اللحوم او مشتقات الألبان كمصدر للقوة، ودائماً ما يشار للذكور ويتم تشبيه قوتهم بالحيوانات اللاحمة، كالأسود والذئاب، كنوع من الفخر".

ويواصل: "لكن يجهل البعض وجود جانب آخر من التغذية، مليء بالرحمة والتأثير الإيجابي على الصحة والبيئة. أصناف وخيارات كثيرة حُرمنا منها وتأدلجنا في جانب واحد فقط من الأطعمة المحصورة في عدة أصناف لا أكثر، واعتقدنا أنها الغذاء الصحي المُغذي بالعناصر الغذائية التي نحتاجها، ولكن للأسف هناك جانب مُظلم يجهله الكثير خلف هذه الصناعة. للأسف التنمّر موجود على الكثير من النباتيين، وهذا بسبب جهل الكثيرين بالتغذية النباتية، وهذا فعلاً ما نقوم به أنا وزملائي النباتيون من نشر التوعية والتثقيف في هذا الجانب".

"قدومي من بلد فيها حرب لا يلغي إنسانيتي"

كنان العقاد، 33 عاماً، سوري مقيم في قطر، ومؤسس صفحة ملتقى النباتيين التي تجمع نباتين عرب، بعضهم ناشط في حقوق الحيوان.

يشعر العقاد أنه يساهم بتغيير مفاهيم مخلوطة بمجتمعنا، مثل سؤال البعض: كيف جئت من بلد فيها حرب ودمار وأنت تعمل في مجال حقوق الحيوان!؟

ويتابع: "قدومي من بلد فيها حرب لا يلغي إنسانيتي وتعاطفي مع الحيوانات بل يزيد من شعوري بها، الجوع والفقر الذي يعانيه البشر أشعر به بذات القلب الذي أتعاطف به مع الحيوانات، فاحترام حق الحياة لا يتجزأ، وكما يوجد من يعمل لإنقاذ البشر يوجد من يبادر تجاه الحيوانات. وفي النادي يستغرب مدرب بناء العضلات كوني نباتياً، على الرغم من وجود لاعبي كمال أجسام خضريين مشهورين مثل باتريك بابوميان، وبعض الأشخاص يشعرون بأن النباتية تعبير عن ضعف أو حساسية مفرطة، بينما على العكس نجد أن إنساناً مثل غاندي، كان نباتياً واستطاع تحرير بلاده".

أما كنان العيسمي، 29 عاماً، مقيم في برلين وافتتح مطعماً نباتياً Vegan Flavors بصبغة شرقية، فقد اعتاد على الطبخ منذ أن أصبح نباتياً لأسباب أخلاقية، وبدأ بعدها يشعر بالفرق على المستوى الصحي، وقد بين أنه تعرض في حالات معينة لتنّمر على السوشال ميديا، بسبب جهل البعض وافتراضهم أن النباتية تتعارض مع الدين، حسب تعبيره، ويرى كنان أن العقلية المتزمتة تتبدى حيث أن "المجتمع دائماً يعمل على خلق نسخ متشابهة بكل نواحي الحياة".

"نباتي من أجل الحيوان"

ومن صفحته على الإنستغرام يشارك عزيز، 27 عاماً، كويتي، وصفاته النباتية. اختار عزيز هذا النمط لأسباب صحية، ويرى أنه يساهم في الترويج لنمط صحي يساعد البعض على تجنب أمراض ناتجة عن تناول الوجبات السريعة واللحوم بكثرة، ويتابع: "أشعر أن النباتية باتت نظاماً يقبل عليه الكثيرون في الكويت، واستطعت أن أؤسس ماركة للكوكيز واللبنة النباتية، وأحب الطبخ ومشاركة وصفاتي على النت".

أما نورس أبو فخر، 33 عاماً، خضري vegan من سوريا ومقيم بلبنان، وفي حديث معه قال: "أنا نباتي من أجل الحيوان، الإنسان، الأرض، السلام ومن أجل الحب بشكل عام، وبشكل خاص، صحياً وأخلاقياً ومن أجل البيئة، وكي نعي ما يدخل إلى جسدنا من أكل وشرب، ومن مبدأ احترام كل الكائنات على كوكب الأرض لأننا شركاء".

ويتابع: "منذ أصبحت نباتياً زادت إنسانيتي وشعوري بالآخر، سواء كان إنساناً أو حيواناً، وهذا الإحساس ليس ضعفاً، بالعكس إنه قوة. أما من ناحية الرجولة كجنس، فهذا يعود إلى كل شخص كيف يعتبر موضوع الجنس، إن كان غريزياً، مقدساً أو بدون وعي. وبالعكس، النباتي يصبح قوياً من جميع النواحي، لأنه قادر على ضبط رغباته ويتحكم بالكثير من جوانب حياته".

تأتي تجارب النباتين المتنوعة كإضاءة على أنماط إيجابية باحثة عن التغيير، ضمن منظومة رأسمالية أبوية تغذي الذكورة السامة، وتسمح بأن تسود الذكورة المهيمنة كنمط ثقافي واجتماعي وغذائي

تأتي تجارب النباتين المتنوعة كإضاءة على أنماط إيجابية باحثة عن التغيير، ضمن منظومة رأسمالية أبوية تغذي الذكورة السامة، وتسمح بأن تسود الذكورة المهيمنة كنمط ثقافي واجتماعي وغذائي.

التركيز على أهمية البيئة والطبيعة هو جزء من الحراك النسوي الذي يربط بين معاناة الطبيعة وبين المرأة، خاصة للناشطين ضمن الـEcofeminism، فالباحثة فاندانا شيفا، تعزو هذا التقليل من أهمية المرأة والطبيعة للبطريركية الغربية التي وصمتها باللاإنتاجية، إذ اعتبرتهما غير مفصلين في عجلة النمو الاقتصادي، وكجزء من البحث النسوي، تأتي دراسات الذكورة كجهد إيجابي للعمل على التغيير، والتأكيد على أهمية التغيير الجندري في المجتمع، من خلال تقديم نماذج إيجابية متنوعة للذكورة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard